map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

3998

هذه حكايتي (56)|| أبو علاء: عانيت مرارة النزوح والحصار والجوع والاعتقال والهجرة والخذلان وقلة الوفاء

تاريخ النشر : 13-08-2018
هذه حكايتي (56)||  أبو علاء: عانيت مرارة النزوح والحصار والجوع والاعتقال والهجرة والخذلان وقلة الوفاء

مجموعة العمل – فايز أبو عيد

يبث أبو علاء  "تم تغيير أسمه والتفاصيل المتعلقة بهويته بهدف حمايته"  لاجئ فلسطيني من أبناء مخيم درعا للاجئين الفلسطينيين جنوب سورية، قصته الإنسانية التي خرجت من رحم فظائع الحرب التي اندلعت في سورية، عبر مشروع هذه حكايتي الذي اطلقته مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية،  ليسرد من خلالها قصة معاناته وألمه التي ذاق فيها مرارة النزوح والحصار والجوع والاعتقال والهجرة وعانى من الخذلان و الحرمان وقلة الوفاء والإنسانية عند من يصفون أنفسهم بالبشر.

يقول أبو علاء : "«قصتي، هي واحدة من آلاف القصص التي سطرت بمداد من الدم والألم المعجون برائحة البارود والبراميل المتفجرة ورصاص القناص والموت الذي كان قاب قوسين أو أدنى مني ومن عائلتي، والمجبولة بالصور والذكريات المفرحة المؤلمة.

يستطرد أبو علاء بدأت حكايتي المأساوية مع بدء الأزمة في سورية من مدينة درعا، ومع دخول مخيم درعا عنوة في الأحداث الدائرة بمحيطه وبسبب استضافته لأهالي البلدات والمناطق المحاذية له، اقتحمت القوات السورية المخيم عدة مرات للبحث عن مطلوبين معارضين للدولة، وبعد دخول المجموعات المسلحة التابعة للمعارضة  السورية إلى المخيم بدأت الاشتباكات وتبادل القصف بين الطرفين، حينها بقيت صامداً ولم أغادر منزلي رغم الظروف الصعبة، وما تعرض له المخيم من قصف وعمليات قنص يومية، فكنت أساعد أبناء مخيمي ممن يتعرضون للإصابة أو يحتاج منهم للمياه وغيرها من الخدمات الإنسانية، وذلك بعد أن فرض النظام السوري حصاره المطبق على المخيم ومنع إدخال المواد الغذائية والأدوية والمحروقات إليه، وقطع مياه الشرب عنه.

يضيف ابو علاء " في بداية عام 2012 قصف منزلي ولم يصب أحد من أفراد عائلتي لأننا كنا بزيارة لقريب لنا في المخيم، انتقلت بعد ذلك للسكن بمنزل أحد أقاربي، وفي أحد الأيام عندما كانت ابنتي الصغيرة ذات العشر أعوام تلعب أمام المنزل وإذ بطلقة قناص تخترق جسدها الصغير، هرعنا بها إلى أقرب مستوصف ميداني وكانت إصابتها في القدم والحمد لله تم علاجها وتعافت إلا أن تلك الرصاصة الغادرة التي أطلقها قناص النظام من الأسطح المطلة على المخيم سببت لها حالة عجز في قدمها".

ويتابع حديثه وصوته يختنق ويداه ترتعشان" من أجل ابنتي وسلامة عائلتي قررت النزوح من مخيم درعا إلى مخيم اليرموك عند أخي المقيم هناك".

من تحت الدلف إلى تحت المزراب

يقول أبو علاء :"عندما نزحت إلى مخيم اليرموك في بداية الشهر الرابع من عام 2012 الذي كنت أنشد فيه الأمن والأمان والحفاظ على عائلتي وجدت أوضاعه على حافة الهاوية خاصة في ظل تعرضه للقصف المستمر وسقوط عدد من الضحايا والجرحى من أبناء المخيم، حينها تذكرت المثل الشعبي الذي يقول :"خرج من تحت الدلف إلى تحت المزراب"، وهذا يعني أن المرء انتقل من بلل إلى بلل أكبر، ومن سيئ إلى أسوأ. وهذا هو حالي بعد أن نزحت من مخيم درعا إلى مخيم اليرموك.

مردفاً عندما وصلنا إلى اليرموك مكثت في منزل أخي الذي كان يضم أكثر من عشرين شخصاً، وبعد عدة أيام بدأت المشاكل الأسرية نتيجة ضيق الحال والازدحام والمشاحنات التي حدثت بين النساء بسبب الأولاد، ما كان مني إلا أن ذهبت إلى إحدى مدارس المخيم التي تم فتحها كمركز إيواء، وهناك تابعت عملي الإنساني والإغاثي في مساعدة الأهالي النازحة من البلدات المحاذية للمخيم.

يصف أبو علاء حال النازحين القاطنين في مراكز الإيواء بأنها أكثر من المزرية، تدمي القلب ولكل حالة خصوصيتها، فتلك أم شاردة الذهن فقدت تركيزها العقلي بسبب فقدانها لأبنائها الثلاث في القصف الذي استهدف منزلهم، وذاك طفل صغير فقد والديه جراء قذيفة هاون اصابت السيارة التي كانوا يستقلونها فمات الأب والأم وبقي هو وأخته التي لا تبلغ من العمر سوى عشرة سنين، مضيفاَ المآسي والمصائب كثيرة لا يمكن لهذه المقابلة ان تتسع لها.  

يكمل سرد قصته عشت أياماً صعبة في مخيم اليرموك ولكنني صبرت من أجل عائلتي، إلى أن جاء اليوم الذي لن أنساه طالما بقيت حياً، في مساء يوم 18/ 9/ 2012 داهم عناصر الأمن السوري الغرفة التي كنت أسكنها في مركز الإيواء وقاموا باعتقالي بتهم ما أنزل الله بها من سلطان (تسليح المجموعات الإرهابية في الحجر الأسود، التحريض على الدولة، إثارة النعرات الطائفية،..).

جحيم المعتقل:

وعن مرحلة الاعتقال في الفرع (215) يقول علاء: "تعرضت خلال اعتقالي لجميع أنواع التعذيب والترهيب المعنوي والجسدي التي ممكن أن تخطر على بال بشر، من مسبات وإهانات إلى شتم الذات الإلهية وضرب حتى الإغماء، ففي الصباح كان علينا عند الخروج الى الحمامات القفز فوق جثث زملائنا المعتقلين الذين ماتوا من شدة التعذيب، مضيفاً كان وزني قبل دخول السجن 110 كغ وبعد أقل من شهرين أصبح 70 كغ وذلك بسبب الجوع والمرض الذي فتك بجسدي، كنت أرى رفاقي يموتون أمام ناظري وأبكي عليهم بكاء شديداً،  متمنياً أن أموت مثلهم أو أن يخلصني الله من هذا العذاب والسجن الذي كاد أن يذهب عقلي وأصبح مجنوناً.

يستطرد أبو علاء بعد حوالي شهر ونصف من الاعتقال نودي على أسمي، لم أكن أعلم أنه للتحقيق، خلال الطريق بدأ شريط ذكرياتي يظهر ببطء أمام عيني، طبعاً كنت معصوب العينين بقطعة قماش، ومربوط اليدين بشريط بلاستكي، وصلت عند المحقق فقال لي لقد تم الإفراج عنك وعليك أن تجهز نفسك للخروج، حينها غبت عن الوعي ولم أكن أصدق ما يقوله المحقق خاصة أنهم اعتادوا أن يلعبوا بأعصاب المعتقلين ويوهموهم أنه تم الإفراج عنهم وبعد ذلك يعذبوهم ومن ثم يعيدوهم إلى الزنزانة.  

لم أكن أعلم حينها أن إخوتي قاموا بدفع مبلغ مادي كبير جداً لأحد الضباط في الفرع، الذي وافق على إخراجي من السجن، كان ذلك أشبه بالحلم، شعرت حينها أني ولدت من جديد.

العودة إلى مخيم اليرموك:

بعد أن خرجت من المعتقل عدت أدراجي إلى عائلتي التي كانت لا تزال تسكن في مخيم اليرموك وجلست هناك ريثما تهدأ نفسي وأتعافى من أثار التعذيب، في هذه الأثناء كان الوضع الأمني في المخيم يتجه نحو التصعيد وتوج هذا التصعيد بقصف الطيران الحربي السوري يوم 16/ 12/ 2012 لجامع عبد القادر الحسيني ومدرسة الفلوجة في المخيم، الذي أجبر آلاف الناس على النزوح من المخيم، فيما رفضت أنا النزوح عنه وعدت للعمل كناشط إغاثي أساعد من تبقى من سكان المخيم بداخله.

يشير أبو علاء إلى أنه بالرغم من الحصار الذي فرض على اليرموك وما عاناه من جوع هو وعائلته  وما تعرض له من محاولات اغتيال نتيجة عمله كناشط إغاثي، إلا أنه بقي مصراً على البقاء في المخيم، إلى أن اقتحم تنظيم "داعش" المخيم يوم 1- نيسان/ ابريل 2015، وفرض سيطرته على أجزاء واسعة منه"، عندها فقط قررت الخروج من المخيم إلى منطقة الزاهرة بدمشق خوفاً على حياة عائلتي، خاصة بعد المجازر التي ارتكبها تنظيم الدولة بحق الناشطين الإغاثيين وأهالي مخيم اليرموك، بعد ذلك فكرت بالذهاب إلى تركيا ومن ثم الهجرة إلى الدول الأوربية طلباً للأمن والأمان، لأن الحياة لم تعد تطاق في سورية، وصار الموت والحياة متساويين عندي، فاتفقت مع أحد المهربين، وبالفعل قمت بمغادرة منطقة الزاهرة لكني لم أكن أعلم بحجم المخاطر التي ستواجهني في رحلتي هذه، فقد تعرضت للاعتقال في مدينة إدلب على يد المجموعات المسلحة وبقيت معتقلاً لديهم لمدة الأسبوعين، بعد ذلك قاموا بالإفراج عني بعدما تأكدوا أنني لا أتبع لأحد إنما أريد الفرار بأسرتي إلى مكان أمن.

هربنا من نار الحرب إلى جحيم لبنان

بعد فشل محاولتي الوصول إلى تركيا وما تعرضت له من اعتقال ومهانة وذل، عدت إلى دمشق ومنها قررت الذهاب إلى لبنان مع عائلتي، إلا أنني لم أكن أملك المال الكافي لدفع تكاليف السفر، لذلك استدنت من أصدقائي بعض النقود، وهاجرنا إلى مخيم عين الحلوة في لبنان هرباً من الحرب الدائرة في سورية وبحثاً عن الاستقرار والأمن والأمان.

عندما وصلنا إلى مخيم عين الحلوة عشت عند أقاربي الذين أحسنوا استضافتنا، ولكن بعد ذلك ولضيق المكان واكتظاظه بأفراد العائلة طُلب مني مغادرة البيت، وهنا ضاقت الدنيا بي بما رحبت وما كان مني إلا أن استأجرت منزل بـ 200$، وبعد ذلك عملت مع معلم نجار باطون إلا أن وضعي الصحي لم يساعدني على متابعة العمل وجلست في البيت طريح الفراش، وزاد ذلك من تفاقم وتدهور وضعي المادي والمعيشي، وبت أعيش على المساعدة المالية التي تقدمها الأونروا وما يجود به  اهل الخير والأيادي البيضاء من تبرعات.

يختم أبو علاء سرد حكايته في كل مساء وعندما أضع رأسي على (المخدة)  الوسادة تعود بي الذكريات إلى بيتي في مخيم درعا والأيام الجميلة التي قضيتها فيه على رغم بساطتها إلا أنها كانت أجمل وأروع من هذه الأيام التي أعيشها في لبنان، مضيفاً لقد أصبحت أشعر بالانهيار ولم يعد للعيش لذة، "حتى الموت أضحى أفضل من العيش هنا، الحياة هنا أصبحت تعني الموت، لقد كتب على اللاجئ الفلسطيني أن يعاني ويتجرع الحنظل ويبقى بين متاهة اللجوء الذي يتبعه نزوح فنزوح فلجوء إلى آخر العمر.

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/10332

مجموعة العمل – فايز أبو عيد

يبث أبو علاء  "تم تغيير أسمه والتفاصيل المتعلقة بهويته بهدف حمايته"  لاجئ فلسطيني من أبناء مخيم درعا للاجئين الفلسطينيين جنوب سورية، قصته الإنسانية التي خرجت من رحم فظائع الحرب التي اندلعت في سورية، عبر مشروع هذه حكايتي الذي اطلقته مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية،  ليسرد من خلالها قصة معاناته وألمه التي ذاق فيها مرارة النزوح والحصار والجوع والاعتقال والهجرة وعانى من الخذلان و الحرمان وقلة الوفاء والإنسانية عند من يصفون أنفسهم بالبشر.

يقول أبو علاء : "«قصتي، هي واحدة من آلاف القصص التي سطرت بمداد من الدم والألم المعجون برائحة البارود والبراميل المتفجرة ورصاص القناص والموت الذي كان قاب قوسين أو أدنى مني ومن عائلتي، والمجبولة بالصور والذكريات المفرحة المؤلمة.

يستطرد أبو علاء بدأت حكايتي المأساوية مع بدء الأزمة في سورية من مدينة درعا، ومع دخول مخيم درعا عنوة في الأحداث الدائرة بمحيطه وبسبب استضافته لأهالي البلدات والمناطق المحاذية له، اقتحمت القوات السورية المخيم عدة مرات للبحث عن مطلوبين معارضين للدولة، وبعد دخول المجموعات المسلحة التابعة للمعارضة  السورية إلى المخيم بدأت الاشتباكات وتبادل القصف بين الطرفين، حينها بقيت صامداً ولم أغادر منزلي رغم الظروف الصعبة، وما تعرض له المخيم من قصف وعمليات قنص يومية، فكنت أساعد أبناء مخيمي ممن يتعرضون للإصابة أو يحتاج منهم للمياه وغيرها من الخدمات الإنسانية، وذلك بعد أن فرض النظام السوري حصاره المطبق على المخيم ومنع إدخال المواد الغذائية والأدوية والمحروقات إليه، وقطع مياه الشرب عنه.

يضيف ابو علاء " في بداية عام 2012 قصف منزلي ولم يصب أحد من أفراد عائلتي لأننا كنا بزيارة لقريب لنا في المخيم، انتقلت بعد ذلك للسكن بمنزل أحد أقاربي، وفي أحد الأيام عندما كانت ابنتي الصغيرة ذات العشر أعوام تلعب أمام المنزل وإذ بطلقة قناص تخترق جسدها الصغير، هرعنا بها إلى أقرب مستوصف ميداني وكانت إصابتها في القدم والحمد لله تم علاجها وتعافت إلا أن تلك الرصاصة الغادرة التي أطلقها قناص النظام من الأسطح المطلة على المخيم سببت لها حالة عجز في قدمها".

ويتابع حديثه وصوته يختنق ويداه ترتعشان" من أجل ابنتي وسلامة عائلتي قررت النزوح من مخيم درعا إلى مخيم اليرموك عند أخي المقيم هناك".

من تحت الدلف إلى تحت المزراب

يقول أبو علاء :"عندما نزحت إلى مخيم اليرموك في بداية الشهر الرابع من عام 2012 الذي كنت أنشد فيه الأمن والأمان والحفاظ على عائلتي وجدت أوضاعه على حافة الهاوية خاصة في ظل تعرضه للقصف المستمر وسقوط عدد من الضحايا والجرحى من أبناء المخيم، حينها تذكرت المثل الشعبي الذي يقول :"خرج من تحت الدلف إلى تحت المزراب"، وهذا يعني أن المرء انتقل من بلل إلى بلل أكبر، ومن سيئ إلى أسوأ. وهذا هو حالي بعد أن نزحت من مخيم درعا إلى مخيم اليرموك.

مردفاً عندما وصلنا إلى اليرموك مكثت في منزل أخي الذي كان يضم أكثر من عشرين شخصاً، وبعد عدة أيام بدأت المشاكل الأسرية نتيجة ضيق الحال والازدحام والمشاحنات التي حدثت بين النساء بسبب الأولاد، ما كان مني إلا أن ذهبت إلى إحدى مدارس المخيم التي تم فتحها كمركز إيواء، وهناك تابعت عملي الإنساني والإغاثي في مساعدة الأهالي النازحة من البلدات المحاذية للمخيم.

يصف أبو علاء حال النازحين القاطنين في مراكز الإيواء بأنها أكثر من المزرية، تدمي القلب ولكل حالة خصوصيتها، فتلك أم شاردة الذهن فقدت تركيزها العقلي بسبب فقدانها لأبنائها الثلاث في القصف الذي استهدف منزلهم، وذاك طفل صغير فقد والديه جراء قذيفة هاون اصابت السيارة التي كانوا يستقلونها فمات الأب والأم وبقي هو وأخته التي لا تبلغ من العمر سوى عشرة سنين، مضيفاَ المآسي والمصائب كثيرة لا يمكن لهذه المقابلة ان تتسع لها.  

يكمل سرد قصته عشت أياماً صعبة في مخيم اليرموك ولكنني صبرت من أجل عائلتي، إلى أن جاء اليوم الذي لن أنساه طالما بقيت حياً، في مساء يوم 18/ 9/ 2012 داهم عناصر الأمن السوري الغرفة التي كنت أسكنها في مركز الإيواء وقاموا باعتقالي بتهم ما أنزل الله بها من سلطان (تسليح المجموعات الإرهابية في الحجر الأسود، التحريض على الدولة، إثارة النعرات الطائفية،..).

جحيم المعتقل:

وعن مرحلة الاعتقال في الفرع (215) يقول علاء: "تعرضت خلال اعتقالي لجميع أنواع التعذيب والترهيب المعنوي والجسدي التي ممكن أن تخطر على بال بشر، من مسبات وإهانات إلى شتم الذات الإلهية وضرب حتى الإغماء، ففي الصباح كان علينا عند الخروج الى الحمامات القفز فوق جثث زملائنا المعتقلين الذين ماتوا من شدة التعذيب، مضيفاً كان وزني قبل دخول السجن 110 كغ وبعد أقل من شهرين أصبح 70 كغ وذلك بسبب الجوع والمرض الذي فتك بجسدي، كنت أرى رفاقي يموتون أمام ناظري وأبكي عليهم بكاء شديداً،  متمنياً أن أموت مثلهم أو أن يخلصني الله من هذا العذاب والسجن الذي كاد أن يذهب عقلي وأصبح مجنوناً.

يستطرد أبو علاء بعد حوالي شهر ونصف من الاعتقال نودي على أسمي، لم أكن أعلم أنه للتحقيق، خلال الطريق بدأ شريط ذكرياتي يظهر ببطء أمام عيني، طبعاً كنت معصوب العينين بقطعة قماش، ومربوط اليدين بشريط بلاستكي، وصلت عند المحقق فقال لي لقد تم الإفراج عنك وعليك أن تجهز نفسك للخروج، حينها غبت عن الوعي ولم أكن أصدق ما يقوله المحقق خاصة أنهم اعتادوا أن يلعبوا بأعصاب المعتقلين ويوهموهم أنه تم الإفراج عنهم وبعد ذلك يعذبوهم ومن ثم يعيدوهم إلى الزنزانة.  

لم أكن أعلم حينها أن إخوتي قاموا بدفع مبلغ مادي كبير جداً لأحد الضباط في الفرع، الذي وافق على إخراجي من السجن، كان ذلك أشبه بالحلم، شعرت حينها أني ولدت من جديد.

العودة إلى مخيم اليرموك:

بعد أن خرجت من المعتقل عدت أدراجي إلى عائلتي التي كانت لا تزال تسكن في مخيم اليرموك وجلست هناك ريثما تهدأ نفسي وأتعافى من أثار التعذيب، في هذه الأثناء كان الوضع الأمني في المخيم يتجه نحو التصعيد وتوج هذا التصعيد بقصف الطيران الحربي السوري يوم 16/ 12/ 2012 لجامع عبد القادر الحسيني ومدرسة الفلوجة في المخيم، الذي أجبر آلاف الناس على النزوح من المخيم، فيما رفضت أنا النزوح عنه وعدت للعمل كناشط إغاثي أساعد من تبقى من سكان المخيم بداخله.

يشير أبو علاء إلى أنه بالرغم من الحصار الذي فرض على اليرموك وما عاناه من جوع هو وعائلته  وما تعرض له من محاولات اغتيال نتيجة عمله كناشط إغاثي، إلا أنه بقي مصراً على البقاء في المخيم، إلى أن اقتحم تنظيم "داعش" المخيم يوم 1- نيسان/ ابريل 2015، وفرض سيطرته على أجزاء واسعة منه"، عندها فقط قررت الخروج من المخيم إلى منطقة الزاهرة بدمشق خوفاً على حياة عائلتي، خاصة بعد المجازر التي ارتكبها تنظيم الدولة بحق الناشطين الإغاثيين وأهالي مخيم اليرموك، بعد ذلك فكرت بالذهاب إلى تركيا ومن ثم الهجرة إلى الدول الأوربية طلباً للأمن والأمان، لأن الحياة لم تعد تطاق في سورية، وصار الموت والحياة متساويين عندي، فاتفقت مع أحد المهربين، وبالفعل قمت بمغادرة منطقة الزاهرة لكني لم أكن أعلم بحجم المخاطر التي ستواجهني في رحلتي هذه، فقد تعرضت للاعتقال في مدينة إدلب على يد المجموعات المسلحة وبقيت معتقلاً لديهم لمدة الأسبوعين، بعد ذلك قاموا بالإفراج عني بعدما تأكدوا أنني لا أتبع لأحد إنما أريد الفرار بأسرتي إلى مكان أمن.

هربنا من نار الحرب إلى جحيم لبنان

بعد فشل محاولتي الوصول إلى تركيا وما تعرضت له من اعتقال ومهانة وذل، عدت إلى دمشق ومنها قررت الذهاب إلى لبنان مع عائلتي، إلا أنني لم أكن أملك المال الكافي لدفع تكاليف السفر، لذلك استدنت من أصدقائي بعض النقود، وهاجرنا إلى مخيم عين الحلوة في لبنان هرباً من الحرب الدائرة في سورية وبحثاً عن الاستقرار والأمن والأمان.

عندما وصلنا إلى مخيم عين الحلوة عشت عند أقاربي الذين أحسنوا استضافتنا، ولكن بعد ذلك ولضيق المكان واكتظاظه بأفراد العائلة طُلب مني مغادرة البيت، وهنا ضاقت الدنيا بي بما رحبت وما كان مني إلا أن استأجرت منزل بـ 200$، وبعد ذلك عملت مع معلم نجار باطون إلا أن وضعي الصحي لم يساعدني على متابعة العمل وجلست في البيت طريح الفراش، وزاد ذلك من تفاقم وتدهور وضعي المادي والمعيشي، وبت أعيش على المساعدة المالية التي تقدمها الأونروا وما يجود به  اهل الخير والأيادي البيضاء من تبرعات.

يختم أبو علاء سرد حكايته في كل مساء وعندما أضع رأسي على (المخدة)  الوسادة تعود بي الذكريات إلى بيتي في مخيم درعا والأيام الجميلة التي قضيتها فيه على رغم بساطتها إلا أنها كانت أجمل وأروع من هذه الأيام التي أعيشها في لبنان، مضيفاً لقد أصبحت أشعر بالانهيار ولم يعد للعيش لذة، "حتى الموت أضحى أفضل من العيش هنا، الحياة هنا أصبحت تعني الموت، لقد كتب على اللاجئ الفلسطيني أن يعاني ويتجرع الحنظل ويبقى بين متاهة اللجوء الذي يتبعه نزوح فنزوح فلجوء إلى آخر العمر.

الوسوم

هذه حكايتي , مخيم درعا , مخيم اليرموك , لبنان , معاناة , اعتقال , تهجير , نزوح , لجوء ,

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/10332