map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4009

مخيم اليرموك أيقونة الهوية… الجسد الذي يفقد روحه

تاريخ النشر : 23-05-2019
مخيم اليرموك أيقونة الهوية… الجسد الذي يفقد روحه

وسيم السلطي

نقلا عن مجلة رمان

”صرخت بحارة الفقراء

خلف مخيم اليرموك

يدعوكم أبو ذرّ إلى عقد اجتماع جائع

لتدارس الأوضاع …“

مظفر النواب

القصف، الحصار، الموت، النزوح، هذه المفردات لازمت مخيم اليرموك في سنواته الأخيرة إلى أن شهد عملية عسكرية هي الأعنف في 19/ 4/ 2018، ودائماً ما كانت مفردة العودة هي المرادف والمعادل في إنكار ومواجهة ما يتعرض له المخيم، نظراً لما يمثله من رمزية عالية، وأحد أوجه تفكيك هذه الرمزية وفهمها هو العودة إلى فلسطين.

يعطي البعض تحليلاً للموقف، بأن المعادلة مفهومة وواضحة، حول ما يشهده المخيم في هذه اللحظات التاريخية من مصيره ومصير سكانه، ووضوحها يكمن بأن التدمير والتهجير هما السياسة التي مرت بها مئات المناطق السورية وخبرها ملايين السوريين، ولكن، رغم وحدة الحال التي يعبر عنها البعض وعشناها نحن أيضاً في المخيم، مع الاعتراف بمدى التصاقنا بالأرض السورية، يتخلل تلك الحالة بالمعنى الفلسطيني، خصوصية لم تفقدها أية منطقة في سورية، فمن منا لا يرى بأن خصوصية غوطة دمشق خلال الحراك، تختلف عن حمص وهي بدورها تختلف عن حلب ودرعا، أهمية هذه الخصوصية تنبع من مكانة كل منطقة وما قدمته وأثّرت عبره في المشهد السوري بشكل عام.

كان مخيم اليرموك للاجئ الفلسطيني، خيمته في ترحاله، الحاضنة للتنشئة الوطنية بعيداً عن التشوهات والادعاءات الوطنية التي كانت تجري خارجه، حيث تولد في المخيم، كل ما حولك يوصلك بفلسطين وإلى فلسطين، اللغة المثقلة بآلام النكبة والنكسة وذكريات الطفولة قبيلها التي تناقلها الأجداد ونقلوها لنا، مظاهرات الغضب والاستنكار إثر أي حدث فلسطيني وعربي، مكاتب الفصائل الهرمة التي كانت تحاول إحياء شبابها عبر شباب جديد يحمل همّاً ثورياً، رغبة وفضول الكثير من الأصدقاء السوريين والأوربيين التعرف على المخيم، التجاذبات السياسية والمشادات الكلامية حول موقف أو تحليل يخص شأناً ما، الفعاليات التقليدية في كل ذكرى، الأغاني الثورية تنبعث من نوافذ الشبان، مشاركة الألم والفرح، لحظات الولادة والموت، العادات والتقاليد، سيطرة الحالة الشعبية، السلوك كله يعبر وكأنه يتجهز للعودة إلى فلسطين.

صدمة كبيرة أحالتنا مذهولين ومفجوعين لما عصف بالمخيم مجددًا، مئات الآلاف نزحت عنه، وآلاف ما تزال موجودة فيه، لا لتحمي بيوتها التي أضحت ركاما، ولا محالها التي نهبتها الأيادي السوداء، وإنما بقيت لتحافظ ما استطاعت على إرث فلسطين في الخارج، مخيم اليرموك، أيقونة الهوية التي تشكلت وتمخضت عبر عشرات السنين، أثرت في شخصية اللاجئ وتكوينها، وأعطت المكان بعداً معنوياً في حاضره ومستقبله، بأنه المكان الآمن للانتقال إلى فلسطين.

من دون شك، إن تلك الهوية ومكوناتها، بقيت حاضرة في مستويين، الأول عند من بقي صامداً حتى الآن داخل المخيم، بعد الويلات التي شهدها وما يزال، والثاني هو حضورها عند من هُجّر من المخيم، وحمل بصماتها وخصائصها معه، لا يمكن التعميم هنا، فالبعض تنكّرَ لها، والآخر أثقل ترحاله وهجرته كاهلَه.

الحيوية التي يشعر بها اللاجئ، تُظهِر تأثير تلك الهوية، في ردات الفعل والسلوكيات والمبادرات التي يواصل اللاجئ التعبير عنها في منفاه الجديد، أو في رجاء الرجوع إلى مخيمه، ونافل القول بأن شوائب الهجرة والمنفى الجديد وفقد المكان، قد شابت تلك الهوية، ولكن يحاول اللاجئ قدر المستطاع إحياءها ودمجها في حياته الجديدة.

يبقى السؤال، ما هو الكفيل بمحو الآلام التي سبّبها جرح في صميم كينونتنا وحاضرنا؟ وكيف التعافي من فقدان المكان؟ ليس سهلًا الجواب الآن، يبدو أن الزمن سيكوّن محاولات التعافي، بمعزل عن المكان، فتبينُ أن موضوع فقد المكان قد اعتاده الفلسطيني، وكذلك التوازن الذي يمكن أن يحدث بين ذلك الجرح والفقد والتعافي والبدء من جديد، ويشكّل التأمل والتفكير في تاريخ الألم والفقد شرطاً لإمكانية التعافي تلك. الألم يذهب ولكن يبقى تاريخه، تماماً كالفلسفة وتاريخها، بدايةً تكون الفلسفة، ومن ثم تأتي قراءة تلك الفلسفة ومراحلها المختلفة وإمكانية البناء عليها والتفلسف من جديد، والتفلسف هو فعل لا يحتاج مكاناً ثابتاً وزماناً واحداً.

فَقدنا المكان، لكن بقي تاريخ الأيقونة ومؤثراتها، فلا بد لنا من البناء من جديد والتفكير من جديد، والمرحلة الجديدة لها خصائص أخرى، اللامركزية، الاتفاق على الاختلاف، البناء بشكل أفقي توسعي، لا مكان واحد للانطلاق منه، القدرة على التأثير والتأثر وإنضاج التجربة، وحتى تكتمل التجربة لتختمر عنها أفكار ومفاهيم جديدة تتلاءم مع هذا المفصل التاريخي في الملف الفلسطيني بأكمله، يجب الالتفات نحو الساحة في غزة، الانتفاضة في مرحلتها المعاصرة، ودعمها.

كلنا مخيم جديد، كل واحد منا بوسعه أن يكون مخيماً ينطلق منه، يجمعه الاتفاق مع غيره على اختلافه، ويبقى الأمل هو علتنا الجميلة الموجعة، فالمخيم اليوم في حالة الجسد الذي يفقد روحه، إلا أن من بقي في المخيم ومن خرج منه يسعون للمحافظة على هذه الروح، يسوقهم الأمل بإعادة المخيم إليهم والعودة إليه، واستئناف الحياة فيه.

العربي الجديد

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/11750

وسيم السلطي

نقلا عن مجلة رمان

”صرخت بحارة الفقراء

خلف مخيم اليرموك

يدعوكم أبو ذرّ إلى عقد اجتماع جائع

لتدارس الأوضاع …“

مظفر النواب

القصف، الحصار، الموت، النزوح، هذه المفردات لازمت مخيم اليرموك في سنواته الأخيرة إلى أن شهد عملية عسكرية هي الأعنف في 19/ 4/ 2018، ودائماً ما كانت مفردة العودة هي المرادف والمعادل في إنكار ومواجهة ما يتعرض له المخيم، نظراً لما يمثله من رمزية عالية، وأحد أوجه تفكيك هذه الرمزية وفهمها هو العودة إلى فلسطين.

يعطي البعض تحليلاً للموقف، بأن المعادلة مفهومة وواضحة، حول ما يشهده المخيم في هذه اللحظات التاريخية من مصيره ومصير سكانه، ووضوحها يكمن بأن التدمير والتهجير هما السياسة التي مرت بها مئات المناطق السورية وخبرها ملايين السوريين، ولكن، رغم وحدة الحال التي يعبر عنها البعض وعشناها نحن أيضاً في المخيم، مع الاعتراف بمدى التصاقنا بالأرض السورية، يتخلل تلك الحالة بالمعنى الفلسطيني، خصوصية لم تفقدها أية منطقة في سورية، فمن منا لا يرى بأن خصوصية غوطة دمشق خلال الحراك، تختلف عن حمص وهي بدورها تختلف عن حلب ودرعا، أهمية هذه الخصوصية تنبع من مكانة كل منطقة وما قدمته وأثّرت عبره في المشهد السوري بشكل عام.

كان مخيم اليرموك للاجئ الفلسطيني، خيمته في ترحاله، الحاضنة للتنشئة الوطنية بعيداً عن التشوهات والادعاءات الوطنية التي كانت تجري خارجه، حيث تولد في المخيم، كل ما حولك يوصلك بفلسطين وإلى فلسطين، اللغة المثقلة بآلام النكبة والنكسة وذكريات الطفولة قبيلها التي تناقلها الأجداد ونقلوها لنا، مظاهرات الغضب والاستنكار إثر أي حدث فلسطيني وعربي، مكاتب الفصائل الهرمة التي كانت تحاول إحياء شبابها عبر شباب جديد يحمل همّاً ثورياً، رغبة وفضول الكثير من الأصدقاء السوريين والأوربيين التعرف على المخيم، التجاذبات السياسية والمشادات الكلامية حول موقف أو تحليل يخص شأناً ما، الفعاليات التقليدية في كل ذكرى، الأغاني الثورية تنبعث من نوافذ الشبان، مشاركة الألم والفرح، لحظات الولادة والموت، العادات والتقاليد، سيطرة الحالة الشعبية، السلوك كله يعبر وكأنه يتجهز للعودة إلى فلسطين.

صدمة كبيرة أحالتنا مذهولين ومفجوعين لما عصف بالمخيم مجددًا، مئات الآلاف نزحت عنه، وآلاف ما تزال موجودة فيه، لا لتحمي بيوتها التي أضحت ركاما، ولا محالها التي نهبتها الأيادي السوداء، وإنما بقيت لتحافظ ما استطاعت على إرث فلسطين في الخارج، مخيم اليرموك، أيقونة الهوية التي تشكلت وتمخضت عبر عشرات السنين، أثرت في شخصية اللاجئ وتكوينها، وأعطت المكان بعداً معنوياً في حاضره ومستقبله، بأنه المكان الآمن للانتقال إلى فلسطين.

من دون شك، إن تلك الهوية ومكوناتها، بقيت حاضرة في مستويين، الأول عند من بقي صامداً حتى الآن داخل المخيم، بعد الويلات التي شهدها وما يزال، والثاني هو حضورها عند من هُجّر من المخيم، وحمل بصماتها وخصائصها معه، لا يمكن التعميم هنا، فالبعض تنكّرَ لها، والآخر أثقل ترحاله وهجرته كاهلَه.

الحيوية التي يشعر بها اللاجئ، تُظهِر تأثير تلك الهوية، في ردات الفعل والسلوكيات والمبادرات التي يواصل اللاجئ التعبير عنها في منفاه الجديد، أو في رجاء الرجوع إلى مخيمه، ونافل القول بأن شوائب الهجرة والمنفى الجديد وفقد المكان، قد شابت تلك الهوية، ولكن يحاول اللاجئ قدر المستطاع إحياءها ودمجها في حياته الجديدة.

يبقى السؤال، ما هو الكفيل بمحو الآلام التي سبّبها جرح في صميم كينونتنا وحاضرنا؟ وكيف التعافي من فقدان المكان؟ ليس سهلًا الجواب الآن، يبدو أن الزمن سيكوّن محاولات التعافي، بمعزل عن المكان، فتبينُ أن موضوع فقد المكان قد اعتاده الفلسطيني، وكذلك التوازن الذي يمكن أن يحدث بين ذلك الجرح والفقد والتعافي والبدء من جديد، ويشكّل التأمل والتفكير في تاريخ الألم والفقد شرطاً لإمكانية التعافي تلك. الألم يذهب ولكن يبقى تاريخه، تماماً كالفلسفة وتاريخها، بدايةً تكون الفلسفة، ومن ثم تأتي قراءة تلك الفلسفة ومراحلها المختلفة وإمكانية البناء عليها والتفلسف من جديد، والتفلسف هو فعل لا يحتاج مكاناً ثابتاً وزماناً واحداً.

فَقدنا المكان، لكن بقي تاريخ الأيقونة ومؤثراتها، فلا بد لنا من البناء من جديد والتفكير من جديد، والمرحلة الجديدة لها خصائص أخرى، اللامركزية، الاتفاق على الاختلاف، البناء بشكل أفقي توسعي، لا مكان واحد للانطلاق منه، القدرة على التأثير والتأثر وإنضاج التجربة، وحتى تكتمل التجربة لتختمر عنها أفكار ومفاهيم جديدة تتلاءم مع هذا المفصل التاريخي في الملف الفلسطيني بأكمله، يجب الالتفات نحو الساحة في غزة، الانتفاضة في مرحلتها المعاصرة، ودعمها.

كلنا مخيم جديد، كل واحد منا بوسعه أن يكون مخيماً ينطلق منه، يجمعه الاتفاق مع غيره على اختلافه، ويبقى الأمل هو علتنا الجميلة الموجعة، فالمخيم اليوم في حالة الجسد الذي يفقد روحه، إلا أن من بقي في المخيم ومن خرج منه يسعون للمحافظة على هذه الروح، يسوقهم الأمل بإعادة المخيم إليهم والعودة إليه، واستئناف الحياة فيه.

العربي الجديد

الوسوم

مقالات , وسيم السلطي ,

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/11750