map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

3988

مقصلةُ الجُوع.. هكذا أعدموا

تاريخ النشر : 28-12-2016
مقصلةُ الجُوع.. هكذا أعدموا

ماهر حجازي

أستميحكم عذرا بأن أسرق بعضا من وقتكم لنحلق في تفكيركم بعيدا عن الواقع إلى حالة من السوداوية، تخيلوا (بعيد الشر عن قلبكم) أنكم تقفون على مقصلة الإعدام وماهي إلا ثوانٍ وتكون الروح قد فاضت إلى بارئها ربما الألم لحظي وسرعان ما يتلاشى.

أو أنك رهين لدى "تنظيم الدولة داعش" مثلا، ويستعد "جنود الخلافة" لإعدامك حرقا أو إغراقا أو حتى بقطع رأسك أو بأي شكل من طقوس الموت الداعشية، وفي كلا الحالات دقائق وتفارق الحياة وتنسى الألم، عذاب لا يستمر إلا للحظات وتنتهي القصة.

أشكال متعددة تقود نحو الموت، لكن الأصعب من ذلك أن تمر عليك لحظات ومحن تموت فيها في كل دقيقة لكن تبقى الروح في الجسد تمسك به لا تفلته بسهولة حتى أخر رمق بعد فترة طويلة من الزمن، يموت فيها الإنسان بشكل بطيء وإعدام أشد وقعا من الحرق وقطع الرؤوس وغيرها من صنوف العذاب السريع.

نعم الموت البطيء المتدرج الذي يفتك بالإنسان شيئا فشيئا، ولا يدرك ذلك إلا شخص ذاق لوعة الاكتواء بنيران هذا السلاح في معركة التجويع الممنهج الذي أصبح سياسة في قهر الشعوب وإذلالها.

نحدثكم في هذه المدونة عن تجربتي الشخصية في حصار مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوبي دمشق منذ عام 2013 وخلال سنتين من المأساة التي لم تمر على الشعب الفلسطيني منذ نكبة 48.

في جعبتي الكثير من المشاهد والذكريات عن هذا الحصار الظالم، سأحدثكم هنا عن بعض أشجانها وصنوف من العذاب اليومي الذي عاشه سكان المخيم المنكوب، أيام متشابهة تشارك الأهالي في عنوانها الرئيس واليومي بالسعي مع بزوغ الفجر للبحث عما يسد رمق العيش، كثير منهم لا يحصلون على شيء ليودعون الحياة قريبا.

القصف وانعدام الكهرباء وقلة المياه والبرد أشياء اعتيادية في حياة فلسطينيي اليرموك مقارنة بسلاح الجوع الأشد فتكا بالأجساد خاصة الرضع وكبار السن والمرضى الذين دفعوا الفاتورة الأكبر في هذه المجزرة.

فتوى شرعية بأكل لحوم القطط

اشتد الحصار أكثر وكشر عن أنيابه التي غرست في أجساد المعذبين وانعدم الغذاء كليا وبدأ قطار الموت العشرات من أبناء اليرموك يموتون جوعا، عندها لم يكن بوسع خطيب مسجد فلسطين الشاهد على هذه المذبحة إلا أن يفتي للجائعين بأكل لحوم القطط والكلاب، لكن الأهالي ليسوا بحاجة لهذه الفتوى لأن بعضهم فعلا ذبحوا القطط والكلاب وأكلوها ليبقوا أحياء، وتعدى ذلك إلى لحوم الحمير أيضا في حادثة فردية.

"سمر" قطتنا البيضاء التي عاشت معنا ويلات الحصار، حالها من حالنا، ضعف جسدها وخارت قوتها إلى درجة أنها شاركتنا وجبتنا اليتيمة في اليوم، وهي عبارة عن حشائش متنوعة غالية الثمن، لم أكن أتوقع أن تأكل القطط في يوم من الأيام الأعشاب، حتى أن أولادي كانوا يقتطعون من حصتهم ليطعموها، وفكرنا في أكثر من مرة أن نذبحها لكن بحسب المثل الشعبي (العشرة ما بتهون إلا على ابن الحرام)، بقيت سمر ويستمر الحصار ولا اعلم عنها شيئا.

أما الطيور البرية التي تعرف عندنا بطائر "الستيتية" هي الأخرى انقرضت من سماء المخيم وحافة الشرفات، كانت وجبة غنية للأهالي وغنيمة كبرى في هذا الزمن القاسي.

ربما الأصعب من ذلك جريمة حصار مخيم تل الزعتر الفلسطيني في لبنان 1976م، حينها طالب الأهالي بفتوى تجيز لهم أكل جثث الموتى، وربما المقارنة غير منصفة في هذا المقام بين لحوم البشر والحيوانات.

الصبار ورجل العصفورة

أوراق الصبار المر وعشبة رجل العصفورة، مصطلحات لا يعرفها إلا أهالي مخيم اليرموك كونها ارتبطت بيوميات الحصار، واللون الأخضر بات السمة الرئيسة في حياتهم، ترى صحونا على وجبة الطعام التي تكون في فترة المغرب وكأنك في شهر رمضان لكن دون سحور، هذه الأطباق من لون واحد لا تميز بين صحن وأخر.

أما أوراق الصبار التي يتم تقشيرها وتقطيعها ومن ثم طهيها بالزيت تعتبر ضربا من الرفاهية لتصل إلى مرتبة وجبة من البطاطا المقلية والفارق لا شك كبير، هذه الأوراق التي لا تستطيع الحيوانات أكلها بل تتعفف عن ذلك، لم يكن أمام أهالي مخيم اليرموك بدا من أكلها للبقاء أحياء، وعلى الرغم من ذلك فإن ثمنها ليس بالقليل ولا تستطيع غالبية العائلات شرائها، فالجميع عاطلون عن العمل إلا من رحم ربي.

"رجل العصفورة" هذه العشبة البعلية التي تخرج من شقوق الأرصفة وعلى حافة الأشجار، وتنظر لها الأبقار بازدراء وتعفف عن أكلها، أيضا لم يجد الجوعى مانعا من أكلها، فتجد الأمهات والأباء ينطلقون إلى البساتين والحدائق لقطفها وطهيها لوجبة المساء، هي أكلة الفقراء طعمها مر كالعلقم وأضرارها الصحية كبيرة حيث تسبب احتباس السوائل في الجسم لكنها لا تميت كما يفعل الجوع القاتل.

هل أحدثكم عن "أكل الماء"، نعم هي شوربة البهارات التي دخلت كل بيت في مخيم اليرموك، وجبة سريعة التحضير ماء وملح وبهارات فقط، حتى أن العديد من المؤسسات الإغاثية كانت تطعم الماء للأهالي من خلال توزيع شوربة البهارات على طوابير طويلة من الجوعى الذين لا يقون على تأمين هذا القوت.

"مسبحة الشيطان" هكذا يسمونه من كان رفيقا لنا في بدايات الحصار حتى نفاذه، إنه "البزر" بأنواعه المختلفة غدا الطعام اليومي يرافقنا في الحل والترحال، وترى الجميع وكأنهم في معركة مع هذا الشيطان على أنغام سنفونية أمعائهم الخاوية.

أم أحدثكم عن أليات تعويض النقص في مادة السكر، على ماذا اعتمد الأهالي، من خلال واقعة جرت أمامي شاهدت جاري " أبو خالد" يشعل النيران ويضع عليها إبريق شاي، الصدمة عندما شاهدت ما يذوبه في الماء الساخن بدلا من السكر إنها مادة سكرية تستخدم في إزالة الشعر عند السيدات، أترك لكم أن تتخيلوا ذلك!

أما "القطر الصناعي" فهذا سر الداء والدواء، صحيح أنه مادة حلوة تستخدم لتحضير الشاي، وربما تستمع بشيء من الحلاوة لكن بعد مدة قصيرة تبدأ رحلة الألام مع انتفاخ الكولون ومغص في الأمعاء يذهب سكرة كوب الشاب.

 حالفني الحظ يوما واشتريت كيلو أرز بـ 100 دولار، اليوم عرس عندنا في البيت منذ أشهر لم نذق طعمه، وما أن نبدأ تناول الطعام ونقسم الوجبة على خمسة أفراد مع مراعاة حقوق الأطفال، وما أن ننتهي تكون الصحون نظيفة ولا تحتاج للغسيل، فلا يمكن لحبة أرز أن تفلت هنا أو هناك.

"العدس" معشوق الجماهير، كان الفلاحون يطعمونه للأبقار لكن اليوم أصبح البشر أولى منهم به، هذا الحبيب الذي إن حل بأي بيت في المخيم تتسلل السعادة إلى أفئدة الصغار وينشدون في بيتنا عدس، لأنهم سينعمون بوجبة تسكت جدران أمعائهم عن التخبط والبكاء.

موت جماعي

شحوب الوجه وتشقق الجلد واسوداده علامة مسجلة لحصار مخيم اليرموك، " كأنهم أموات خرجوا من القبور" بهذا وصفت وكالة الأونروا أهالي المخيم خلال تقديم المساعدات الإغاثية لهم بعد أشهر طويلة من الموت جوعا.

عظام بارزة في كل بقعة من الجسد هو حال الموتى جوعا من الأهالي، في مشهد أبكى العالم وجعل من قصة المخيم المنكوب الخبر رقم واحد، لأول مرة يعرض الأموات وهم يغسلون على شاشات العالم، مناظر حركت الضمير تجاه هذه المأساة الإنسانية.

حالات كثيرة شهدها مخيم اليرموك، في يوم واحد خمس وفيات جراء الجوع ونقص الرعاية الطبية، أذكر أنني وقفت على وفاة 6 لاجئين فلسطينيين وسوريين بينهم طفلة رضيعة وامرأة وشاب قضى قنصا وهو يبحث عن لقمة العيش فأزهقت روحه رصاصة كانت أسرع إليه من سيف الجوع.

يشيع الأهالي الجوعى قتلاهم في موكب مهيب إلى مقبرة المخيم الثكلى والتي لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من الجثث، ليعودوا تارة أخرى ليجدوا أمواتا أخرين بانتظارهم وهكذا حتى وصل تعداد شهداء الجوع أكثر من 180.

ربما لأول مرة يجري الحديث عن عائلات بأكملها توفيت جراء الجوع، فهذه اللاجئة " نور الهواري" توفيت جوعا بتاريخ 11/1/2014 وبعد أسبوع توفي زوجها، اما ولدهم "محمد" فقد عثر على جثته بعد فترة من موته وكانت الجرذان بدأت بقضم جثته، عائلة لم يبقى لهم من ذاكر.

يعذبون ببطء حتى تفارق الروح الجسد، يلف الميت جوعا بكفن ابيض يكتب عليه اسمه وتاريخ وفاته ومن أي مخيم جاء، ليوارى الثرى وتبقى صورته شاهدة على جريمة مروعة.

رسالتي لكم

لا يعرف قيمة النعمة إلا من يفقدها، فحافظوا على نعم الله ولا تبذروا ولا تتذمروا من الطعام، اشكروا الله عزوجل، فكم من طفل مات ويموت جوعا وكان حلمه بـ "لفة فلافل" أو "دجاج مشوي"، أذكر أننا في ليالي الحصار وعلى ألام مخاض الجوع نتسامر فيما بيننا بأن تعود بنا الأيام إلى الماضي القريب لنجتمع حول مائدة بسيطة فقيرة نأكل حتى نشبع، لكن سرعان ما تقرع أجراس المعدة لتعيدنا إلى الواقع الأليم والتفكير بطعام الغد من أين نأتي به.

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/6454

ماهر حجازي

أستميحكم عذرا بأن أسرق بعضا من وقتكم لنحلق في تفكيركم بعيدا عن الواقع إلى حالة من السوداوية، تخيلوا (بعيد الشر عن قلبكم) أنكم تقفون على مقصلة الإعدام وماهي إلا ثوانٍ وتكون الروح قد فاضت إلى بارئها ربما الألم لحظي وسرعان ما يتلاشى.

أو أنك رهين لدى "تنظيم الدولة داعش" مثلا، ويستعد "جنود الخلافة" لإعدامك حرقا أو إغراقا أو حتى بقطع رأسك أو بأي شكل من طقوس الموت الداعشية، وفي كلا الحالات دقائق وتفارق الحياة وتنسى الألم، عذاب لا يستمر إلا للحظات وتنتهي القصة.

أشكال متعددة تقود نحو الموت، لكن الأصعب من ذلك أن تمر عليك لحظات ومحن تموت فيها في كل دقيقة لكن تبقى الروح في الجسد تمسك به لا تفلته بسهولة حتى أخر رمق بعد فترة طويلة من الزمن، يموت فيها الإنسان بشكل بطيء وإعدام أشد وقعا من الحرق وقطع الرؤوس وغيرها من صنوف العذاب السريع.

نعم الموت البطيء المتدرج الذي يفتك بالإنسان شيئا فشيئا، ولا يدرك ذلك إلا شخص ذاق لوعة الاكتواء بنيران هذا السلاح في معركة التجويع الممنهج الذي أصبح سياسة في قهر الشعوب وإذلالها.

نحدثكم في هذه المدونة عن تجربتي الشخصية في حصار مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوبي دمشق منذ عام 2013 وخلال سنتين من المأساة التي لم تمر على الشعب الفلسطيني منذ نكبة 48.

في جعبتي الكثير من المشاهد والذكريات عن هذا الحصار الظالم، سأحدثكم هنا عن بعض أشجانها وصنوف من العذاب اليومي الذي عاشه سكان المخيم المنكوب، أيام متشابهة تشارك الأهالي في عنوانها الرئيس واليومي بالسعي مع بزوغ الفجر للبحث عما يسد رمق العيش، كثير منهم لا يحصلون على شيء ليودعون الحياة قريبا.

القصف وانعدام الكهرباء وقلة المياه والبرد أشياء اعتيادية في حياة فلسطينيي اليرموك مقارنة بسلاح الجوع الأشد فتكا بالأجساد خاصة الرضع وكبار السن والمرضى الذين دفعوا الفاتورة الأكبر في هذه المجزرة.

فتوى شرعية بأكل لحوم القطط

اشتد الحصار أكثر وكشر عن أنيابه التي غرست في أجساد المعذبين وانعدم الغذاء كليا وبدأ قطار الموت العشرات من أبناء اليرموك يموتون جوعا، عندها لم يكن بوسع خطيب مسجد فلسطين الشاهد على هذه المذبحة إلا أن يفتي للجائعين بأكل لحوم القطط والكلاب، لكن الأهالي ليسوا بحاجة لهذه الفتوى لأن بعضهم فعلا ذبحوا القطط والكلاب وأكلوها ليبقوا أحياء، وتعدى ذلك إلى لحوم الحمير أيضا في حادثة فردية.

"سمر" قطتنا البيضاء التي عاشت معنا ويلات الحصار، حالها من حالنا، ضعف جسدها وخارت قوتها إلى درجة أنها شاركتنا وجبتنا اليتيمة في اليوم، وهي عبارة عن حشائش متنوعة غالية الثمن، لم أكن أتوقع أن تأكل القطط في يوم من الأيام الأعشاب، حتى أن أولادي كانوا يقتطعون من حصتهم ليطعموها، وفكرنا في أكثر من مرة أن نذبحها لكن بحسب المثل الشعبي (العشرة ما بتهون إلا على ابن الحرام)، بقيت سمر ويستمر الحصار ولا اعلم عنها شيئا.

أما الطيور البرية التي تعرف عندنا بطائر "الستيتية" هي الأخرى انقرضت من سماء المخيم وحافة الشرفات، كانت وجبة غنية للأهالي وغنيمة كبرى في هذا الزمن القاسي.

ربما الأصعب من ذلك جريمة حصار مخيم تل الزعتر الفلسطيني في لبنان 1976م، حينها طالب الأهالي بفتوى تجيز لهم أكل جثث الموتى، وربما المقارنة غير منصفة في هذا المقام بين لحوم البشر والحيوانات.

الصبار ورجل العصفورة

أوراق الصبار المر وعشبة رجل العصفورة، مصطلحات لا يعرفها إلا أهالي مخيم اليرموك كونها ارتبطت بيوميات الحصار، واللون الأخضر بات السمة الرئيسة في حياتهم، ترى صحونا على وجبة الطعام التي تكون في فترة المغرب وكأنك في شهر رمضان لكن دون سحور، هذه الأطباق من لون واحد لا تميز بين صحن وأخر.

أما أوراق الصبار التي يتم تقشيرها وتقطيعها ومن ثم طهيها بالزيت تعتبر ضربا من الرفاهية لتصل إلى مرتبة وجبة من البطاطا المقلية والفارق لا شك كبير، هذه الأوراق التي لا تستطيع الحيوانات أكلها بل تتعفف عن ذلك، لم يكن أمام أهالي مخيم اليرموك بدا من أكلها للبقاء أحياء، وعلى الرغم من ذلك فإن ثمنها ليس بالقليل ولا تستطيع غالبية العائلات شرائها، فالجميع عاطلون عن العمل إلا من رحم ربي.

"رجل العصفورة" هذه العشبة البعلية التي تخرج من شقوق الأرصفة وعلى حافة الأشجار، وتنظر لها الأبقار بازدراء وتعفف عن أكلها، أيضا لم يجد الجوعى مانعا من أكلها، فتجد الأمهات والأباء ينطلقون إلى البساتين والحدائق لقطفها وطهيها لوجبة المساء، هي أكلة الفقراء طعمها مر كالعلقم وأضرارها الصحية كبيرة حيث تسبب احتباس السوائل في الجسم لكنها لا تميت كما يفعل الجوع القاتل.

هل أحدثكم عن "أكل الماء"، نعم هي شوربة البهارات التي دخلت كل بيت في مخيم اليرموك، وجبة سريعة التحضير ماء وملح وبهارات فقط، حتى أن العديد من المؤسسات الإغاثية كانت تطعم الماء للأهالي من خلال توزيع شوربة البهارات على طوابير طويلة من الجوعى الذين لا يقون على تأمين هذا القوت.

"مسبحة الشيطان" هكذا يسمونه من كان رفيقا لنا في بدايات الحصار حتى نفاذه، إنه "البزر" بأنواعه المختلفة غدا الطعام اليومي يرافقنا في الحل والترحال، وترى الجميع وكأنهم في معركة مع هذا الشيطان على أنغام سنفونية أمعائهم الخاوية.

أم أحدثكم عن أليات تعويض النقص في مادة السكر، على ماذا اعتمد الأهالي، من خلال واقعة جرت أمامي شاهدت جاري " أبو خالد" يشعل النيران ويضع عليها إبريق شاي، الصدمة عندما شاهدت ما يذوبه في الماء الساخن بدلا من السكر إنها مادة سكرية تستخدم في إزالة الشعر عند السيدات، أترك لكم أن تتخيلوا ذلك!

أما "القطر الصناعي" فهذا سر الداء والدواء، صحيح أنه مادة حلوة تستخدم لتحضير الشاي، وربما تستمع بشيء من الحلاوة لكن بعد مدة قصيرة تبدأ رحلة الألام مع انتفاخ الكولون ومغص في الأمعاء يذهب سكرة كوب الشاب.

 حالفني الحظ يوما واشتريت كيلو أرز بـ 100 دولار، اليوم عرس عندنا في البيت منذ أشهر لم نذق طعمه، وما أن نبدأ تناول الطعام ونقسم الوجبة على خمسة أفراد مع مراعاة حقوق الأطفال، وما أن ننتهي تكون الصحون نظيفة ولا تحتاج للغسيل، فلا يمكن لحبة أرز أن تفلت هنا أو هناك.

"العدس" معشوق الجماهير، كان الفلاحون يطعمونه للأبقار لكن اليوم أصبح البشر أولى منهم به، هذا الحبيب الذي إن حل بأي بيت في المخيم تتسلل السعادة إلى أفئدة الصغار وينشدون في بيتنا عدس، لأنهم سينعمون بوجبة تسكت جدران أمعائهم عن التخبط والبكاء.

موت جماعي

شحوب الوجه وتشقق الجلد واسوداده علامة مسجلة لحصار مخيم اليرموك، " كأنهم أموات خرجوا من القبور" بهذا وصفت وكالة الأونروا أهالي المخيم خلال تقديم المساعدات الإغاثية لهم بعد أشهر طويلة من الموت جوعا.

عظام بارزة في كل بقعة من الجسد هو حال الموتى جوعا من الأهالي، في مشهد أبكى العالم وجعل من قصة المخيم المنكوب الخبر رقم واحد، لأول مرة يعرض الأموات وهم يغسلون على شاشات العالم، مناظر حركت الضمير تجاه هذه المأساة الإنسانية.

حالات كثيرة شهدها مخيم اليرموك، في يوم واحد خمس وفيات جراء الجوع ونقص الرعاية الطبية، أذكر أنني وقفت على وفاة 6 لاجئين فلسطينيين وسوريين بينهم طفلة رضيعة وامرأة وشاب قضى قنصا وهو يبحث عن لقمة العيش فأزهقت روحه رصاصة كانت أسرع إليه من سيف الجوع.

يشيع الأهالي الجوعى قتلاهم في موكب مهيب إلى مقبرة المخيم الثكلى والتي لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من الجثث، ليعودوا تارة أخرى ليجدوا أمواتا أخرين بانتظارهم وهكذا حتى وصل تعداد شهداء الجوع أكثر من 180.

ربما لأول مرة يجري الحديث عن عائلات بأكملها توفيت جراء الجوع، فهذه اللاجئة " نور الهواري" توفيت جوعا بتاريخ 11/1/2014 وبعد أسبوع توفي زوجها، اما ولدهم "محمد" فقد عثر على جثته بعد فترة من موته وكانت الجرذان بدأت بقضم جثته، عائلة لم يبقى لهم من ذاكر.

يعذبون ببطء حتى تفارق الروح الجسد، يلف الميت جوعا بكفن ابيض يكتب عليه اسمه وتاريخ وفاته ومن أي مخيم جاء، ليوارى الثرى وتبقى صورته شاهدة على جريمة مروعة.

رسالتي لكم

لا يعرف قيمة النعمة إلا من يفقدها، فحافظوا على نعم الله ولا تبذروا ولا تتذمروا من الطعام، اشكروا الله عزوجل، فكم من طفل مات ويموت جوعا وكان حلمه بـ "لفة فلافل" أو "دجاج مشوي"، أذكر أننا في ليالي الحصار وعلى ألام مخاض الجوع نتسامر فيما بيننا بأن تعود بنا الأيام إلى الماضي القريب لنجتمع حول مائدة بسيطة فقيرة نأكل حتى نشبع، لكن سرعان ما تقرع أجراس المعدة لتعيدنا إلى الواقع الأليم والتفكير بطعام الغد من أين نأتي به.

الوسوم

مخيم اليرموك , مقالات ,

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/6454