map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

3983

حق لا يسقط بالتقادم ولا يلغيه تجبر ظالم

تاريخ النشر : 12-05-2015
حق لا يسقط بالتقادم ولا يلغيه تجبر ظالم

علي بدوان 

على جدران مخيم اليرموك الواقفة وعلى حيطانه المدمرة كتب _ويكتب_ اللاجئون الفلسطينيون في سوريا وعموم المنافي والشتات أحلامهم الوطنية المشروعة، مع إطلالة أيار (مايو) 2015م إذ تحل ذكرى نكبة فلسطين، ففلسطينيو اليرموك من قلب محنتهم ما زالوا السباقين لإحياء ذكرى النكبة شحذًا للهمم، وتأكيدًا للتمسك بحق العودة إلى أرض الآباء والأجداد في فلسطين.

فلسطينيو سوريا واليرموك كتبوا _ويكتبون الآن_ بخربشات أقلام أطفالهم وفتيانهم أهدافهم الوطنية العادلة، رسموا _ويرسمون_ بالصور الجدارية صورة حيفا ويافا واللد وعكا وبيسان والرملة وصفد وطبريا والناصرة وأم الفحم (...)، في شريط "مونولوجي" يلخص حقيبة المعنى والتاريخ في سيرة وقصة النكبة.

إنه تاريخ تحت الركام، ومن بين أزقة وحارات المخيم التي ما زالت قائمة وصامدة، لكنه تاريخ يخرج نبته الأخضر اليانع من بين الحجارة والردم والحارات لشعب ما زال يمسك بناصية حقوقه الوطنية في مواجهة مساعي "التمويت" التي يريدها من يعمل على إجهاض حق العودة، وتدمير الرواية الوطنية، رواية النكبة، من ألفها إلى يائها.

حق العودة

في مخيم اليرموك تنبعث مجددًا صورة الوطن السرمدي الذي ما زال حيًّا ونابضًا في أفئدة الملايين من لاجئي فلسطين في كل مكان، وفي أفئدة أجياله المتعاقبة التي برهنت من قلب المآسي والمحن على تمسكها بفلسطين وطنًا أبديًّا للشعب الفلسطيني، مع هول الفواجع والمصائب التي ما زالت تنهال على فلسطينيي الشتات، وفي القلب منهم فلسطينيو سوريا ومخيم اليرموك على وجه الخصوص، مخيم الشهداء، مخيم آلاف الجرحى والمعطوبين، مخيم الكرامة والوطنية الفلسطينية.

تحل الذكرى الأليمة لنكبة فلسطين والشعب الفلسطيني داخل فلسطين وعموم مناطق الشتات يعيش الذكرى بجراحه المكلومة، يعتصر فيها مدى الشوق إلى أرض الوطن، والهوية، والتوق إلى الحرية، مواصلًا نضاله وكفاحه المشروع، سائرًا على درب العودة، وعاملًا على إعادة شحذ الهمم من جديد لمواصلة طريق العمل المضني؛ من أجل إبقاء جذوة القضية الوطنية للشعب الفلسطيني حية باقية، مع سيل الضغوط والمشاريع الخارجية الرامية إلى فرض حلول تصفوية لقضية فلسطين، وفي المقدمة طمس حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وإهالة التراب عليه لدفنه إلى الأبد، وتكريس الحلول الاستئصالية له بتوطين اللاجئين الفلسطينيين حيث هم، وتهجير أعداد كبيرة منهم إلى جهات المعمورة الأربع.

جرى ذلك خلال السنوات الأخيرة حيال آلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين رحلوا من أرض العراق إلى منافي البرازيل وتشيلي والهند، وجرى حيال فلسطينيي سوريا تحت وطأة جسامة الأحداث الجارية والأخطار المحيقة بحياتهم في سوريا، فضلًا عن تقطع السبل بهم، خصوصًا بعد النزوح الكثيف لفلسطينيي بعض المخيمات والتجمعات، ومنها مخيم اليرموك، إذ غادر بعضهم نحو أصقاع المعمورة وقد ابتلعت مياه وأسماك البحر الأبيض المتوسط أعدادًا منهم، بعد أن ضاقت بهم أرض العرب على اتساعها، ومع هذا ما زال "صمود البقاء" الاستثنائي قائمًا وراسخًا للأعداد الكبيرة منهم حتى الآن بسوريا في ظل الأزمة.

إن فلسطينيي سوريا فوق الرحيل القسري لأعداد منهم يعانون الأمرين، فالحرب _أي حرب_ تنتج كوارث إنسانية تدفع الناس المنكوبين إلى الهروب من الموت والرحيل إلى المجهول، وبالأمس نزح ملايين من الشعب العراقي خارج بلادهم جراء الغزو الأميركي.

وفي عام 2006م نزح مئات الآلاف من اللبنانيين جراء عدوان الكيان العبري عليهم، وفي كل الحروب هناك لاجئون ومهجرون وضحايا وكوارث إنسانية، الفارق بينهم وبين الفلسطينيين أن الشعب الفلسطيني طرد من أرضه طردًا واقتلاعًا وترحيلًا قسريًّا، أما الآخرون فلم يفقدوا أوطانهم؛ فرحلتهم إلى التيه ستبقى قصيرة، أما رحلة التيه الفلسطينية فمستمرة نكبة تلو نكبة، وهنا يكمن عمق المأساة.

حق غير قابل للتصرف

يمر أيار (مايو) شهر النكبة الفلسطينية الكبرى في وقت بات فيه واضحًا للعالم بأسره أن حلول التسوية الهزيلة والمذلة التي حاول _ويحاول_ دعاتها وأنصارها تمريرها في المنطقة سقطت تحت وطأة تعاظم فعل الكفاح الفلسطيني، مع الاختلال الهائل في ميزان القوى العسكرية، فقد شكل فعل المقاومة المستمرة على أرض قطاع غزة وعموم الداخل الفلسطيني الجدار السميك، الذي ارتطمت به مشاريع التسوية "الإسرائيلية" الأميركية منذ افتتاح مؤتمر مدريد في تشرين الأول (أكتوبر) 1991 إلى الآن.

وفي هذا المسار استعادت قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق عودتهم إلى أرض آبائهم وأجدادهم في فلسطين التي طردوا منها إبان النكبة زخمًا قويًّا، وإجماعًا متعاظمًا في صفوف الفلسطينيين وأنصارهم في العالم بأسره؛ نظرًا إلى ما تمثله هذه القضية من عنوان جوهري للصراع العربي الصهيوني.

فقد باتت الحقائق تفقأ أعين اللاهثين وراء التسوية، وهي حقائق تكرسها كل يوم وقائع الصمود في الداخل الفلسطيني، ونهوض اللاجئين في مخيمات قطاع غزة والضفة الغربية وداخل مناطق فلسطين المحتلة عام 1948م والشتات، في وقفة تأكيد التمسك بحق العودة حقًّا غير قابل للتصرف، لا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو منظمة أو سلطة أو جمعية أو دولة التنازل عنه، فحق العودة ليس البحث عن مأوى وطعام ومدرسة ومستشفى، هو حق سياسي بالدرجة الأولى يتمثل في العودة إلى الأرض الفلسطينية وامتلاك الهوية الفلسطينية، وهو لا يمثل موضوعًا اقتصاديًّا للشعب الفلسطيني، حسبما يحلو لبعض تصويره.

وبذا فقد باتت قضية العودة العنوان الأساسي للصراع بين المشروع الوطني الفلسطيني، والمشروع الصهيوني الذي ساق الأكذوبة الكبرى (فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، وعليه يرى الصهاينة حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ممتلكاتهم وديارهم التي شردوا منها نسفًا للأساس الذي أقيم عليه الكيان الصهيوني.

قوة في مواجهة أخرى

ومع ذلك يظهر في جانب آخر من الصورة قلق اللاجئين الفلسطينيين في الظروف السياسية الراهنة، ويتعمق أكثر فأكثر على مستقبلهم وحقهم في العودة؛ نتيجة ما يلمسونه من عملية مساومة تُجرى عبر قنوات الدبلوماسية السرية، وعبر الأفكار التي تطرح بين الحين والآخر، وعبر ما يجري بحقهم في مخيمات وتجمعات الشتات.

ففي لبنان يكابد فلسطينيو لبنان المصاعب الجمة والقوانين العنصرية الجائرة التي تمس حياة اللاجئ الفلسطيني وتضعه في دائرة الحرمان؛ لدفعه إلى الخروج نحو أصقاع المعمورة ونسيان حق العودة، وفي سوريا ما زالت النيران مستعرة واللاجئون الفلسطينيون في دائرة الاستهداف.

ومع هذا إن الصراع طويل، ولا يمكن إغلاق ملفه وإنهاؤه بتسويات ظالمة مسقوفة تحت معادلة "حق القوة" بديلًا عن "قوة الحق"؛ فقد اندثرت شعوب كثيرة في الماضي القريب تحت كابوس "حق القوة"، كما حدث مع ملايين الهنود الحمر من السكان الأصليين في الأميركيتين ببارود الغزاة الاستعماريين الأوروبيين، وكما جرى أيضًا في أستراليا ونيوزيلندا قبل خمسة قرون.

نجحت خطوات استعمارية إجلائية تهويدية في فلسطين، لكن مع ذلك لم تتمكن من إغلاق ملف شعب فلسطين وإنهائه، وشطب هويته الوطنية بعد 67 عامًا من نكبة فلسطين، مع الاختلال الكبير في توازن القوى بالشرق الأوسط.

حق لا يسقط

إن حق اللاجئين في العودة لا يسقط بالتقادم، ولا يلغيه تجبر ظالم، فهو عنوان أساسي في الصراع الجاري، وحق أخلاقي إنساني وطني، فضلًا عن كونه حقًّا محفوظًا في إطار قرارات الشرعية الدولية، ويمس مسًّا مباشرًا العنصر الأهم من عناصر القضية الفلسطينية وعناوين الصراع العربي والفلسطيني- الصهيوني.

وعلى هذا الأساس إن خطوات فلسطينية ملموسة أصبحت الآن ضرورية أكثر من أي وقت مضى لإبقاء قضية اللاجئين وحقهم في العودة قائمة، وأولى هذه الخطوات تتمثل بإعادة الاعتبار لوحدة الأرض، ولوحدة الشعب الفلسطيني بمجموعه، أينما كان، بعد سنوات من التفكك والانقسام وضياع المرجعية الواحدة الموحدة له داخل فلسطين وفي الشتات.

وهذا الأمر يستدعي أيضًا إعادة الاعتبار للوحدة الوطنية الفلسطينية، وإعادة الاعتبار لقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة؛ كونها قضية سياسية بالدرجة الأولى انطلاقًا من مشروعية هذا الحق.

ويقتضي أيضًا تأكيد أن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم هو حق غير قابل للتفاوض أو التصرف؛ لأنه حق شخصي في الأساس لا تجوز فيه الإنابة أو التمثيل أو التنازل عنه لأي سبب من الأسباب، وهو في الوقت نفسه حق جماعي للشعب الفلسطيني يرتبط بحق تقرير المصير، وهو بهذا المعنى غير قابل للتفاوض أو الاستفتاء، ولا يملك أي مفاوض فلسطيني أو عربي الحق في التنازل أو التخلي عنه.

المصدر: فلسطين أونلاين

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/1763

علي بدوان 

على جدران مخيم اليرموك الواقفة وعلى حيطانه المدمرة كتب _ويكتب_ اللاجئون الفلسطينيون في سوريا وعموم المنافي والشتات أحلامهم الوطنية المشروعة، مع إطلالة أيار (مايو) 2015م إذ تحل ذكرى نكبة فلسطين، ففلسطينيو اليرموك من قلب محنتهم ما زالوا السباقين لإحياء ذكرى النكبة شحذًا للهمم، وتأكيدًا للتمسك بحق العودة إلى أرض الآباء والأجداد في فلسطين.

فلسطينيو سوريا واليرموك كتبوا _ويكتبون الآن_ بخربشات أقلام أطفالهم وفتيانهم أهدافهم الوطنية العادلة، رسموا _ويرسمون_ بالصور الجدارية صورة حيفا ويافا واللد وعكا وبيسان والرملة وصفد وطبريا والناصرة وأم الفحم (...)، في شريط "مونولوجي" يلخص حقيبة المعنى والتاريخ في سيرة وقصة النكبة.

إنه تاريخ تحت الركام، ومن بين أزقة وحارات المخيم التي ما زالت قائمة وصامدة، لكنه تاريخ يخرج نبته الأخضر اليانع من بين الحجارة والردم والحارات لشعب ما زال يمسك بناصية حقوقه الوطنية في مواجهة مساعي "التمويت" التي يريدها من يعمل على إجهاض حق العودة، وتدمير الرواية الوطنية، رواية النكبة، من ألفها إلى يائها.

حق العودة

في مخيم اليرموك تنبعث مجددًا صورة الوطن السرمدي الذي ما زال حيًّا ونابضًا في أفئدة الملايين من لاجئي فلسطين في كل مكان، وفي أفئدة أجياله المتعاقبة التي برهنت من قلب المآسي والمحن على تمسكها بفلسطين وطنًا أبديًّا للشعب الفلسطيني، مع هول الفواجع والمصائب التي ما زالت تنهال على فلسطينيي الشتات، وفي القلب منهم فلسطينيو سوريا ومخيم اليرموك على وجه الخصوص، مخيم الشهداء، مخيم آلاف الجرحى والمعطوبين، مخيم الكرامة والوطنية الفلسطينية.

تحل الذكرى الأليمة لنكبة فلسطين والشعب الفلسطيني داخل فلسطين وعموم مناطق الشتات يعيش الذكرى بجراحه المكلومة، يعتصر فيها مدى الشوق إلى أرض الوطن، والهوية، والتوق إلى الحرية، مواصلًا نضاله وكفاحه المشروع، سائرًا على درب العودة، وعاملًا على إعادة شحذ الهمم من جديد لمواصلة طريق العمل المضني؛ من أجل إبقاء جذوة القضية الوطنية للشعب الفلسطيني حية باقية، مع سيل الضغوط والمشاريع الخارجية الرامية إلى فرض حلول تصفوية لقضية فلسطين، وفي المقدمة طمس حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وإهالة التراب عليه لدفنه إلى الأبد، وتكريس الحلول الاستئصالية له بتوطين اللاجئين الفلسطينيين حيث هم، وتهجير أعداد كبيرة منهم إلى جهات المعمورة الأربع.

جرى ذلك خلال السنوات الأخيرة حيال آلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين رحلوا من أرض العراق إلى منافي البرازيل وتشيلي والهند، وجرى حيال فلسطينيي سوريا تحت وطأة جسامة الأحداث الجارية والأخطار المحيقة بحياتهم في سوريا، فضلًا عن تقطع السبل بهم، خصوصًا بعد النزوح الكثيف لفلسطينيي بعض المخيمات والتجمعات، ومنها مخيم اليرموك، إذ غادر بعضهم نحو أصقاع المعمورة وقد ابتلعت مياه وأسماك البحر الأبيض المتوسط أعدادًا منهم، بعد أن ضاقت بهم أرض العرب على اتساعها، ومع هذا ما زال "صمود البقاء" الاستثنائي قائمًا وراسخًا للأعداد الكبيرة منهم حتى الآن بسوريا في ظل الأزمة.

إن فلسطينيي سوريا فوق الرحيل القسري لأعداد منهم يعانون الأمرين، فالحرب _أي حرب_ تنتج كوارث إنسانية تدفع الناس المنكوبين إلى الهروب من الموت والرحيل إلى المجهول، وبالأمس نزح ملايين من الشعب العراقي خارج بلادهم جراء الغزو الأميركي.

وفي عام 2006م نزح مئات الآلاف من اللبنانيين جراء عدوان الكيان العبري عليهم، وفي كل الحروب هناك لاجئون ومهجرون وضحايا وكوارث إنسانية، الفارق بينهم وبين الفلسطينيين أن الشعب الفلسطيني طرد من أرضه طردًا واقتلاعًا وترحيلًا قسريًّا، أما الآخرون فلم يفقدوا أوطانهم؛ فرحلتهم إلى التيه ستبقى قصيرة، أما رحلة التيه الفلسطينية فمستمرة نكبة تلو نكبة، وهنا يكمن عمق المأساة.

حق غير قابل للتصرف

يمر أيار (مايو) شهر النكبة الفلسطينية الكبرى في وقت بات فيه واضحًا للعالم بأسره أن حلول التسوية الهزيلة والمذلة التي حاول _ويحاول_ دعاتها وأنصارها تمريرها في المنطقة سقطت تحت وطأة تعاظم فعل الكفاح الفلسطيني، مع الاختلال الهائل في ميزان القوى العسكرية، فقد شكل فعل المقاومة المستمرة على أرض قطاع غزة وعموم الداخل الفلسطيني الجدار السميك، الذي ارتطمت به مشاريع التسوية "الإسرائيلية" الأميركية منذ افتتاح مؤتمر مدريد في تشرين الأول (أكتوبر) 1991 إلى الآن.

وفي هذا المسار استعادت قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق عودتهم إلى أرض آبائهم وأجدادهم في فلسطين التي طردوا منها إبان النكبة زخمًا قويًّا، وإجماعًا متعاظمًا في صفوف الفلسطينيين وأنصارهم في العالم بأسره؛ نظرًا إلى ما تمثله هذه القضية من عنوان جوهري للصراع العربي الصهيوني.

فقد باتت الحقائق تفقأ أعين اللاهثين وراء التسوية، وهي حقائق تكرسها كل يوم وقائع الصمود في الداخل الفلسطيني، ونهوض اللاجئين في مخيمات قطاع غزة والضفة الغربية وداخل مناطق فلسطين المحتلة عام 1948م والشتات، في وقفة تأكيد التمسك بحق العودة حقًّا غير قابل للتصرف، لا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو منظمة أو سلطة أو جمعية أو دولة التنازل عنه، فحق العودة ليس البحث عن مأوى وطعام ومدرسة ومستشفى، هو حق سياسي بالدرجة الأولى يتمثل في العودة إلى الأرض الفلسطينية وامتلاك الهوية الفلسطينية، وهو لا يمثل موضوعًا اقتصاديًّا للشعب الفلسطيني، حسبما يحلو لبعض تصويره.

وبذا فقد باتت قضية العودة العنوان الأساسي للصراع بين المشروع الوطني الفلسطيني، والمشروع الصهيوني الذي ساق الأكذوبة الكبرى (فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، وعليه يرى الصهاينة حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ممتلكاتهم وديارهم التي شردوا منها نسفًا للأساس الذي أقيم عليه الكيان الصهيوني.

قوة في مواجهة أخرى

ومع ذلك يظهر في جانب آخر من الصورة قلق اللاجئين الفلسطينيين في الظروف السياسية الراهنة، ويتعمق أكثر فأكثر على مستقبلهم وحقهم في العودة؛ نتيجة ما يلمسونه من عملية مساومة تُجرى عبر قنوات الدبلوماسية السرية، وعبر الأفكار التي تطرح بين الحين والآخر، وعبر ما يجري بحقهم في مخيمات وتجمعات الشتات.

ففي لبنان يكابد فلسطينيو لبنان المصاعب الجمة والقوانين العنصرية الجائرة التي تمس حياة اللاجئ الفلسطيني وتضعه في دائرة الحرمان؛ لدفعه إلى الخروج نحو أصقاع المعمورة ونسيان حق العودة، وفي سوريا ما زالت النيران مستعرة واللاجئون الفلسطينيون في دائرة الاستهداف.

ومع هذا إن الصراع طويل، ولا يمكن إغلاق ملفه وإنهاؤه بتسويات ظالمة مسقوفة تحت معادلة "حق القوة" بديلًا عن "قوة الحق"؛ فقد اندثرت شعوب كثيرة في الماضي القريب تحت كابوس "حق القوة"، كما حدث مع ملايين الهنود الحمر من السكان الأصليين في الأميركيتين ببارود الغزاة الاستعماريين الأوروبيين، وكما جرى أيضًا في أستراليا ونيوزيلندا قبل خمسة قرون.

نجحت خطوات استعمارية إجلائية تهويدية في فلسطين، لكن مع ذلك لم تتمكن من إغلاق ملف شعب فلسطين وإنهائه، وشطب هويته الوطنية بعد 67 عامًا من نكبة فلسطين، مع الاختلال الكبير في توازن القوى بالشرق الأوسط.

حق لا يسقط

إن حق اللاجئين في العودة لا يسقط بالتقادم، ولا يلغيه تجبر ظالم، فهو عنوان أساسي في الصراع الجاري، وحق أخلاقي إنساني وطني، فضلًا عن كونه حقًّا محفوظًا في إطار قرارات الشرعية الدولية، ويمس مسًّا مباشرًا العنصر الأهم من عناصر القضية الفلسطينية وعناوين الصراع العربي والفلسطيني- الصهيوني.

وعلى هذا الأساس إن خطوات فلسطينية ملموسة أصبحت الآن ضرورية أكثر من أي وقت مضى لإبقاء قضية اللاجئين وحقهم في العودة قائمة، وأولى هذه الخطوات تتمثل بإعادة الاعتبار لوحدة الأرض، ولوحدة الشعب الفلسطيني بمجموعه، أينما كان، بعد سنوات من التفكك والانقسام وضياع المرجعية الواحدة الموحدة له داخل فلسطين وفي الشتات.

وهذا الأمر يستدعي أيضًا إعادة الاعتبار للوحدة الوطنية الفلسطينية، وإعادة الاعتبار لقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة؛ كونها قضية سياسية بالدرجة الأولى انطلاقًا من مشروعية هذا الحق.

ويقتضي أيضًا تأكيد أن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم هو حق غير قابل للتفاوض أو التصرف؛ لأنه حق شخصي في الأساس لا تجوز فيه الإنابة أو التمثيل أو التنازل عنه لأي سبب من الأسباب، وهو في الوقت نفسه حق جماعي للشعب الفلسطيني يرتبط بحق تقرير المصير، وهو بهذا المعنى غير قابل للتفاوض أو الاستفتاء، ولا يملك أي مفاوض فلسطيني أو عربي الحق في التنازل أو التخلي عنه.

المصدر: فلسطين أونلاين

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/1763