map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

3920

هذه حكايتي ( 59) | الطفلة جنى: الحرب سلبت عاطفة أمي وقتلت فيها روح الإنسانية

تاريخ النشر : 10-09-2018
هذه حكايتي ( 59) | الطفلة جنى: الحرب سلبت عاطفة أمي وقتلت فيها روح الإنسانية

مجموعة العمل – فايز أبو عيد

جنى (6أعوام) طفلة فلسطينية سورية قصتها تماثل حكاية العديد من الأطفال الذين ذهبوا ضحايا اندلاع الحرب في سورية، حيث يعجز الوصف عن شرح حجم معاناتها الناجمة عن فقدانها لوالدها الذي قرر المخاطرة بحياته وركوب قوارب الموت ليؤمن لعائلته الحياة الكريمة، وخسارتها لوالدتها التي تخلت عنها في سبيل أن تعيش حياتها الخاصة التي لا يعكرها وجود طفلتها فيها. 

النزاع المسلح في سورية تسبب بوضع مأساوي لآلاف الأطفال الذين تعرضوا لأشكال متعددة من الخطر، ابتداء من خسارة حياتهم أو اعتقالهم، وغياب الخدمات الصحية وسوء التغذية، مروراً بعدم الالتحاق بالدراسة أو الخروج منها مبكراً، وانتهاءً بالعنف الشديد وعمالة الأطفال وتخلي بعض الأمهات عن أطفالها وما يتركه ذلك من آثار نفسية عليهم.

ولدت جنى في إحدى المخيمات الفلسطينية بريف دمشق في سورية، وعاشت شهورها الأولى كأي طفل في كنف والديها إلى أن اندلعت الأزمة في سورية، ودخل مخيمهم في بؤرة ذلك الصراع، فقصف المخيم وفرض عليه الحصار التام ، هنا ضاقت الدنيا بوالد الطفلة الذي لم يعد باستطاعته العمل وتامين قوت يومه ومستلزمات رضيعته فقرر أن يرسل عائلته إلى لبنان برفقة والدته وأبيه وأخته، ويسافر هو إلى الدول الأوروبية للبحث عن الاستقرار والأمان له ولعائلته.

سلك الأب طريق الهجرة المعتاد الذي سلكه آلاف اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، في بداية الأمر وصل إلى إدلب بمشقة كبيرة ثم اتفق مع مهرب استطاع ادخاله الأراضي التركية, وبعدها ركب البلم باتجاه اليونان إلا أن الأقدار شاءت أن يغرق القارب الذي يحمل فوق قدرة استيعابه من المهاجرين بمن فيه ولم ينجو منه أحد.   

من هنا بدأ درب معاناة وآلام الطفلة جنى التي عانت اليتم والحرمان من حنان ورعاية والدها، الذي لم تعد تعرف عنه أي شيء، حيث مضت الأيام والشهور ووالد الطفلة مختفي تماماً، وعائلته لا تعلم اذا كان حياً أ م ميتاً.

غادرت جنى مع والدتها إلى لبنان لتعيش بين أفراد أسرة أبيها،  ولكن فرحتها بالعائلة لم تكتمل حيث أدعت أمها الحزن لوفاة زوجها وبعدها عن أهلها فطلبت من والدة زوجها أن تسمح لها بالذهاب لسوريا لترى أهلها فوافقت والدة زوجها على ذهابها لمدة شهر وتركت طفلتها عندهم ريثما تعود، ولكن ما حصل أن والدة جنى تخلت عنها، وذهبت لتعيش حياتها الخاصة بعيداً عنها.

 لم تدرك الطفلة ولم تستوعب لما غابت والدتها عنها فجأة، بعد ذلك تكفلت عائلة والدها بتربيتها واحتضانها وعملوا ما بوسعهم ليسدوا غياب الأب والأم، وكانت جدتها (والدة أبوها) بمثابة الأب والأم للطفلة جنى تقدم لها الرعاية والحنان، بالرغم من كبر سنها وظروفها الصحية والمعيشية المزرية، ومع ذلك لم تحرمها من أي شيء على الإطلاق، لم يمض شهر على مغادرة الأم التي من المفترض أنها في سوريا عند أهلها حتى حدثت المفاجأة التي لم تكن بالحسبان، أم جنى بلبنان وتقطن بنفس المنطقة التي تقطن بها طفلتها وعائلة زوجها، كانت رؤيتها من قبل أحد أفراد عائلة الزوج صدمة كبيرة له، ودارت بذهنه أسئلة كثيرة، أيعقل أن تكون هذه والدة جنى؟ لكن كيف ومتى عادت إلى لبنان؟ ولما لم تخبرنا بقدومها لتعانق طفلتها؟ إلا أن تلك الأسئلة ذهبت أدراج الرياح عندما تأكد أنها هي، وعند مواجهتها بسيل الأسئلة التي كانت تدور بخلده قبل لحظات، قالت له وبعنجهية أريد أن أعيش حياتي بحرية  بدون أن أتحمل مسؤولية رعاية طفلة، ما زلت شابة لا شأن لي بعد اليوم بكم هي ابنتكم فربوها كما تشاؤون.

.لم تنته معاناة الطفلة جنى فقط بفقدانها والدها وتخلي أمها عنها بل شاء القدر ايضاًَ أن يُغيب الموت جدتها وهنا بدأت رحلة تيه جديدة مجبولة بالألم والمعاناة تتجرعها طفلة لم تتجاوز الست سنوات، كانت روحها وقلبها معلقاً بجدتها التي لم تعد موجودة لتمسح رأسها وتذلل العقبات أمامها وتطعمها بيدها وتسند رأسها على كتفها، هذا الأمر انعكس سلباً على الحالة النفيسة للطفلة جنى، التي بات خوفها من فقدان من تحب وتتعلق به هاجساً يؤرقها ويقض مضجعها وأصبحت الكوابيس الليلة رفيقة لها، وأضحت كلما خرج أحد أفراد العائلة من المنزل تردد وهي تجهش بالبكاء (لا تتركوني وحيدة أرجوكم،  لا تذهبوا  وتتركوني).

بعد ذلك انتقلت جنى للعيش مع أسرة جديدة وهي أسرة عمتها وبدأت معاناة التأقلم من جديد، بالرغم من أن  عمتها  اعتبرتها  أحد أطفالها واحتضنتها بكل حب وحنان، حتى زوج عمتها أحبها واعتبرها طفلاً من أطفاله ورعاها كأبنة له، ومع الوقت أحبت الطفلة عائلتها الجديدة التي عاملتها بكل حب وحنان وأصبحت تنادي عمتها وزوجها بماما وبابا وأولاد عمتها بإخوتي.

ولكن في ظل كل الظروف التي مرت بها جنى إلا أن والدتها كانت مغيبة تماماً عن مسؤوليتها وأمومتها، وحتى اللحظة ما زالت بعيدة عن طفلتها تتجنب رؤيتها خوفاً من أن يُطلب منها تحمل مسؤولية الطفلة.  

لكن السؤال الكبير الذي طرح على لسان عمة الطفلة جنى هو " هل سلبت الحرب عاطفة بعض الأمهات ؟  أم قتلت فيهن الإنسانية؟ أم أن أطفالهن فلذات أكبادهن بات مجرد شعار؟".

وأخيراً يمكن القول أن في خضم الحروب والاقتتالات الدموية عادة ما يُجبر الأطفال على عيش تجارب قد تعد الأسوأ على جميع المعايير، حيث تشير الإحصائيات إلى أن الأطفال في الحروب هم من أكثر الفئات تضرراً من كل النواحي النفسية والفيزيولوجية والصحية والتعليمية، وبالتالي الصدمات والمواقف التي تعرضوا لها تفوق في قسوتها أسوء الكوابيس التي يمكن للبالغين تخيلها، وأثارها النفسية التي أصابتهم تتضح على المدى البعيد.

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/10478

مجموعة العمل – فايز أبو عيد

جنى (6أعوام) طفلة فلسطينية سورية قصتها تماثل حكاية العديد من الأطفال الذين ذهبوا ضحايا اندلاع الحرب في سورية، حيث يعجز الوصف عن شرح حجم معاناتها الناجمة عن فقدانها لوالدها الذي قرر المخاطرة بحياته وركوب قوارب الموت ليؤمن لعائلته الحياة الكريمة، وخسارتها لوالدتها التي تخلت عنها في سبيل أن تعيش حياتها الخاصة التي لا يعكرها وجود طفلتها فيها. 

النزاع المسلح في سورية تسبب بوضع مأساوي لآلاف الأطفال الذين تعرضوا لأشكال متعددة من الخطر، ابتداء من خسارة حياتهم أو اعتقالهم، وغياب الخدمات الصحية وسوء التغذية، مروراً بعدم الالتحاق بالدراسة أو الخروج منها مبكراً، وانتهاءً بالعنف الشديد وعمالة الأطفال وتخلي بعض الأمهات عن أطفالها وما يتركه ذلك من آثار نفسية عليهم.

ولدت جنى في إحدى المخيمات الفلسطينية بريف دمشق في سورية، وعاشت شهورها الأولى كأي طفل في كنف والديها إلى أن اندلعت الأزمة في سورية، ودخل مخيمهم في بؤرة ذلك الصراع، فقصف المخيم وفرض عليه الحصار التام ، هنا ضاقت الدنيا بوالد الطفلة الذي لم يعد باستطاعته العمل وتامين قوت يومه ومستلزمات رضيعته فقرر أن يرسل عائلته إلى لبنان برفقة والدته وأبيه وأخته، ويسافر هو إلى الدول الأوروبية للبحث عن الاستقرار والأمان له ولعائلته.

سلك الأب طريق الهجرة المعتاد الذي سلكه آلاف اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، في بداية الأمر وصل إلى إدلب بمشقة كبيرة ثم اتفق مع مهرب استطاع ادخاله الأراضي التركية, وبعدها ركب البلم باتجاه اليونان إلا أن الأقدار شاءت أن يغرق القارب الذي يحمل فوق قدرة استيعابه من المهاجرين بمن فيه ولم ينجو منه أحد.   

من هنا بدأ درب معاناة وآلام الطفلة جنى التي عانت اليتم والحرمان من حنان ورعاية والدها، الذي لم تعد تعرف عنه أي شيء، حيث مضت الأيام والشهور ووالد الطفلة مختفي تماماً، وعائلته لا تعلم اذا كان حياً أ م ميتاً.

غادرت جنى مع والدتها إلى لبنان لتعيش بين أفراد أسرة أبيها،  ولكن فرحتها بالعائلة لم تكتمل حيث أدعت أمها الحزن لوفاة زوجها وبعدها عن أهلها فطلبت من والدة زوجها أن تسمح لها بالذهاب لسوريا لترى أهلها فوافقت والدة زوجها على ذهابها لمدة شهر وتركت طفلتها عندهم ريثما تعود، ولكن ما حصل أن والدة جنى تخلت عنها، وذهبت لتعيش حياتها الخاصة بعيداً عنها.

 لم تدرك الطفلة ولم تستوعب لما غابت والدتها عنها فجأة، بعد ذلك تكفلت عائلة والدها بتربيتها واحتضانها وعملوا ما بوسعهم ليسدوا غياب الأب والأم، وكانت جدتها (والدة أبوها) بمثابة الأب والأم للطفلة جنى تقدم لها الرعاية والحنان، بالرغم من كبر سنها وظروفها الصحية والمعيشية المزرية، ومع ذلك لم تحرمها من أي شيء على الإطلاق، لم يمض شهر على مغادرة الأم التي من المفترض أنها في سوريا عند أهلها حتى حدثت المفاجأة التي لم تكن بالحسبان، أم جنى بلبنان وتقطن بنفس المنطقة التي تقطن بها طفلتها وعائلة زوجها، كانت رؤيتها من قبل أحد أفراد عائلة الزوج صدمة كبيرة له، ودارت بذهنه أسئلة كثيرة، أيعقل أن تكون هذه والدة جنى؟ لكن كيف ومتى عادت إلى لبنان؟ ولما لم تخبرنا بقدومها لتعانق طفلتها؟ إلا أن تلك الأسئلة ذهبت أدراج الرياح عندما تأكد أنها هي، وعند مواجهتها بسيل الأسئلة التي كانت تدور بخلده قبل لحظات، قالت له وبعنجهية أريد أن أعيش حياتي بحرية  بدون أن أتحمل مسؤولية رعاية طفلة، ما زلت شابة لا شأن لي بعد اليوم بكم هي ابنتكم فربوها كما تشاؤون.

.لم تنته معاناة الطفلة جنى فقط بفقدانها والدها وتخلي أمها عنها بل شاء القدر ايضاًَ أن يُغيب الموت جدتها وهنا بدأت رحلة تيه جديدة مجبولة بالألم والمعاناة تتجرعها طفلة لم تتجاوز الست سنوات، كانت روحها وقلبها معلقاً بجدتها التي لم تعد موجودة لتمسح رأسها وتذلل العقبات أمامها وتطعمها بيدها وتسند رأسها على كتفها، هذا الأمر انعكس سلباً على الحالة النفيسة للطفلة جنى، التي بات خوفها من فقدان من تحب وتتعلق به هاجساً يؤرقها ويقض مضجعها وأصبحت الكوابيس الليلة رفيقة لها، وأضحت كلما خرج أحد أفراد العائلة من المنزل تردد وهي تجهش بالبكاء (لا تتركوني وحيدة أرجوكم،  لا تذهبوا  وتتركوني).

بعد ذلك انتقلت جنى للعيش مع أسرة جديدة وهي أسرة عمتها وبدأت معاناة التأقلم من جديد، بالرغم من أن  عمتها  اعتبرتها  أحد أطفالها واحتضنتها بكل حب وحنان، حتى زوج عمتها أحبها واعتبرها طفلاً من أطفاله ورعاها كأبنة له، ومع الوقت أحبت الطفلة عائلتها الجديدة التي عاملتها بكل حب وحنان وأصبحت تنادي عمتها وزوجها بماما وبابا وأولاد عمتها بإخوتي.

ولكن في ظل كل الظروف التي مرت بها جنى إلا أن والدتها كانت مغيبة تماماً عن مسؤوليتها وأمومتها، وحتى اللحظة ما زالت بعيدة عن طفلتها تتجنب رؤيتها خوفاً من أن يُطلب منها تحمل مسؤولية الطفلة.  

لكن السؤال الكبير الذي طرح على لسان عمة الطفلة جنى هو " هل سلبت الحرب عاطفة بعض الأمهات ؟  أم قتلت فيهن الإنسانية؟ أم أن أطفالهن فلذات أكبادهن بات مجرد شعار؟".

وأخيراً يمكن القول أن في خضم الحروب والاقتتالات الدموية عادة ما يُجبر الأطفال على عيش تجارب قد تعد الأسوأ على جميع المعايير، حيث تشير الإحصائيات إلى أن الأطفال في الحروب هم من أكثر الفئات تضرراً من كل النواحي النفسية والفيزيولوجية والصحية والتعليمية، وبالتالي الصدمات والمواقف التي تعرضوا لها تفوق في قسوتها أسوء الكوابيس التي يمكن للبالغين تخيلها، وأثارها النفسية التي أصابتهم تتضح على المدى البعيد.

الوسوم

هذه حكايتي , فلسطينيو سورية , المخيمات الفلسطينية , طفولة , معاناة , مأساة ,

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/10478