map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

3907

مخيم اليرموك ..... بين دبابتين

تاريخ النشر : 16-06-2018
مخيم اليرموك ..... بين دبابتين

خاص مجموعة العمل-  لندن

مخيم اليرموك عاصمة الشتات الفلسطيني، مخيم الثورة والثوار، الوطن الصغير، مدرسة الكفاح والنضال وغيرها من الأسماء التي أطلقها عليه اللاجئون الفلسطينيون ورواد الفكر الثوري العربي الذين وجدوا فيه البيئة الخصبة لصقل أفكارهم ورسم ملامح طريق نضالهم، فمركزه الثقافي وأنديته الرياضية ومنتدياته الأدبية ستشهد بذلك لو استطاعت الإجابة عند السؤال.

من الصور الأليمة التي تبادرت إلى ذهني يوم 21/ أيار- مايو 2018 عندما شاهدت الدبابات تشق طريقها في شوارع مخيم اليرموك بعد الإعلان عن انتهاء العملية العسكرية التي بدأها النظام السوري ضد تنظيمي داعش وهيئة تحرير الشام بعد فشل المفاوضات معهما بالخروج من المخيم، ترأت أمام ناظري صورة الدبابة الصهيونية التي جابت شوارع المخيم ذات يوم من أيام صيف عام 1982، عندما دخلت إلى مخيم اليرموك يقودها فدائي فلسطيني ويعتلي ظهرها ثلة من  الفدائيين الأبطال الذين ارتسمت على جباههم علامات الفخر والاعتزاز باغتنامهم تلك الدبابة والوصول بها إلى اليرموك كعربون وفاء لدماء شهداء الثورة الفلسطينية ورسالة تثبيت للمرابطين على الثغور الذين أذلوا الاحتلال وكسروا أسطورة الجيش الذي لا يقهر وهزموا البعبع الصهيوني الذي يغشاه الجبناء  في زمن عزت  فيه الانتصارات وتخللت النفوس مشاعر الإحباط.

كان المنظر رهيباً، حين مُدِدَ على سطح الدبابة جندي صهيوني مقتول، والفدائيون يحيطون به من كل جانب وقائد الدبابة يتجول بها في شوارع مخيم اليرموك وحاراته، وقتها كنت طفلاً بعمر ثلاثة عشر عاماً فأخذت أركض خلف الدبابة مع مئات الأطفال والشباب والرجال والنساء، تدفعنا نشوة الفرح بهذا الإنجاز العظيم الذي حققه هؤلاء الأشاوس بامتلاك الآلية بعد مقتل طاقمها الذي شفى صدور الآلاف من الأباء  والأمهات الثكالى اللواتي فقدن أبنائهن في الحروب مع الكيان الصهيوني الغاصب لحقهم القاتل لأحلامهم بالعيش على أرضهم.

لم يَرُق ذلك المشهد وقتئذ ٍ لقادة الكيان الصهيوني  فكان تصريح وزير الحرب أرئيل شارون الشهير " لك يوم يا مخيم اليرموك"، ولكن لم يصرح عن ماهية أو أدوات تنفيذ  التهديد والوعيد الذي أطلقه فبدأت التكهنات حول ملامح ذلك اليوم أو توقيته أو آليات الانتقام التي سيقوم بها العدو الغادر، فهناك من توقع قيام الطائرات الصهيونية بقصف حي من أحياء المخيم، وهناك من توقع إفساد الشباب وإغراقهم في الرذيلة والمخدرات، أو تنفيذ اغتيالات بحق شخصيات فلسطينية بارزة من قيادات الثورة الذين يسكنون المخيم، ومنهم من توقع مخططات صهيونية تدريجية  تنزع فلسطين من عقول وقلوب اللاجئين لتؤول القضية إلى زوايا النسيان، إلا أنه لم يخطر ببال  أحد أن ذلك الوعيد سيكون بالتدمير الكامل للمخيم وتهجير سكانه ومسحه عن خارطة اللجوء الفلسطيني، ولكن المفارقة العجيبة والمؤسفة أن التدمير لم يكن بأيدي صهيونية إنما تم بالوكالة وبشكل أكبر مما تمنى شارون واشتهي.

لقد نبشت الدبابات المقتحمة  لمخيم اليرموك الذاكرة الفلسطينية، وأعادت إلى الأذهان مشهد  رسخ في ذاكرتهم قرابة الـ 36 عاماً غير أن الحاضر كان أشد إيلاماً، فالمقارنة مؤلمة  وشتان ما بين الدبابتين، دبابة صهيونية معادية أسيرة في يد الفلسطينيين تدخل اليرموك لتعبر عن انتصار الحق الفلسطيني، ودبابة سورية حليفة تقصف وتدمر وتجهز على ما لم تصل إليه صواريخ الراجمات والطائرات الحربية السورية والروسية.

 لم يشفع للفلسطينيين في سورية إدراكهم وفهمهم لخطورة إقحام مخيماتهم إلى قلب الأزمة السورية، رغم رفض الغالبية العظمى الاصطفاف وإعلانهم منذ اليوم الأول للثورة وقوفهم على الحياد،  فتجارب الماضي في بلدان اللجوء الأخرى لاتزال حاضرة في أذهانهم، فهم يخافون مألات الحرب وانعكاساتها،  والشواهد تثبت أن الفلسطينيين كانوا دوما ً الخاسر الأكبر في الصراعات العربية البينية، والقربان الذي يتقرب به اللاهثون خلف أسيادهم الساعين لاجتثاث الفلسطينيين والقضاء عليهم، فلا شيء يخيف الكيان الصهيوني أكثر من بقاء قضية اللاجئين حية ووجود أصحاب الحق في دول الطوق بمخيمات شاهدة على جريمته، يعدون ويستعدون ليل نهار ليوم يعودون فيه إلى ديارهم في الجليل ويافا وحيفا وكل فلسطين، ما يعني له الزوال.

في هذه المرحلة الخطيرة من مراحل  الوجود الفلسطيني في سورية هبت رياح الكيان الصهيوني وأصبحت الفرصة كبيرة وسانحة للثأر الدفين وتسديد فاتورة الحساب القديم، فالشركاء والحجج حاضرون أكثر من أي وقت مضى، حيث لم يكن بوسعه تدمير أكبر مخيم للاجئين في دولة عربية وتهجير قرابة الـ 230 ألف فلسطيني  بشكل مباشر، فطابت له العملية العسكرية السورية الروسية ووجد فيها ضالته، فهي تتمتع "بالشرعية " ومبررة ومقبولة على المستوى الرسمي الدولي والعربي والفلسطيني، كونها تحارب الإرهاب، وأن الهدف منها القضاء على داعش والنصرة وأنها عملية  تحرير أو استئصال أو تطهير ...، ما فرض - ربما - على الجميع الصمت عن الاستخدام المفرط للقوة والكثافة النارية   من قبل النظام السوري وحلفائه والتعامي عن النتائج الكارثية لهذه العملية التي أفضت إلى تدمير قلعة من قلاع المقاومة ومنارة من منارات الشعب الفلسطيني التي أرقت الكيان الصهيوني على مدار عقود من اللجوء، وإلى تسطيرشهادة وفاة مخيم اليرموك بنيران صديقة  ليرقد بذلك إلى جانب مخيمات سبقته كمخيم النبطية وجسر الباشا وتل الزعتر ونهر البارد ويتحقق وعيد المقبور شارون.

 

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/10012

خاص مجموعة العمل-  لندن

مخيم اليرموك عاصمة الشتات الفلسطيني، مخيم الثورة والثوار، الوطن الصغير، مدرسة الكفاح والنضال وغيرها من الأسماء التي أطلقها عليه اللاجئون الفلسطينيون ورواد الفكر الثوري العربي الذين وجدوا فيه البيئة الخصبة لصقل أفكارهم ورسم ملامح طريق نضالهم، فمركزه الثقافي وأنديته الرياضية ومنتدياته الأدبية ستشهد بذلك لو استطاعت الإجابة عند السؤال.

من الصور الأليمة التي تبادرت إلى ذهني يوم 21/ أيار- مايو 2018 عندما شاهدت الدبابات تشق طريقها في شوارع مخيم اليرموك بعد الإعلان عن انتهاء العملية العسكرية التي بدأها النظام السوري ضد تنظيمي داعش وهيئة تحرير الشام بعد فشل المفاوضات معهما بالخروج من المخيم، ترأت أمام ناظري صورة الدبابة الصهيونية التي جابت شوارع المخيم ذات يوم من أيام صيف عام 1982، عندما دخلت إلى مخيم اليرموك يقودها فدائي فلسطيني ويعتلي ظهرها ثلة من  الفدائيين الأبطال الذين ارتسمت على جباههم علامات الفخر والاعتزاز باغتنامهم تلك الدبابة والوصول بها إلى اليرموك كعربون وفاء لدماء شهداء الثورة الفلسطينية ورسالة تثبيت للمرابطين على الثغور الذين أذلوا الاحتلال وكسروا أسطورة الجيش الذي لا يقهر وهزموا البعبع الصهيوني الذي يغشاه الجبناء  في زمن عزت  فيه الانتصارات وتخللت النفوس مشاعر الإحباط.

كان المنظر رهيباً، حين مُدِدَ على سطح الدبابة جندي صهيوني مقتول، والفدائيون يحيطون به من كل جانب وقائد الدبابة يتجول بها في شوارع مخيم اليرموك وحاراته، وقتها كنت طفلاً بعمر ثلاثة عشر عاماً فأخذت أركض خلف الدبابة مع مئات الأطفال والشباب والرجال والنساء، تدفعنا نشوة الفرح بهذا الإنجاز العظيم الذي حققه هؤلاء الأشاوس بامتلاك الآلية بعد مقتل طاقمها الذي شفى صدور الآلاف من الأباء  والأمهات الثكالى اللواتي فقدن أبنائهن في الحروب مع الكيان الصهيوني الغاصب لحقهم القاتل لأحلامهم بالعيش على أرضهم.

لم يَرُق ذلك المشهد وقتئذ ٍ لقادة الكيان الصهيوني  فكان تصريح وزير الحرب أرئيل شارون الشهير " لك يوم يا مخيم اليرموك"، ولكن لم يصرح عن ماهية أو أدوات تنفيذ  التهديد والوعيد الذي أطلقه فبدأت التكهنات حول ملامح ذلك اليوم أو توقيته أو آليات الانتقام التي سيقوم بها العدو الغادر، فهناك من توقع قيام الطائرات الصهيونية بقصف حي من أحياء المخيم، وهناك من توقع إفساد الشباب وإغراقهم في الرذيلة والمخدرات، أو تنفيذ اغتيالات بحق شخصيات فلسطينية بارزة من قيادات الثورة الذين يسكنون المخيم، ومنهم من توقع مخططات صهيونية تدريجية  تنزع فلسطين من عقول وقلوب اللاجئين لتؤول القضية إلى زوايا النسيان، إلا أنه لم يخطر ببال  أحد أن ذلك الوعيد سيكون بالتدمير الكامل للمخيم وتهجير سكانه ومسحه عن خارطة اللجوء الفلسطيني، ولكن المفارقة العجيبة والمؤسفة أن التدمير لم يكن بأيدي صهيونية إنما تم بالوكالة وبشكل أكبر مما تمنى شارون واشتهي.

لقد نبشت الدبابات المقتحمة  لمخيم اليرموك الذاكرة الفلسطينية، وأعادت إلى الأذهان مشهد  رسخ في ذاكرتهم قرابة الـ 36 عاماً غير أن الحاضر كان أشد إيلاماً، فالمقارنة مؤلمة  وشتان ما بين الدبابتين، دبابة صهيونية معادية أسيرة في يد الفلسطينيين تدخل اليرموك لتعبر عن انتصار الحق الفلسطيني، ودبابة سورية حليفة تقصف وتدمر وتجهز على ما لم تصل إليه صواريخ الراجمات والطائرات الحربية السورية والروسية.

 لم يشفع للفلسطينيين في سورية إدراكهم وفهمهم لخطورة إقحام مخيماتهم إلى قلب الأزمة السورية، رغم رفض الغالبية العظمى الاصطفاف وإعلانهم منذ اليوم الأول للثورة وقوفهم على الحياد،  فتجارب الماضي في بلدان اللجوء الأخرى لاتزال حاضرة في أذهانهم، فهم يخافون مألات الحرب وانعكاساتها،  والشواهد تثبت أن الفلسطينيين كانوا دوما ً الخاسر الأكبر في الصراعات العربية البينية، والقربان الذي يتقرب به اللاهثون خلف أسيادهم الساعين لاجتثاث الفلسطينيين والقضاء عليهم، فلا شيء يخيف الكيان الصهيوني أكثر من بقاء قضية اللاجئين حية ووجود أصحاب الحق في دول الطوق بمخيمات شاهدة على جريمته، يعدون ويستعدون ليل نهار ليوم يعودون فيه إلى ديارهم في الجليل ويافا وحيفا وكل فلسطين، ما يعني له الزوال.

في هذه المرحلة الخطيرة من مراحل  الوجود الفلسطيني في سورية هبت رياح الكيان الصهيوني وأصبحت الفرصة كبيرة وسانحة للثأر الدفين وتسديد فاتورة الحساب القديم، فالشركاء والحجج حاضرون أكثر من أي وقت مضى، حيث لم يكن بوسعه تدمير أكبر مخيم للاجئين في دولة عربية وتهجير قرابة الـ 230 ألف فلسطيني  بشكل مباشر، فطابت له العملية العسكرية السورية الروسية ووجد فيها ضالته، فهي تتمتع "بالشرعية " ومبررة ومقبولة على المستوى الرسمي الدولي والعربي والفلسطيني، كونها تحارب الإرهاب، وأن الهدف منها القضاء على داعش والنصرة وأنها عملية  تحرير أو استئصال أو تطهير ...، ما فرض - ربما - على الجميع الصمت عن الاستخدام المفرط للقوة والكثافة النارية   من قبل النظام السوري وحلفائه والتعامي عن النتائج الكارثية لهذه العملية التي أفضت إلى تدمير قلعة من قلاع المقاومة ومنارة من منارات الشعب الفلسطيني التي أرقت الكيان الصهيوني على مدار عقود من اللجوء، وإلى تسطيرشهادة وفاة مخيم اليرموك بنيران صديقة  ليرقد بذلك إلى جانب مخيمات سبقته كمخيم النبطية وجسر الباشا وتل الزعتر ونهر البارد ويتحقق وعيد المقبور شارون.

 

الوسوم

مقالات , مخيم اليرموك ,

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/10012