map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

3983

يومٌ ناقصٌ من روزنامة المخيم

تاريخ النشر : 11-03-2015
يومٌ ناقصٌ من روزنامة المخيم

أحمد حسين – مدير مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية

عامان كاملان مترعان بالأحداث لم يستطيعا أن يمحيا من ذاكرة المخيم ذلك اليوم، سلّ أي شخصٍ من أبناء المخيم عن"الأربعاء الدامي" سيروي لك فصولاً من الوجع المحفور في عمق الذاكرة، وسيحدثك عن أتعس يوم طلعت فيه الشمس على ذلك المخيم، إنه الجرح الذي ترك ندبةً دائمة على جدار القلب.

صباح يوم الأربعاء 13/3/2013م كان مخيم خان الشيح على موعدٍ مع الموت، كانت الإشاعات تتناهى إلى المسامع منذ أيامٍ عن نية الثوار اقتحام مقر "الاسكان العسكري"، آخر معاقل النظام السوريّ داخل مخيّم خان الشيح، ولكن، ربما ظنّ الكثيرون، وأنا منهم، بأنها الحرب النفسيّة فقط، إذ كيف يمكن للخطط العسكريّة أن تتحول إلى حديث الشارع؟!

عند السادسة صباحاً كانت رشقاتٌ كثيفةٌ من الرصاص مسموعة، لا جديد بالنسبة لنا فالاشتباكات جزءٌ من واقع الحال يوميّاً، إلا أنّ المقر العسكري كان يسقط شيئاً فشيئاً في يد الثوّار، حكاية الخيانة التي جعلت من سور الصين العظيم أضحوكة الغزاة تتكرر مجدداً، ثكنةٌ منيعةٌ مدججةٌ بالدبابات والآليات سقطت بيد شبابٍ بأسلحةٍ خفيفة، بعضهم جاء صباحاً على متن درّاجة وعاد على متن دبّابة أو ناقلة جند.

أخبار السقوط ومرارته، دفعت ضابطاً مناوباً في قطعةٍ عسكريةٍ على رأس تلةٍ تقع إلى الغرب، إلى الانتقام من أبناء المخيّم ومعاقبتهم بجريمةٍ لم يرتكبوها، فأطلق نيران المدافع والدبابات باتجاه المدنيين طوال يومٍ كامل، بدأ القصف منذ السادسة والنصف صباحاً حين سقطت أول قذيفة، كنت حينها مستلقياً إلى جانب ولدي ذو العامين، سمعت الصوت فلم أتحرك من مكاني، سقطت القذيفة الثانية أقرب، فقمت مسرعاً للانتقال إلى الزاوية الأكثر أماناً في البيت، خطة الطوارئ في المنزل متفقٌ عليها؛ اذا كان منزلك من طابقٍ واحدٍ فعليك بأي زاويةٍ بها سقفٌ مزدوج، فرشةٌ وضوءٌ وهاتفٌ تحت سقيفة المنزل تقي العائلة مخاطر القصف بإذن الله، ركضت لأحمل طفلي إلا أن القذيفة الثالثة كانت أسرع مني، صوت انفجارٍ ضخمٍ هز أركان البيت، سقطت القذيفة على المنزل فحطّمت الأبواب والنوافذ وألقت بنا جميعاً إلى الأرض، وملئت الغرفة بالزجاج والأتربة ورائحة البارود، في تلك اللحظات لم يكن هناك وقتٌ للتفكير، بل الغريزة فقط هي ما يقودني، لم يغب أحدٌ عن الوعي، ولم أشاهد دماءً، فحملت ولدي وركضت إلى الداخل وتبعتني زوجتي، سقطت القذيفة الرابعة أمام المنزل الذي كان يهتز بقوةٍ وتبعتها الخامسة فوراً، سيلٌ غزيرٌ من القذائف لم يتوقف، ولكنني استطعت أن أميّز أصواتها وهي تقترب أكثر باتجاه قلب المخيم.

خرجت لأعاين الأضرار في المنزل، القذيفة انفجرت على جدار الغرفة التي كنّا بداخلها، وتحديداً على نقطة التقاء العامود بالسقف، سبحان الله، أصلب نقطة في الجدار تلقت الصدمة ومنعت اختراق القذيفة باتجاهنا، نجونا بعنايةٍ ربانيةٍ فائقة فالحمد لله على كل حال، إلا أنّ ذلك الصباح لم ينقضِ على خير، وكانت الفاجعة بسقوط أول شهيد هو الشاب "عامر" الذي تلقى شظيةً كبيرةً في رقبته فمات على الفور.

خلال النهار، كانت الحمم ما تزال تتساقط على منازل المخيم، كان القصف بمعدل ثلاث أو أربع قذائف في الدقيقة الواحدة، وبلا توقف، الاتصالات شبه مقطوعة، والكهرباء غير متوفرة، والسّير في الشارع انتحارٌ حقيقيٌ، كان يوماً أسوداً بكل معنى الكلمة، القصف عشوائيٌ تماماً لم تفلت منه المنازل ولا المدارس ولا حتى المساجد، الأخبار المؤلمة تتوالى بسقوط الجرحى هنا وهناك، والأصوات تثير في النفس مشاعر كثيرة، أصوات الصّراخ والانفجارات والزجاج المتحطم، إلا أن أسوأها كان صفير القذيفة في السماء، يقال أنّ المرء يجب ألا يخاف من صفير الرصاصة لأن سماعه يعني أنها تجاوزته، إلا أنّ الأمر مختلف مع القذائف، صوت الإطلاق عميقٌ وبعيد، وصوت الانفجار، وبينهما صوت صفيرٍ يجعلك تنتظر بحيرةٍ محاولاً تحديد ما إذا كان يتجه نحوك أم لا؟! وعندما تكتشف النتيجة لن يكون أمامك وقتٌ إلا لمواجهة قدرك!!

في خضمّ هذه الأحداث، كان من الغريب فعلاً، أن يظهر رجلٌ غريبٌ بسيارةٍ صفراء، يركنها وسط حيٍّ سكنيّ، يترجّل منها ويمضي مبتعداً، عندما حاول البعض التحقق منه وسؤاله عن وجهته راوغ قليلاً ثم انبطح واستخدم زر التفجير في يده.. سيارة مفخخة تنفجر وسط المنازل التي تتعرض للقصف منذ الصباح!! أيُّ همجيّةٍ وإمعانٍ في القتل لدى هؤلاء؟! شدّة الانفجار حطّمت منازل الحي وجرحت الكثيرين، وأجزاءٌ من السيارة تناثرت على مساحةِ شارعين، أمّا الرجل فقد ركض هارباً بين الأزقّة، ولكن هيهات؟! أقسم العجوز قبل الشاب على الإمساك به، أراد الجميع قطف رأسه، لكنّه كان بقبضة الثوار خلال دقائق، أمضى ذلك الرجل آخر يومٍ في حياته كأسوأ ما يكون، اعترف لمن حقق معه بأنه قبض مبلغاً من المال ليضع السّيارة في المخيم، اعترافٌ لم يكن لينقذ حياته أو يعطيه الوقت للتوبة، وربما لم يطلبها، كانت النفوس تغلي على وقع القصف وأخبار الشهداء، وخلال ساعات، كان مربوطاً إلى برج للكهرباء ميتاً يلبس كيساً قماشياً عليه عبارة "هذا جزاء ما قدمت يداك".

هناك في الحيّ الشرقي للمخيم دمارٌ هائلٌ وأسقف هبطت بأكملها إلى الأرض، الشوارع سُدّت بالركام، وبات واضحاً أن القصف الذي استمر على الحيّ طيلة ساعات المساء يهدف إلى تدميره بأكمله، كان بعض الأهالي ما زال يأمل أن يجد الأمان في ثنايا منزله بعيداً عن الجدران الخارجيّة، ولكنّ شدّة القصف أجبرت "محمد" على الخروج تحت النار نحو الملاجئ، خوفه على ولديه دفعه لركوب المجازفة، كيف لا؟ فـياسمين وضياء ليسوا كبقيّة الأطفال، هما هبةُ الله لرجلٍ مسنٍ أنفق ماله وشبابه للعلاج من العقم، أمضى نصف عمره ينتظر حتى فرح بقدومهما معه كلُّ أهل المخيم، كان يودُّ في ذلك اليوم لو يحميهما بدمه وعيونه، ركضت العائلة من زقاقٍ إلى آخر، لتكون على موعدٍ مع الموت بقذيفةٍ حاقدٍة قطّعت الأطفال وأمّهم إلى أشلاءٍ محترقةٍ وأبقت على الرجل ليتجرّع حسرتهم بقيّة عمره..

مشاهدُ كثيرةٌ لا تنسى في ذلك اليوم، بعضها حلوٌ وبعضها مرّ، كان هنالك فريقٌ من المتطوعين يحملون حقائب الإسعافات الأوليّة على ظهورهم، يركضون من حيّ لآخر بحثاً عن الجرحى، يطاردون القذائف! يخاطرون بحياتهم ومستقبلهم لإنقاذ الآخرين، مشهدٌ يختصر معاني الشجاعة والتضحية، غير آبهين بالخطر ينقلون الجرحى إلى الملاجئ حيث يتواجد من بقي من أطباء المخيّم، كان المخيّم يومها كخلية نحلٍ كبيرة، البعض خصّص سيارته لنقل الجرحى، والبعض الآخر تطوّع لنقل الفراش والماء للملاجئ، وأفواجٌ من النّاس كانت تجري من حيٍّ إلى آخر للمساعدة في انتشال الجرحى وإخلاء المنازل والاطمئنان على الأقرباء والجيران رغم أنّ القصف لم يهدأ لحظةًواحدة.

عدت للمنزل ليلاً، كان الظّلام يلفُّ كل شيءٍ والأسى يملأ صدري، فتحت الباب الخارجيّ وأقسم أنني لم أشعر بوحشةٍ في بيتي قط كما شعرت في تلك اللحظة، لم يطل تفكيري إذ وجدت اللصوص قد اقتحموا المخزن وسرقوا منه مولّداً كهربائيّاً وعشرات الليترات من الوقود، سلعةٌ لا يعرف قدرها إلا من جرّب الحصار، زادتني السّرقة قهراً على قهر، وهمّاً فوق همّ، إلا أن أكثر ما كان يشغل بالي حينها هو الهجرة المتوقعة في اليوم التالي، كنّا نعتقد أن بقاء الأهالي في المخيّم أفضل ضامنٍ لسلامته، وكنّا نستلهم العبرة من مخيّم اليرموك الذي خرج معظم الأهالي منه عقب غارة الطيران الحربي على جامع عبد القادر الحسيني، حدث ذلك قبل ثلاثة أشهر، كان هذا أكثر ما يرعبني، لم أستطع أن أتخيّل نفسي نازحاً أتقاسم أنا وأهلي صفّاً مدرسيّاً مع عائلتين!

في الأيام التالية سقط شهداء آخرون، وكان منظر الباصات وهي تحمل العفش والأطفال أكثر ما يكون بؤساً وإثارةً للقهر، خرج بعض الأهالي عبر الطريق البديلة للمخيم المحاصر، إلا أنّ إرادة الحياة بداخله كانت أقوى، لم يكن أبناء المخيم يوماً يداً واحدةً كما كانوا في ذلك الوقت، عشراتٌ من الشباب تعاهدوا على الحفاظ على مقومات الحياة في المخيم، وعلى رأسها صيانة شبكة الكهرباء والماء والهاتف وكانت في وضعٍ مزرٍ للغاية، انتشر على تلك الأعمدة شبابٌلا ينتظرون أجراً ولا شكراً، بعد أسبوع واحد فقط عادت الشبكة وبدأت الحياة تسري مجدداً في أزقة المخيّم، انتصر المخيم وخاب وخسر ذلك القاتل، حتى أنَّ جندياً لم يعرف الماء سبيلاً لجسمه منذ أشهر، كان يتأمل طابور السيارات الواقف أمامه على الحاجز، سأل أحدها عن جهة قدومها، قالوا له جئنا من مخيم خان الشيح، باستغرابٍ ردّ عليهم: "العَمَىْ بقلبكِنْ... تلات الاف قزيفةِ ضْرَبنا عليكِنْ.. لَكْ لسَّاتكِنْ عايشين؟!!".

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/1086

أحمد حسين – مدير مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية

عامان كاملان مترعان بالأحداث لم يستطيعا أن يمحيا من ذاكرة المخيم ذلك اليوم، سلّ أي شخصٍ من أبناء المخيم عن"الأربعاء الدامي" سيروي لك فصولاً من الوجع المحفور في عمق الذاكرة، وسيحدثك عن أتعس يوم طلعت فيه الشمس على ذلك المخيم، إنه الجرح الذي ترك ندبةً دائمة على جدار القلب.

صباح يوم الأربعاء 13/3/2013م كان مخيم خان الشيح على موعدٍ مع الموت، كانت الإشاعات تتناهى إلى المسامع منذ أيامٍ عن نية الثوار اقتحام مقر "الاسكان العسكري"، آخر معاقل النظام السوريّ داخل مخيّم خان الشيح، ولكن، ربما ظنّ الكثيرون، وأنا منهم، بأنها الحرب النفسيّة فقط، إذ كيف يمكن للخطط العسكريّة أن تتحول إلى حديث الشارع؟!

عند السادسة صباحاً كانت رشقاتٌ كثيفةٌ من الرصاص مسموعة، لا جديد بالنسبة لنا فالاشتباكات جزءٌ من واقع الحال يوميّاً، إلا أنّ المقر العسكري كان يسقط شيئاً فشيئاً في يد الثوّار، حكاية الخيانة التي جعلت من سور الصين العظيم أضحوكة الغزاة تتكرر مجدداً، ثكنةٌ منيعةٌ مدججةٌ بالدبابات والآليات سقطت بيد شبابٍ بأسلحةٍ خفيفة، بعضهم جاء صباحاً على متن درّاجة وعاد على متن دبّابة أو ناقلة جند.

أخبار السقوط ومرارته، دفعت ضابطاً مناوباً في قطعةٍ عسكريةٍ على رأس تلةٍ تقع إلى الغرب، إلى الانتقام من أبناء المخيّم ومعاقبتهم بجريمةٍ لم يرتكبوها، فأطلق نيران المدافع والدبابات باتجاه المدنيين طوال يومٍ كامل، بدأ القصف منذ السادسة والنصف صباحاً حين سقطت أول قذيفة، كنت حينها مستلقياً إلى جانب ولدي ذو العامين، سمعت الصوت فلم أتحرك من مكاني، سقطت القذيفة الثانية أقرب، فقمت مسرعاً للانتقال إلى الزاوية الأكثر أماناً في البيت، خطة الطوارئ في المنزل متفقٌ عليها؛ اذا كان منزلك من طابقٍ واحدٍ فعليك بأي زاويةٍ بها سقفٌ مزدوج، فرشةٌ وضوءٌ وهاتفٌ تحت سقيفة المنزل تقي العائلة مخاطر القصف بإذن الله، ركضت لأحمل طفلي إلا أن القذيفة الثالثة كانت أسرع مني، صوت انفجارٍ ضخمٍ هز أركان البيت، سقطت القذيفة على المنزل فحطّمت الأبواب والنوافذ وألقت بنا جميعاً إلى الأرض، وملئت الغرفة بالزجاج والأتربة ورائحة البارود، في تلك اللحظات لم يكن هناك وقتٌ للتفكير، بل الغريزة فقط هي ما يقودني، لم يغب أحدٌ عن الوعي، ولم أشاهد دماءً، فحملت ولدي وركضت إلى الداخل وتبعتني زوجتي، سقطت القذيفة الرابعة أمام المنزل الذي كان يهتز بقوةٍ وتبعتها الخامسة فوراً، سيلٌ غزيرٌ من القذائف لم يتوقف، ولكنني استطعت أن أميّز أصواتها وهي تقترب أكثر باتجاه قلب المخيم.

خرجت لأعاين الأضرار في المنزل، القذيفة انفجرت على جدار الغرفة التي كنّا بداخلها، وتحديداً على نقطة التقاء العامود بالسقف، سبحان الله، أصلب نقطة في الجدار تلقت الصدمة ومنعت اختراق القذيفة باتجاهنا، نجونا بعنايةٍ ربانيةٍ فائقة فالحمد لله على كل حال، إلا أنّ ذلك الصباح لم ينقضِ على خير، وكانت الفاجعة بسقوط أول شهيد هو الشاب "عامر" الذي تلقى شظيةً كبيرةً في رقبته فمات على الفور.

خلال النهار، كانت الحمم ما تزال تتساقط على منازل المخيم، كان القصف بمعدل ثلاث أو أربع قذائف في الدقيقة الواحدة، وبلا توقف، الاتصالات شبه مقطوعة، والكهرباء غير متوفرة، والسّير في الشارع انتحارٌ حقيقيٌ، كان يوماً أسوداً بكل معنى الكلمة، القصف عشوائيٌ تماماً لم تفلت منه المنازل ولا المدارس ولا حتى المساجد، الأخبار المؤلمة تتوالى بسقوط الجرحى هنا وهناك، والأصوات تثير في النفس مشاعر كثيرة، أصوات الصّراخ والانفجارات والزجاج المتحطم، إلا أن أسوأها كان صفير القذيفة في السماء، يقال أنّ المرء يجب ألا يخاف من صفير الرصاصة لأن سماعه يعني أنها تجاوزته، إلا أنّ الأمر مختلف مع القذائف، صوت الإطلاق عميقٌ وبعيد، وصوت الانفجار، وبينهما صوت صفيرٍ يجعلك تنتظر بحيرةٍ محاولاً تحديد ما إذا كان يتجه نحوك أم لا؟! وعندما تكتشف النتيجة لن يكون أمامك وقتٌ إلا لمواجهة قدرك!!

في خضمّ هذه الأحداث، كان من الغريب فعلاً، أن يظهر رجلٌ غريبٌ بسيارةٍ صفراء، يركنها وسط حيٍّ سكنيّ، يترجّل منها ويمضي مبتعداً، عندما حاول البعض التحقق منه وسؤاله عن وجهته راوغ قليلاً ثم انبطح واستخدم زر التفجير في يده.. سيارة مفخخة تنفجر وسط المنازل التي تتعرض للقصف منذ الصباح!! أيُّ همجيّةٍ وإمعانٍ في القتل لدى هؤلاء؟! شدّة الانفجار حطّمت منازل الحي وجرحت الكثيرين، وأجزاءٌ من السيارة تناثرت على مساحةِ شارعين، أمّا الرجل فقد ركض هارباً بين الأزقّة، ولكن هيهات؟! أقسم العجوز قبل الشاب على الإمساك به، أراد الجميع قطف رأسه، لكنّه كان بقبضة الثوار خلال دقائق، أمضى ذلك الرجل آخر يومٍ في حياته كأسوأ ما يكون، اعترف لمن حقق معه بأنه قبض مبلغاً من المال ليضع السّيارة في المخيم، اعترافٌ لم يكن لينقذ حياته أو يعطيه الوقت للتوبة، وربما لم يطلبها، كانت النفوس تغلي على وقع القصف وأخبار الشهداء، وخلال ساعات، كان مربوطاً إلى برج للكهرباء ميتاً يلبس كيساً قماشياً عليه عبارة "هذا جزاء ما قدمت يداك".

هناك في الحيّ الشرقي للمخيم دمارٌ هائلٌ وأسقف هبطت بأكملها إلى الأرض، الشوارع سُدّت بالركام، وبات واضحاً أن القصف الذي استمر على الحيّ طيلة ساعات المساء يهدف إلى تدميره بأكمله، كان بعض الأهالي ما زال يأمل أن يجد الأمان في ثنايا منزله بعيداً عن الجدران الخارجيّة، ولكنّ شدّة القصف أجبرت "محمد" على الخروج تحت النار نحو الملاجئ، خوفه على ولديه دفعه لركوب المجازفة، كيف لا؟ فـياسمين وضياء ليسوا كبقيّة الأطفال، هما هبةُ الله لرجلٍ مسنٍ أنفق ماله وشبابه للعلاج من العقم، أمضى نصف عمره ينتظر حتى فرح بقدومهما معه كلُّ أهل المخيم، كان يودُّ في ذلك اليوم لو يحميهما بدمه وعيونه، ركضت العائلة من زقاقٍ إلى آخر، لتكون على موعدٍ مع الموت بقذيفةٍ حاقدٍة قطّعت الأطفال وأمّهم إلى أشلاءٍ محترقةٍ وأبقت على الرجل ليتجرّع حسرتهم بقيّة عمره..

مشاهدُ كثيرةٌ لا تنسى في ذلك اليوم، بعضها حلوٌ وبعضها مرّ، كان هنالك فريقٌ من المتطوعين يحملون حقائب الإسعافات الأوليّة على ظهورهم، يركضون من حيّ لآخر بحثاً عن الجرحى، يطاردون القذائف! يخاطرون بحياتهم ومستقبلهم لإنقاذ الآخرين، مشهدٌ يختصر معاني الشجاعة والتضحية، غير آبهين بالخطر ينقلون الجرحى إلى الملاجئ حيث يتواجد من بقي من أطباء المخيّم، كان المخيّم يومها كخلية نحلٍ كبيرة، البعض خصّص سيارته لنقل الجرحى، والبعض الآخر تطوّع لنقل الفراش والماء للملاجئ، وأفواجٌ من النّاس كانت تجري من حيٍّ إلى آخر للمساعدة في انتشال الجرحى وإخلاء المنازل والاطمئنان على الأقرباء والجيران رغم أنّ القصف لم يهدأ لحظةًواحدة.

عدت للمنزل ليلاً، كان الظّلام يلفُّ كل شيءٍ والأسى يملأ صدري، فتحت الباب الخارجيّ وأقسم أنني لم أشعر بوحشةٍ في بيتي قط كما شعرت في تلك اللحظة، لم يطل تفكيري إذ وجدت اللصوص قد اقتحموا المخزن وسرقوا منه مولّداً كهربائيّاً وعشرات الليترات من الوقود، سلعةٌ لا يعرف قدرها إلا من جرّب الحصار، زادتني السّرقة قهراً على قهر، وهمّاً فوق همّ، إلا أن أكثر ما كان يشغل بالي حينها هو الهجرة المتوقعة في اليوم التالي، كنّا نعتقد أن بقاء الأهالي في المخيّم أفضل ضامنٍ لسلامته، وكنّا نستلهم العبرة من مخيّم اليرموك الذي خرج معظم الأهالي منه عقب غارة الطيران الحربي على جامع عبد القادر الحسيني، حدث ذلك قبل ثلاثة أشهر، كان هذا أكثر ما يرعبني، لم أستطع أن أتخيّل نفسي نازحاً أتقاسم أنا وأهلي صفّاً مدرسيّاً مع عائلتين!

في الأيام التالية سقط شهداء آخرون، وكان منظر الباصات وهي تحمل العفش والأطفال أكثر ما يكون بؤساً وإثارةً للقهر، خرج بعض الأهالي عبر الطريق البديلة للمخيم المحاصر، إلا أنّ إرادة الحياة بداخله كانت أقوى، لم يكن أبناء المخيم يوماً يداً واحدةً كما كانوا في ذلك الوقت، عشراتٌ من الشباب تعاهدوا على الحفاظ على مقومات الحياة في المخيم، وعلى رأسها صيانة شبكة الكهرباء والماء والهاتف وكانت في وضعٍ مزرٍ للغاية، انتشر على تلك الأعمدة شبابٌلا ينتظرون أجراً ولا شكراً، بعد أسبوع واحد فقط عادت الشبكة وبدأت الحياة تسري مجدداً في أزقة المخيّم، انتصر المخيم وخاب وخسر ذلك القاتل، حتى أنَّ جندياً لم يعرف الماء سبيلاً لجسمه منذ أشهر، كان يتأمل طابور السيارات الواقف أمامه على الحاجز، سأل أحدها عن جهة قدومها، قالوا له جئنا من مخيم خان الشيح، باستغرابٍ ردّ عليهم: "العَمَىْ بقلبكِنْ... تلات الاف قزيفةِ ضْرَبنا عليكِنْ.. لَكْ لسَّاتكِنْ عايشين؟!!".

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/1086