map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

3901

هذه حكايتي (61)|| المسنة أم أحمد ولدت من رحم الغربة والمعاناة وتجرعت مرارة النكبتين

تاريخ النشر : 01-10-2018
هذه حكايتي (61)|| المسنة أم أحمد ولدت من رحم الغربة  والمعاناة وتجرعت مرارة النكبتين

مجموعة العمل – فايز أبو عيد

خلف باب بيت كل لاجئ فلسطيني حكايات وقصص وهموم ومأسي كثيرة لا يعلم بها إلا الله، منهم من يتحدث عنها والبعض الآخر يعتبرها خصوصيات لا يبوح بها لأي كان.

بالنسبة لي عندما تكون الهموم حكاية تحكى وتروى أبوح بها لتصل لأكبر كم من الناس والرأي العام لتكون شاهداً على حجم المعاناة التي يتجرعها اللاجئ الفلسطيني بشكل عام واللاجئ الفلسطيني السوري بشكل خاص، ولتكون شاهداً ووثيقة مع مرور السنين على ما حل بنا من معاناة وآلام جراء الحرب التي اندلعت في سورية وأكلت الأخضر واليابس ودمرت الحجر والبشر والشجر.

 اليوم أكتب حكايتي أنا أم أحمد لاجئة فلسطينية من سكان مخيم اليرموك (80 عاماً) وقد عاصرت نكبتين نكبة فلسطين الأولى والنكبة الثانية التي كانت بسبب اندلاع الصراع في سورية.

أنا كغيري من نساء فلسطين اللواتي تزوجن بعمر مبكر دون أن تحصل على تعليم بسبب الظروف القاسية التي عاشتها نتيجة تشردها عن وطنها وظروف عائلتها المادية المزرية، تزوجت في سن مبكرة وعشت حياة بؤس وشقاء وفقر ومعاناة لا توصف دون أن أخبر أهلي بظروف معيشتي، خوفاً أن أحملهم هماً فوق همهم، فكلما زرتهم أخبرهم أنني بأفضل حال، إلى أن زارني يوماً أخي الأكبر مني  ولاحظ مرضي ونحلي الشديد هنا ساوره الشك وبدأ يسأل عن حالي وأحوالي ومعاملة زوجي معي.

حينها أجبته أنه عارض مرضي وسيزول قريباً، إلا أن أخي لم يقتنع بهذه الحجة، وفي اليوم الثاني جاء لزيارتي بشكل مفاجئ دون أن يخبرني بذلك وأثناء مكوثه في منزلي أدعى أنه جائع ويريد أن يأكل، حينها بدت الحيرة والاضطراب تظهر على ملامحي، وعندما سألني عن السبب أخبرته أنه لا يوجد أي طعام بالمنزل ولا حتى كسرة خبز، وأنني على هذا الحال منذ فترة طويلة، غضب أخي غضباً شديداً لأنني لم أخبره الحقيقة يوم أمس ولم استعن به لحل مشاكلي، حينها ذهب أخي إلى السوق واشترى لي ولأولادي كل ما يلزم من الطعام رغم عوزه الشديد.

تتابع أم أحمد عشت حياة مليئة بالشقاء والقهر والوجع نتيجة معاملة زوجي القاسية وما اتصف به من حبه للمال وبخله الشديد، حتى أن الحياة معه تحولت إلى جحيم حقيقي، ورغم ذلك حاولت أن أكمل حياتي الزوجية معه من أجل أطفالي الأربعة، إلا أن صبري نفد ولم أعد أطيق الحياة معه، فذهبت إلى بيت أهلي وطلبت الانفصال عنه، فقبل بذلك ولكنه أبقى الصغار معه وأخبرهم أنني ميته.

مضت الأيام والسنيين وأنا أتحين الفرصة المناسبة لرؤية أولادي، إلا أن القدر حال دون رؤيتهم فقد مات ابني البكر في لبنان جراء قصف "اسرائيلي استهدف الأراضي اللبنانية، وعلمت بعد ذلك أنه فر من ظلم والده وجبروته.

عندما علمت بنبأ وفاته أصابني الذهول وغبت عن الوعي بعد ذلك تعرضت لحالة صحية ونفسية جعلتني طريحة الفراش وغير قادرة على المشي.

تستطرد أم أحمد بعد انفصالي عن زوجي عشت سنوات طويلة عند أقاربي الذين أحسنوا معاملتي واهتموا بصحتي وقاموا برعايتي وعلاجي رغم كبر سني، وكانت الحياة تسير بشكل اعتيادي إلى أن دخل مخيم اليرموك في لب الصراع الذي اندلع في سورية.

نكبة اليرموك زادت المأساة

تكمل أم أحمد سرد روايتها دائمًا المدنيون وكبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة، هم من يدفعون ثمن الحروب والصراعات العسكرية منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، حكايتي مأساة فلسطينية جديدة، ترقى لحد الفاجعة، بعد ضربة الميغ لمخيم اليرموك يوم 16/ 12/ 2012 ودخول المجموعات المسلحة إلى اليرموك اضطررت أنا والعائلة التي كنت أسكن عندها للنزوح من المخيم.

تصف أم أحمد لحظات الرعب التي عاشتها أثناء خروجها مع الآلاف من مخيم اليرموك،  كانت الجحافل من أهالي المخيم يغادرونه، منهم من يحمل والده على ظهره، ومنهم من يجر والدته المريضة أمامه، نساء أطفال يبكون، حالة من الرعب بادية على محياهم، صدمة وذهول أصابتني، وبت في حيرة من أمري، ماذا أفعل؟ وكيف أتصرف؟ خاصة وأنني لا استطيع أجلس على كرسي متحرك بسبب المرض الذي هدني وكبر سني، كانت العائلة التي عشت عندها تحيط بي وترمقني بعيون خائفة، خوفاً من أن أصاب بأذى، وفي طريقنا لم نسلم من رصاص وحقد الغادرين الذين فتحوا فوهات بنادقهم على المدنيين، حيث أصابت رصاصة قناص امرأة لم تكن تبعد عنا سوى بضع خطوات، صراخها ودمائها التي سالت كانت كفيلة أن تبعث مزيداً من الخوف والرعب في نفوس جميع من كان بالقرب منها، تعالت صرخات النساء والأطفال، استطعنا بعد ذلك الخروج من المخيم إلى حي الزاهرة الدمشقي بعد شق الأنفس، مضيفة شعرت أن الطريق من منزلي إلى خارج المخيم استغرق دهراً بسبب ما تعرضنا له من خوف والشعور أننا لن نخرج سالمين.

بعد أن خرجنا بسلام من مخيم اليرموك وقفنا حائرين في منطقة الزاهرة بدمشق لا ندري إلى أي مكان نلجأ، حينها قررنا الذهاب إلى منزل أختي في مخيم خان الشيح، بعد فترة وجيزة تدهور الوضع الأمني في المخيم وأصبح يتعرض للقصف، حينها اشتدت الأمور سوءاً علينا خاصة بعد أن بدأت المواد التموينية والأدوية بالنفاد بسبب الحصار الذي فرض على المخيم، حينها قررت أختي أن نسافر إلى لبنان لعلاجي والبحث عن حياة أمنة.

الهجرة إلى لبنان:

تقول أم أحمد وصلت أنا وأختي وعائلتها  إلى لبنان عام 2013، ومكثنا في البداية ببيت تقطنه خمس عائلات غير مفروش، وفي المساء اشتد الألم عليّ ولم استطع النوم نتيجة الفرشة الخفيفة التي كنت انام عليها، هنا هب أفراد العائلات الخمس وأحضروا لي فرشاتهم كي أستطيع النوم ويخف الألم، تتابع هنا شعرت بالضياع و الحزن الشديدين وتسألت في قرارة نفسي أيعقل أن يصل بي الأمر إلى هذا الحال بعد  كنت معززة مكرمة في مخيمي ومنزلي.

 

تضيف أم أحمد بعد فترة من الزمن استأجرت أختي منزلاً وخصصت لي غرفة فيه ، وطوال اقامتي عندها لم يسأل عني أحد وكنت أشعر بالوحدة وأصبحت عائلة أختي هي عائلتي وملاذي الأمن.

لم يعد يعني الموت لي شيئاً ولم أعد أتأثر بموت أحد أجلس كل يوم على شرفتي المطلة على بستان زيتون أتذكر الماضي بكل تفاصيله حلوه ومره، يمر بمخيلتي طيف أبنائي فأذرف الدمع بصمت حتى لا ألفت انتباه من حولي فأسبب لهم الهم والغم والألم، لم يعد بوسعي ان أفعل أي شيء امرأة مسنة تعاني من أمراض عديدة ماذا عساها تفعل، لقد أقنعت نفسي بالاستمرار بالتزام الصمت، لأننا أصلاً ما نحن في هذه الحياة إلا ساعون في أرض الله، لا نملك فيها شيء حتى أنفسنا هي بيده وحده القادر على كل شيء، ولدت من جديد في رحم الغربة وآه كم مر هو طعم هذه الغربة وكم هو صعب حين نجد أنفسنا أمام الخيارات الصعبة ولا مجال للتراجع، تعرفت على مخاطر ومشاكل وهموم جديدة لم أكن اتوقعها، إنه القدر يديرنا كيفما يشاء، يرحل بنا إلى أماكن ما كنا لنتوقعها يوما حتى.  

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/10577

مجموعة العمل – فايز أبو عيد

خلف باب بيت كل لاجئ فلسطيني حكايات وقصص وهموم ومأسي كثيرة لا يعلم بها إلا الله، منهم من يتحدث عنها والبعض الآخر يعتبرها خصوصيات لا يبوح بها لأي كان.

بالنسبة لي عندما تكون الهموم حكاية تحكى وتروى أبوح بها لتصل لأكبر كم من الناس والرأي العام لتكون شاهداً على حجم المعاناة التي يتجرعها اللاجئ الفلسطيني بشكل عام واللاجئ الفلسطيني السوري بشكل خاص، ولتكون شاهداً ووثيقة مع مرور السنين على ما حل بنا من معاناة وآلام جراء الحرب التي اندلعت في سورية وأكلت الأخضر واليابس ودمرت الحجر والبشر والشجر.

 اليوم أكتب حكايتي أنا أم أحمد لاجئة فلسطينية من سكان مخيم اليرموك (80 عاماً) وقد عاصرت نكبتين نكبة فلسطين الأولى والنكبة الثانية التي كانت بسبب اندلاع الصراع في سورية.

أنا كغيري من نساء فلسطين اللواتي تزوجن بعمر مبكر دون أن تحصل على تعليم بسبب الظروف القاسية التي عاشتها نتيجة تشردها عن وطنها وظروف عائلتها المادية المزرية، تزوجت في سن مبكرة وعشت حياة بؤس وشقاء وفقر ومعاناة لا توصف دون أن أخبر أهلي بظروف معيشتي، خوفاً أن أحملهم هماً فوق همهم، فكلما زرتهم أخبرهم أنني بأفضل حال، إلى أن زارني يوماً أخي الأكبر مني  ولاحظ مرضي ونحلي الشديد هنا ساوره الشك وبدأ يسأل عن حالي وأحوالي ومعاملة زوجي معي.

حينها أجبته أنه عارض مرضي وسيزول قريباً، إلا أن أخي لم يقتنع بهذه الحجة، وفي اليوم الثاني جاء لزيارتي بشكل مفاجئ دون أن يخبرني بذلك وأثناء مكوثه في منزلي أدعى أنه جائع ويريد أن يأكل، حينها بدت الحيرة والاضطراب تظهر على ملامحي، وعندما سألني عن السبب أخبرته أنه لا يوجد أي طعام بالمنزل ولا حتى كسرة خبز، وأنني على هذا الحال منذ فترة طويلة، غضب أخي غضباً شديداً لأنني لم أخبره الحقيقة يوم أمس ولم استعن به لحل مشاكلي، حينها ذهب أخي إلى السوق واشترى لي ولأولادي كل ما يلزم من الطعام رغم عوزه الشديد.

تتابع أم أحمد عشت حياة مليئة بالشقاء والقهر والوجع نتيجة معاملة زوجي القاسية وما اتصف به من حبه للمال وبخله الشديد، حتى أن الحياة معه تحولت إلى جحيم حقيقي، ورغم ذلك حاولت أن أكمل حياتي الزوجية معه من أجل أطفالي الأربعة، إلا أن صبري نفد ولم أعد أطيق الحياة معه، فذهبت إلى بيت أهلي وطلبت الانفصال عنه، فقبل بذلك ولكنه أبقى الصغار معه وأخبرهم أنني ميته.

مضت الأيام والسنيين وأنا أتحين الفرصة المناسبة لرؤية أولادي، إلا أن القدر حال دون رؤيتهم فقد مات ابني البكر في لبنان جراء قصف "اسرائيلي استهدف الأراضي اللبنانية، وعلمت بعد ذلك أنه فر من ظلم والده وجبروته.

عندما علمت بنبأ وفاته أصابني الذهول وغبت عن الوعي بعد ذلك تعرضت لحالة صحية ونفسية جعلتني طريحة الفراش وغير قادرة على المشي.

تستطرد أم أحمد بعد انفصالي عن زوجي عشت سنوات طويلة عند أقاربي الذين أحسنوا معاملتي واهتموا بصحتي وقاموا برعايتي وعلاجي رغم كبر سني، وكانت الحياة تسير بشكل اعتيادي إلى أن دخل مخيم اليرموك في لب الصراع الذي اندلع في سورية.

نكبة اليرموك زادت المأساة

تكمل أم أحمد سرد روايتها دائمًا المدنيون وكبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة، هم من يدفعون ثمن الحروب والصراعات العسكرية منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، حكايتي مأساة فلسطينية جديدة، ترقى لحد الفاجعة، بعد ضربة الميغ لمخيم اليرموك يوم 16/ 12/ 2012 ودخول المجموعات المسلحة إلى اليرموك اضطررت أنا والعائلة التي كنت أسكن عندها للنزوح من المخيم.

تصف أم أحمد لحظات الرعب التي عاشتها أثناء خروجها مع الآلاف من مخيم اليرموك،  كانت الجحافل من أهالي المخيم يغادرونه، منهم من يحمل والده على ظهره، ومنهم من يجر والدته المريضة أمامه، نساء أطفال يبكون، حالة من الرعب بادية على محياهم، صدمة وذهول أصابتني، وبت في حيرة من أمري، ماذا أفعل؟ وكيف أتصرف؟ خاصة وأنني لا استطيع أجلس على كرسي متحرك بسبب المرض الذي هدني وكبر سني، كانت العائلة التي عشت عندها تحيط بي وترمقني بعيون خائفة، خوفاً من أن أصاب بأذى، وفي طريقنا لم نسلم من رصاص وحقد الغادرين الذين فتحوا فوهات بنادقهم على المدنيين، حيث أصابت رصاصة قناص امرأة لم تكن تبعد عنا سوى بضع خطوات، صراخها ودمائها التي سالت كانت كفيلة أن تبعث مزيداً من الخوف والرعب في نفوس جميع من كان بالقرب منها، تعالت صرخات النساء والأطفال، استطعنا بعد ذلك الخروج من المخيم إلى حي الزاهرة الدمشقي بعد شق الأنفس، مضيفة شعرت أن الطريق من منزلي إلى خارج المخيم استغرق دهراً بسبب ما تعرضنا له من خوف والشعور أننا لن نخرج سالمين.

بعد أن خرجنا بسلام من مخيم اليرموك وقفنا حائرين في منطقة الزاهرة بدمشق لا ندري إلى أي مكان نلجأ، حينها قررنا الذهاب إلى منزل أختي في مخيم خان الشيح، بعد فترة وجيزة تدهور الوضع الأمني في المخيم وأصبح يتعرض للقصف، حينها اشتدت الأمور سوءاً علينا خاصة بعد أن بدأت المواد التموينية والأدوية بالنفاد بسبب الحصار الذي فرض على المخيم، حينها قررت أختي أن نسافر إلى لبنان لعلاجي والبحث عن حياة أمنة.

الهجرة إلى لبنان:

تقول أم أحمد وصلت أنا وأختي وعائلتها  إلى لبنان عام 2013، ومكثنا في البداية ببيت تقطنه خمس عائلات غير مفروش، وفي المساء اشتد الألم عليّ ولم استطع النوم نتيجة الفرشة الخفيفة التي كنت انام عليها، هنا هب أفراد العائلات الخمس وأحضروا لي فرشاتهم كي أستطيع النوم ويخف الألم، تتابع هنا شعرت بالضياع و الحزن الشديدين وتسألت في قرارة نفسي أيعقل أن يصل بي الأمر إلى هذا الحال بعد  كنت معززة مكرمة في مخيمي ومنزلي.

 

تضيف أم أحمد بعد فترة من الزمن استأجرت أختي منزلاً وخصصت لي غرفة فيه ، وطوال اقامتي عندها لم يسأل عني أحد وكنت أشعر بالوحدة وأصبحت عائلة أختي هي عائلتي وملاذي الأمن.

لم يعد يعني الموت لي شيئاً ولم أعد أتأثر بموت أحد أجلس كل يوم على شرفتي المطلة على بستان زيتون أتذكر الماضي بكل تفاصيله حلوه ومره، يمر بمخيلتي طيف أبنائي فأذرف الدمع بصمت حتى لا ألفت انتباه من حولي فأسبب لهم الهم والغم والألم، لم يعد بوسعي ان أفعل أي شيء امرأة مسنة تعاني من أمراض عديدة ماذا عساها تفعل، لقد أقنعت نفسي بالاستمرار بالتزام الصمت، لأننا أصلاً ما نحن في هذه الحياة إلا ساعون في أرض الله، لا نملك فيها شيء حتى أنفسنا هي بيده وحده القادر على كل شيء، ولدت من جديد في رحم الغربة وآه كم مر هو طعم هذه الغربة وكم هو صعب حين نجد أنفسنا أمام الخيارات الصعبة ولا مجال للتراجع، تعرفت على مخاطر ومشاكل وهموم جديدة لم أكن اتوقعها، إنه القدر يديرنا كيفما يشاء، يرحل بنا إلى أماكن ما كنا لنتوقعها يوما حتى.  

الوسوم

هذه حكايتي , سوريا , مخيم اليرموك , مخيم خان الشيح , لبنان , تشرد , لجوء , معاناة ,

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/10577