map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

3912

خليل الوزير لا يرغب بمغادرة اليرموك!

تاريخ النشر : 24-10-2016
خليل الوزير لا يرغب بمغادرة اليرموك!

أشرف السهلي

في الليالي التي تسبق صباح كل عيد داخل مخيم اليرموك بدمشق، كنا كنشطاء فلسطينيين مفعمين بروح القضية وذاكرتها الحية على اختلاف مشاربنا الحزبية، نهمّ لتجهيز الأعلام الفلسطينية ذات المقاسات الصغيرة وتعليقها على قبور الشهداء في المقبرتين القديمة والجديدة.

إنها أعظم الليالي في اليرموك حيث لا مجال للنوم أو التداعي للتعب قبيل جرعة الوطنية التي ستؤخذ من رائحة تراب خليل الوزير،سعد صايل، صبري صيدم وفتحي الشقاقي.. بعد صلاة العيد "الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.."، يبدأ بعدها قرع الطبول وصوت الكورال الكشفي "فدائي يا أرضي يا أرض الجدود" متوجها وخلفه المئات إلى البوابة حيث يفوح في الجنبات عطر التربة المسقيّة، وتلمع من بعيد الأعلام والعتبات، قبل الشروع بطقوس التجوال وقراءة الفاتحة وبعدها أسماء الشهداء وتواريخ استشهادهم.

لمقبرة القديمة على وجه التحديد تمثل شيئا من هوية اليرموكيين، ولو أمكنهم زرع ترابها في قلوبهم وإشباع لحظات جوعهم في الحصار من ذاك التراب، أو تجميل شيء من رحلات هجرتهم براً وبحراً نحو المنافي الجديدة باستذكار تفاصيلها فلن يتوانوا للحظة واحدة. ولعلّ شهداء اليرموك الجدد خلال الحرب السورية خاصة الوجوه الناشطة أمثال: أحمد الكوسى، منير الخطيب، خالد بكراوي بسام حميدي وغيرهم كثر، كانوا أكثر المتعصبين لرفات القادة الشهداء فأكرم القدر معظمهم بالدفن في جوارها.

من سخرية القدر حتماً، أن حشداً من أبناء التنظيمات الفلسطينية مشغولون اليوم خارج أسوار مخيمات اليرموك وخان الشيح ودرعا، عن أهلها الأحياء الأموات المنكوبين، ليعلن الحشد غيرته على بقايا رموزه التي نسيها منذ عقود في المقبرة عندما كان المحاصرون الجدد يسقونها وفاءً ويحصدون منها إخلاصاً.

يا إلهي.. كيف للعقل أن يحتمل اجتماعاً أخوياً على قتل الشهيد تحت الأرض مرتين، والأحياء فوقها مئات المرات بجرعات متناوبة؟! كيف له أن يصدق أن خطاب ثلة من مثقفين فلسطينيين بعضهم ذوو شهداء قدامى يحق لهم القفز عن قدسية الأطفال المحاصرين وجلود شهداء الجوع وعظام شهداء السجون؛ ممن عشقوا الوزير وصايل وحرسوا رفاتهم بمقل العيون طيلة عقود مضت.

بل كان كثيرون من أبناء النكبة الجديدة جنوداً على ثغور الثورة في قرنها العشرين، لكنهم لم ينالوا شرف الشهادة فاضطروا للموت قهراً لأنهم لم يحظوا بحضن دافئ. "خيا البراميل المتفجرة (TNT) دمرت قبر أبو جهاد.. داعش جرفت القبور.. لالا كسرت الشاهدات بالأرض " تلك حوارات جدلية يدركها عشاق المقبرة حدثت جميعها عندما استشهد القادة مرة ثانية بسلاح "الأخوة الأعداء".

وأما الميتة الثالثة فأتت عندما أراد "الأخوة الأخوة" توفير حياة آمنة لبقايا المدفونين في قبور اليرموك بنقلهم خارجه، مقابل ترك المحاصرين يموتون في غابة الحرب، حيث لا بأس عليهم بمزيد من الذل طالما أنهم ليسوا قادة وطالما يحق لهم الموت دائما!

من السيء معرفة أن السلطة الفلسطينية في رام الله طالبت الجانب الإسرائيلي بالسماح لها لنقل رفات الشهيدين "أبو جهاد" و"أبو الوليد" إلى مقبرة في الضفة فذاك يمثل امتهانا من كرامة المحاصرين وتجريدا لمكانتهم النضالية العريقة، وغضّ طرف عن جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكب بهم حاليا.. لكن الأسوأ هو رفض الاحتلال الطلب؛ فقد نجم عنه امتهان الكرامات الفلسطينية كافة بأن كان الطلب مغلوطا وجاء رفضه من العدو المباشر، وكلّ هذا بسبب تفرّد القيادة الحالية بالقرار واستهتارها بثلثي شعبها الذين اعتبرهم أحد القادة الجدد "حثالة".

ربما من الفتنة الحمقاء أن تختلط مفاهيم الوطنية، شتّان بين رفات قائد عتيق وخطابات قائد مستجدّ، بهذه الحالة يصير نقل رفات الشهيد خيانةً، سيما وأن الدعوات وجميع القصص المحيطة بها أتت في فترات قياسية جعلتها مشبوهة، يضاف إلى ذلك أن تكاليف إعداد تلك الفبركات تفوق بأضعاف مضاعفة أي مصاريف يمكن أن تبذل لإنقاذ حياة المحاصرين وتوفير عيش كريم لهم ينوب عن الموت واستحضار عذاب القبور.

ياترى هل يعلم المطالبون بنقل رفات الشهداء من اليرموك أن أهله قدّموا ألفاً وخمسمائة ضحية في خمس سنوات، مئتان منهم جاعوا حتى الموت؟ وهل يعلمون أن مخيما آخر اسمه خان الشيح يبعد ستين كيلومترا عن فلسطين تتم إزالته عن الوجود بمن فيه من سكّان؟!

عساهم يدركون أن مخيما في درعا السورية لم تصمد منه سوى الأطلال وبعض العائلات بفعل عوامل الحتّ والتعرية البشرية! وتراهم يعرفون أن عدد المساجين الفلسطينيين تحت الأرض السورية أكبر من عددهم في جلبوع وعوفر ونفحة، وأن المخيمات صارت سجوناً فوق الأرض ضاقت ذرعا بأبنائها. ولا يدرك الحشد التنظيمي ربما أنه شريك في تصفية أربعة آلاف حنظلة، لكنه حتما يرغب برؤية صورة مقلوبة لا تعكس جثامين أخوته على المرآة.

تقول دعابات اللاجئين في هذا الخصوص، إن شعرة واحدة فقط باتت تميز فلسطينتهم عن محيطها وهي قبور شهداء الثورة الفلسطينية.ويصرخون في وجه الجميع: "الأموات ما سلمو منكن.. اتركوهن بحالهن الله يفك أسرنا وأسرهن". طالما كان مخيم اللاجئين عشيقهم الخائن فلم يحفظ لهم حلا أو ترحالا، وأجبرهم على السير الدائم، لكنّ ترابه وطن حنون جدا لا يرغب خليل الوزير ورفاقه الشهداء مغادرته إطلاقا.

المصدر: مدونة الجزيرة 

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/6010

أشرف السهلي

في الليالي التي تسبق صباح كل عيد داخل مخيم اليرموك بدمشق، كنا كنشطاء فلسطينيين مفعمين بروح القضية وذاكرتها الحية على اختلاف مشاربنا الحزبية، نهمّ لتجهيز الأعلام الفلسطينية ذات المقاسات الصغيرة وتعليقها على قبور الشهداء في المقبرتين القديمة والجديدة.

إنها أعظم الليالي في اليرموك حيث لا مجال للنوم أو التداعي للتعب قبيل جرعة الوطنية التي ستؤخذ من رائحة تراب خليل الوزير،سعد صايل، صبري صيدم وفتحي الشقاقي.. بعد صلاة العيد "الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.."، يبدأ بعدها قرع الطبول وصوت الكورال الكشفي "فدائي يا أرضي يا أرض الجدود" متوجها وخلفه المئات إلى البوابة حيث يفوح في الجنبات عطر التربة المسقيّة، وتلمع من بعيد الأعلام والعتبات، قبل الشروع بطقوس التجوال وقراءة الفاتحة وبعدها أسماء الشهداء وتواريخ استشهادهم.

لمقبرة القديمة على وجه التحديد تمثل شيئا من هوية اليرموكيين، ولو أمكنهم زرع ترابها في قلوبهم وإشباع لحظات جوعهم في الحصار من ذاك التراب، أو تجميل شيء من رحلات هجرتهم براً وبحراً نحو المنافي الجديدة باستذكار تفاصيلها فلن يتوانوا للحظة واحدة. ولعلّ شهداء اليرموك الجدد خلال الحرب السورية خاصة الوجوه الناشطة أمثال: أحمد الكوسى، منير الخطيب، خالد بكراوي بسام حميدي وغيرهم كثر، كانوا أكثر المتعصبين لرفات القادة الشهداء فأكرم القدر معظمهم بالدفن في جوارها.

من سخرية القدر حتماً، أن حشداً من أبناء التنظيمات الفلسطينية مشغولون اليوم خارج أسوار مخيمات اليرموك وخان الشيح ودرعا، عن أهلها الأحياء الأموات المنكوبين، ليعلن الحشد غيرته على بقايا رموزه التي نسيها منذ عقود في المقبرة عندما كان المحاصرون الجدد يسقونها وفاءً ويحصدون منها إخلاصاً.

يا إلهي.. كيف للعقل أن يحتمل اجتماعاً أخوياً على قتل الشهيد تحت الأرض مرتين، والأحياء فوقها مئات المرات بجرعات متناوبة؟! كيف له أن يصدق أن خطاب ثلة من مثقفين فلسطينيين بعضهم ذوو شهداء قدامى يحق لهم القفز عن قدسية الأطفال المحاصرين وجلود شهداء الجوع وعظام شهداء السجون؛ ممن عشقوا الوزير وصايل وحرسوا رفاتهم بمقل العيون طيلة عقود مضت.

بل كان كثيرون من أبناء النكبة الجديدة جنوداً على ثغور الثورة في قرنها العشرين، لكنهم لم ينالوا شرف الشهادة فاضطروا للموت قهراً لأنهم لم يحظوا بحضن دافئ. "خيا البراميل المتفجرة (TNT) دمرت قبر أبو جهاد.. داعش جرفت القبور.. لالا كسرت الشاهدات بالأرض " تلك حوارات جدلية يدركها عشاق المقبرة حدثت جميعها عندما استشهد القادة مرة ثانية بسلاح "الأخوة الأعداء".

وأما الميتة الثالثة فأتت عندما أراد "الأخوة الأخوة" توفير حياة آمنة لبقايا المدفونين في قبور اليرموك بنقلهم خارجه، مقابل ترك المحاصرين يموتون في غابة الحرب، حيث لا بأس عليهم بمزيد من الذل طالما أنهم ليسوا قادة وطالما يحق لهم الموت دائما!

من السيء معرفة أن السلطة الفلسطينية في رام الله طالبت الجانب الإسرائيلي بالسماح لها لنقل رفات الشهيدين "أبو جهاد" و"أبو الوليد" إلى مقبرة في الضفة فذاك يمثل امتهانا من كرامة المحاصرين وتجريدا لمكانتهم النضالية العريقة، وغضّ طرف عن جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكب بهم حاليا.. لكن الأسوأ هو رفض الاحتلال الطلب؛ فقد نجم عنه امتهان الكرامات الفلسطينية كافة بأن كان الطلب مغلوطا وجاء رفضه من العدو المباشر، وكلّ هذا بسبب تفرّد القيادة الحالية بالقرار واستهتارها بثلثي شعبها الذين اعتبرهم أحد القادة الجدد "حثالة".

ربما من الفتنة الحمقاء أن تختلط مفاهيم الوطنية، شتّان بين رفات قائد عتيق وخطابات قائد مستجدّ، بهذه الحالة يصير نقل رفات الشهيد خيانةً، سيما وأن الدعوات وجميع القصص المحيطة بها أتت في فترات قياسية جعلتها مشبوهة، يضاف إلى ذلك أن تكاليف إعداد تلك الفبركات تفوق بأضعاف مضاعفة أي مصاريف يمكن أن تبذل لإنقاذ حياة المحاصرين وتوفير عيش كريم لهم ينوب عن الموت واستحضار عذاب القبور.

ياترى هل يعلم المطالبون بنقل رفات الشهداء من اليرموك أن أهله قدّموا ألفاً وخمسمائة ضحية في خمس سنوات، مئتان منهم جاعوا حتى الموت؟ وهل يعلمون أن مخيما آخر اسمه خان الشيح يبعد ستين كيلومترا عن فلسطين تتم إزالته عن الوجود بمن فيه من سكّان؟!

عساهم يدركون أن مخيما في درعا السورية لم تصمد منه سوى الأطلال وبعض العائلات بفعل عوامل الحتّ والتعرية البشرية! وتراهم يعرفون أن عدد المساجين الفلسطينيين تحت الأرض السورية أكبر من عددهم في جلبوع وعوفر ونفحة، وأن المخيمات صارت سجوناً فوق الأرض ضاقت ذرعا بأبنائها. ولا يدرك الحشد التنظيمي ربما أنه شريك في تصفية أربعة آلاف حنظلة، لكنه حتما يرغب برؤية صورة مقلوبة لا تعكس جثامين أخوته على المرآة.

تقول دعابات اللاجئين في هذا الخصوص، إن شعرة واحدة فقط باتت تميز فلسطينتهم عن محيطها وهي قبور شهداء الثورة الفلسطينية.ويصرخون في وجه الجميع: "الأموات ما سلمو منكن.. اتركوهن بحالهن الله يفك أسرنا وأسرهن". طالما كان مخيم اللاجئين عشيقهم الخائن فلم يحفظ لهم حلا أو ترحالا، وأجبرهم على السير الدائم، لكنّ ترابه وطن حنون جدا لا يرغب خليل الوزير ورفاقه الشهداء مغادرته إطلاقا.

المصدر: مدونة الجزيرة 

الوسوم

مخيم اليرموك , مقالات , أشرف السهلي ,

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/6010