map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

3989

هذه حكايتي (1) | "باسل محمود عزام" حكاية لاجئ تختزل معاني الخذلان زمن الحرب

تاريخ النشر : 08-04-2017
هذه حكايتي (1) | "باسل محمود عزام" حكاية لاجئ تختزل معاني الخذلان زمن الحرب

خاص - مجموعة العمل / مبادرة هذه حكايتي | علاء البرغوثي - ستوكهولم

حكاية "باسل عزام" يرويها والده لمجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية... حكاية شاب فلسطيني من قرية حطين ــ قضاء طبريا في فلسطين المحتلة، وُلد وعاش أيام شبابه في مخيمات اللجوء في سورية، وأُجبر على الالتحاق بجيش التحرير الفلسطيني قبل أن يخطفه عناصر من المعارضة السورية المسلحة في الحسينية، ليجري إطلاق سراحه، ولينشق بعدها عن جيش التحرير الفلسطيني ويبدأ رحلة من اللجوء ومحاولات السفر، إضراب عن الطعام، واعتقالات متكررة في لبنان وتركيا، قبل أن تغافله طائرة روسية، فيرتقي في بلدة كفر كرمين في الشمال السوري.

في العاصمة السويدية استوكهولم، وتحديداً مساء يوم الجمعة 20-1-2017، كان لقاء مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية مع "محمود عزام" (أبو سامر) والد الشاب "باسل عزام"، وهو لاجئ فلسطيني من قرية حطين ــ قضاء طبريا في فلسطين المحتلة. لجأ جده ووالده إلى سورية عام 1948، إلى بلدة برزة في ريف دمشق، وبعدها انتقلت العائلة إلى مخيم اليرموك، حيث عاش "محمود عزام" أيام شبابه في اليرموك ودرس في مدارس المخيم، لينتقل في ما بعد للدراسة في معهد دمشق المتوسط، وبعدها أدى الخدمة العسكرية، حيث نجح في الدراسة الثانوية والتحق بكلية الحقوق، إلا أنه لم يُتمَّ دراسته.

 تنقَّل ما بين مخيم اليرموك وحيّ التقدم والحجر الأسود، وانتقل بعدها إلى الديابية، وبعدها إلى الحسينية، حيث عمل على توفير منازل ومحالّ تجارية لجميع أبنائه. وأمضى العديد من سنوات عمره بالعمل في مجال (اللحام الكهربائي) في حقول النفط في سورية والخليج العربي والسودان والجزائر.

يحدثنا "محمود عزام" عن أصغر أبنائه "باسل" الذي لم يكمل الـ (22) عاماً في هذا العالم والذي لحق بأخيه "عامر" الذي قضى في خلال أدائه الخدمة الإلزامية في جيش التحرير الفلسطيني قبيل اندلاع الثورة السورية.

يبدأ "أبو سامر" حديثه عن جيش التحرير الفلسطيني، مستذكراً المأساة التي عاشها وعائلته عند فقدان ابنهم "عامر" في أثناء أدائه الخدمة الإلزامية في جيش التحرير الفلسطيني.

"كنت أرفض أن يخدم ابني في جيش التحرير الفلسطيني، لأنَّ الإنسان كان يمضي سنتين من عمره على الأقل دون أي فائدة، بالإضافة إلى تعرضه لمختلف أنواع الإساءات والعبودية من قبل الضباط".

ثم ينتقل الأب المكلوم ليتحدث عن تفاصيل فقدان ابنه الأول، وكيف أنَّ حقد أحد الضباط في جيش التحرير الفلسطيني أدى إلى وفاة ابنه، الذي لم تُعرَف حتى اليوم ملابسات وفاته، فكل ما تعلمه الأسرة ــ بحسب شقيق "باسل عزام" ــ أنَّ ابنها استُشهد في أثناء قيامه بالحراسة في إحدى القطع العسكرية التابعة لجيش التحرير الفلسطيني، حيث توفي إثر إصابته برصاصة مباشرة خرجت من بندقيته وأصابت رأسه، ما أدى إلى وفاته على الفور.

* يُجبَر اللاجئون الفلسطينيون الذكور ممن أتموا 18 عاماً على أداء الخدمة العسكرية في صفوف جيش التحرير الفلسطيني الذي يُعَدّ قطعة من الجيش السوري النظامي.

مخاوف من خدمة العلم، واختطاف باسل:

تحدّث والد "باسل عزام" عن الفترة التي سبقت التحاق ابنه بالخدمة الإلزامية التي يُجبَر الشباب الفلسطينيون على أدائها في جيش التحرير الفلسطيني الذي يُعَدّ قطعة من الجيش السوري النظامي.

مستذكراً بنحو متكرر مخاوفه من التحاق ابنه بالخدمة العسكرية، خصوصاً أنه وعائلته قد عانوا من فقدان ابنه "عامر" في الجيش.

ويصف والد "باسل" حادثة اختطاف مجهولين ابنَه في مناطق المعارضة المجاورة له، حيث جرى اختطافه وترهيبه.

"وسافرت إلى لبنان، وذلك بناءً على طلبه، حتى يتوقف عن التنقل بين البلدتين اللتين كانت إحداهما تتبع للنظام والأخرى للمعارضة، وطلبتُ منه أّلا يأتي إلى الحسينية، وأن يبقى في جرمانا بمكان خدمته العسكرية"

وبحسب والد باسل، فقد اختطفت ابنه مجموعة يعتقد أنها من الجيش الحر الموجود في منطقة الحسينية، حيث اختُطف لفترة 8 أيام، وبعدها طلبوا فدية مبلغ مالي (300) ألف قبل أن يتراجعوا عن مطلبهم، ويحصروا طلباتهم بأن يترك ابنه جيش التحرير الفلسطيني، وهو الأمر الذي كان أساساً يفكر فيه "باسل" خوفاً من إجباره على القتال إلى جانب الجيش النظامي.

في لبنان... فصل جديد من المعاناة ومحاولات للهجرة (2012-2015)

بعد عودة "باسل" إلى المنزل، وانشقاقه عن جيش التحرير الفلسطيني، قرر أن يسافر إلى لبنان، ولكن بسبب هروبه من الجيش، اضطُرَّ إلى دخول لبنان بطريقة غير نظامية.

أمضى "باسل" نحو ثلاث سنوات في لبنان، عانى فيها الأمرَّين، حيث بقي في عين الحلوة، ولم يستطع الخروج منها، وذلك بسبب انتشار الحواجز، وهو لا يملك أي إقامة أو حقوق في لبنان، ولم يستطع تصحيح وضعه.

كانت حياته مشابهة لحياة المئات من الشباب الفلسطينيين السوريين الذين انشقوا عن جيش التحرير الفلسطيني وتوجهوا نحو لبنان، فلم يكن لهم حق العمل أو التحرك، وكانوا يتهربون من الحواجز الأمنية خشية اعتقالهم وترحيلهم إلى سورية.

وبعد إغلاق جميع الطرق ونفاد الفرص، قرر "باسل" السفر إلى أوروبا. وفعلاً، حاول السفر خمس مرات، فكانت أول محاولة من طريق سفره بجواز سفر شبيه عبر مطار بيروت، حيث أُلقي القبض عليه وحُبس في المطار في ظروف سيئة جداً مع 70 شخصاً بغرفة 4*4 أمتار، وخوف من الترحيل إلى سورية. وبعد تعيين محامٍ، أُعطيَ خروجاً مؤقتاً، دون تسوية وضعه، وكلفه ذلك (5000$) أجراً للمحامي.

وتلتها المحاولة الثانية التي أُلقي فيها القبض عليه في طرابلس، في أثناء محاولته السفر عبر البحر إلى اليونان مع نحو مئة لاجئ، أُلقيَ القبض عليهم، ثمّ أُفرِج عنهم بعد نحو أسبوعين إلا "باسل"، فسُجن شهرين لأنه لم يسوِّ وضعه. وعند الإفراج عنه كان هناك تهديد بترحيله إلى سورية، ثم عاد إلى عين الحلوة.

ومن ثمَّ المحاولة الثالثة، حيث تعرض لعملية نصب (1200$)، إذ عاود السفر بحراً عبر طرابلس إلى تركيا، ولكنه وقع ضحيةً للنصب. وبعدها المحاولة الرابعة، حيث بدأ "باسل" ووالده البحث عن طرق نظامية للسفر.

يقول "أبو سامر": تواصلتُ مع سفارة فلسطين من أجل جواز سفر فلسطيني أو ما يعرف بجواز سفر السلطة، فرفضت السفارة بحجة أني ربما لست فلسطينياً، وبدأت بالمحاولات والواسطات، إلى أن تدخلت إحدى سفارات السلطة في دول الخليج، حتى تمكنّا من الحصول على جواز سفر بتدخل من السفارة هناك.

حصل "باسل" أخيراً بعد معاملة طويلة على جواز سفر السلطة الفلسطينية خمس سنوات، صادر من رام الله.

وبحسب والد "باسل"، فإنه في تلك الأوقات كانت بعض مكاتب السفر تُصدر تأشيرات إلى روسيا، ومنها يحاول اللاجئون الوصول إلى النرويج. وبعد عدة أشهر استطاع أحد أصدقاء العائلة إصدار تأشيرة لباسل.

كانت تكلفة الفيزا نحو (1000$)، لكن عدم قانونية وضع "باسل" في لبنان، وحصوله على جواز سفر جديد تطلّبا إجراءات إضافية من قبل الأمن، وذلك بحسب ما قاله "أبو سامر". ويضيف عن هذه المشكلة أنه "بسبب إجراءات الأمن العام والتأخير بالمعاملة، انتهت الفيزا مع صدور الموافقة للسفر، وخسر الفيزا".

وعن المحاولة الخامسة التي كانت بداية لمأساة "باسل"، فإنه تمكن من إصدار تأشيرة أخرى، وأيضاً تمكن من الحصول على تصحيح الوضع من قبل الأمن العام اللبناني، وذلك قبل يومين فقط من انتهاء التأشيرة الجديدة. وفعلاً سافر إلى روسيا، لكن رحلته كان يجب أن تمرّ عبر مطار أتاتورك التركي حيث بدأ فصل جديد من معاناة "باسل عزام".

الترحيل المتبادل بين مطاري بيروت وإسطنبول 2015-2016

في يوم 28-11-2015، بعد الوصول إلى مطار أتاتورك حيث كان هناك نحو خمس ساعات استراحة حتى يكمل "باسل" رحلته نحو روسيا، وبسبب التوتر والتعب الذي سبق خروجه من بيروت، غفل "باسل"، وفقد جواز سفره وبطاقات الطائرة وجميع نقوده.

وعن مرارة الموقف، يحدثنا والد "باسل":  "اتصل بي فزعاً، وأخبرني أنه فقد جواز سفره وماله وبطاقات الطائرة. كان متوتراً جداً، أخبرته بأن يسلِّم نفسه للشرطة التركية في المطار، لكن!!! الأتراك لم يقتنعوا بالقصة،فرُحِّل بنفس الطائرة نحو بيروت".

بعد وصول "باسل" إلى مطار بيروت، حُقِّقَ معه وأُعيد ترحيله إلى تركيا لكونه لا يحمل جواز سفر، وكل أوراقه الثبوتية كانت فقط إخراج قيد.

"إذا شفتهم بدهم يرحلوك إلى سورية اقتل نفسك ولا تدعهم يسلموك للنظام" بهذه الكلمات جاوب "أبو سامر" ابنه عندما أخبره عن إمكانية ترحيله إلى سورية، فقد كان يعلم أن ترحيل ابنه إلى سورية قد يعني أن يختفي ابنه ويعاني مرارة التعذيب حتى الموت في المعتقلات السورية.

ويضيف الأب أنه "بعد تلك المكالمة بقيت أدعو الله أن يفرّج عن ابني وأن يحميه من الاعتقال عند النظام، كنت أتخيل كيف يُعذَّب المعتقلون وكيف يُهانون، وأسأل الله أن لا يكون ابني أحد ضحايا المعتقلات السورية".

وبالفعل، لم يُرحَّل الابن إلى سورية، بل أُعيد إلى مطار أتاتورك في إسطنبول، فاحتُجِز في المطار، حيث طلب الأتراك من "باسل" أن يُثبت شخصيته بجواز سفر جديد.

وعن هذه النقطة، يقول "محمود عزام": "طلبنا مساعدة من السفارة الفلسطينية في تركيا ولبنان، ولمدة أربعة أشهر بقوا يماطلون بإخراج جواز سفر جديد. لم يرفضوا، ولم يقولوا إنهم لا يقدرون. فقط بقوا يماطلون".

بعد مرور الوقت، قرر باسل أن يطلب اللجوء في تركيا، وبالفعل قدم طلب اللجوء عبر أحد محامي المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إلا أنه بعد (15) يوماً رفضت إحدى المحاكم في أنقرة طلب لجوئه.

بعد رفض طلب لجوء "باسل"، بدأ بالإضراب عن الطعام، حتى إطلاق سراحه، حيث كان محتجزاً في غرفة صغيرة، مراقَبة بالكاميرات، وعليها إنارة طوال الوقت، كانت الغرفة 5*4 متر أحياناً.

ومع بدء "باسل" بالإضراب عن الطعام، بدأ التفاعل الإعلامي والحقوقي يكبر شيئاً فشيئاً، الأمر الذي شكَّل ضغطاً على السفارة والأجهزة التركية، بحسب والد "باسل". وعن تلك المرحلة، يقول والد باسل: "وقّعوا باسل على أوراق لم يكن يفهمها، فهو لا يعرف اللغة التركية، ربما لم يكن يعلم أنه رُحِّل إلى سورية، وحقيقة حينها لم أكن أعلم أنَّ باسل رُحِّل إلى سورية، كنت أظن أنه رُحِّل إلى أحد السجون التركية".

أخفى "باسل" عن والديه نبأ ترحيله إلى سورية، خوفاً عليهما من أن يصابا بأي ضغط نفسي، وكان ــ بحسب والده ــ يخطط هو وأخوه لعودته إلى تركيا، حيث حاول "باسل" العديد من المرات دخول تركيا، إلا أنه في كل مرة كان حرس الحدود له بالمرصاد.

بقي "باسل" في قرية كفر كرمين، حيث كان ناشطاً في العمل الإغاثي في القرية، فقد كان يقوم وعدداً من الشباب بطهو الطعام وتوزيعه على العائلات والأيتام في القرية الحدودية.

الاستشهاد... 8-8-2016

لم يستشهد باسل في خلال القصف في المنطقة التي كان فيها، بل استشهد في خلال ذهابه وأحد أصدقائه لتناول الغداء في مكان قريب، وعند انتقالهما على دراجة نارية تعرض للقصف. كان باسل يقود الدراجة، وبعدها أُصيبا بقصف الطيران الروسي، بحسب الناشطين في المنطقة.

استشهد باسل وأصيب صديقه الذي بُترت قدمه في ما بعد إثر الإصابة، وإصابة باسل كانت بشظية في قلبه.

وعن تلك اللحظة يحدثنا والد "باسل عزام": "وردني اتصال من إحدى القريبات، كان مفاده أنَّ باسل استشهد. وفي تلك اللحظة لم أكن أعلم أنَّ باسل خارج تركيا، فقلت: معقول أن يستشهد ابني داخل السجن التركي، وبدأت أقلق. أرسلت إليه على الموبايل، لم يردَّ عليَّ حينها، علمت أن هناك شيئاً غير مريح قد حصل"

عندها، علم "محمود عزام" بتفاصيل قصة ابنه، الذي كان يخاف أن يشغل بال والده ووالدته، فأخفى عنهما نبأ ترحيله إلى سورية. دُفن باسل في ذات القرية التي كان يساعد أهلها، الذين أحبوه ومدحوا طيب خلقه.

في 8-8-2016 كتبت طائرة روسية نهاية حياة الشاب "باسل"، حيث أصيب هو وصديقه بشظايا قذائفها، فاستشهد هو على الفور، فيما أُصيب صديقه الذي بُترت ساقه في ما بعد.

وفي ختام حديثنا مع والد "باسل"، قال لنا هذه الكلمات التي تلخّص قصة معاناة الشباب الفلسطيني في أثناء الحرب في سورية، فقال هذه الكلمات المؤلمة:

"قصة باسل تختزل معاناة الآلاف من الشباب في سورية. فابني لم يكن الوحيد الذي ظُلم في سورية. فغيره العشرات من الشبان الذين ظلموا في سورية، وأيضاً في لبنان، حيث مُنعوا من أدنى حقوقهم، وجرى التضييق عليهم وحرمانهم الإقامات وحق العمل، إضافة إلى الخذلان من قبل سفارات بلادهم، تلك السفارات الفلسطينية التي بُنيت بتضحيات ودماء الآلاف من شهداء الثورة الفلسطينية، والتي الآن ــ للأسف ــ لا تقدِّم أي مساعدة أو تقوم بواجباتها تجاه أبناء شعبها. أعدائي هم النظام، الأمن العام الذي ضيق على اللاجئين، السفارة الفلسطينية التي لم تساعد باسل، السفارة تقاعست ولم تقف مع ابني ولم تعامله كمسوؤلة عنه".

 * جميع المعلومات الواردة وُثِّقَت في خلال مقابلة أُجريت مع والد "باسل عزام" الموجود حالياً في العاصمة السويدية ستوكهولم

 

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/7092

خاص - مجموعة العمل / مبادرة هذه حكايتي | علاء البرغوثي - ستوكهولم

حكاية "باسل عزام" يرويها والده لمجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية... حكاية شاب فلسطيني من قرية حطين ــ قضاء طبريا في فلسطين المحتلة، وُلد وعاش أيام شبابه في مخيمات اللجوء في سورية، وأُجبر على الالتحاق بجيش التحرير الفلسطيني قبل أن يخطفه عناصر من المعارضة السورية المسلحة في الحسينية، ليجري إطلاق سراحه، ولينشق بعدها عن جيش التحرير الفلسطيني ويبدأ رحلة من اللجوء ومحاولات السفر، إضراب عن الطعام، واعتقالات متكررة في لبنان وتركيا، قبل أن تغافله طائرة روسية، فيرتقي في بلدة كفر كرمين في الشمال السوري.

في العاصمة السويدية استوكهولم، وتحديداً مساء يوم الجمعة 20-1-2017، كان لقاء مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية مع "محمود عزام" (أبو سامر) والد الشاب "باسل عزام"، وهو لاجئ فلسطيني من قرية حطين ــ قضاء طبريا في فلسطين المحتلة. لجأ جده ووالده إلى سورية عام 1948، إلى بلدة برزة في ريف دمشق، وبعدها انتقلت العائلة إلى مخيم اليرموك، حيث عاش "محمود عزام" أيام شبابه في اليرموك ودرس في مدارس المخيم، لينتقل في ما بعد للدراسة في معهد دمشق المتوسط، وبعدها أدى الخدمة العسكرية، حيث نجح في الدراسة الثانوية والتحق بكلية الحقوق، إلا أنه لم يُتمَّ دراسته.

 تنقَّل ما بين مخيم اليرموك وحيّ التقدم والحجر الأسود، وانتقل بعدها إلى الديابية، وبعدها إلى الحسينية، حيث عمل على توفير منازل ومحالّ تجارية لجميع أبنائه. وأمضى العديد من سنوات عمره بالعمل في مجال (اللحام الكهربائي) في حقول النفط في سورية والخليج العربي والسودان والجزائر.

يحدثنا "محمود عزام" عن أصغر أبنائه "باسل" الذي لم يكمل الـ (22) عاماً في هذا العالم والذي لحق بأخيه "عامر" الذي قضى في خلال أدائه الخدمة الإلزامية في جيش التحرير الفلسطيني قبيل اندلاع الثورة السورية.

يبدأ "أبو سامر" حديثه عن جيش التحرير الفلسطيني، مستذكراً المأساة التي عاشها وعائلته عند فقدان ابنهم "عامر" في أثناء أدائه الخدمة الإلزامية في جيش التحرير الفلسطيني.

"كنت أرفض أن يخدم ابني في جيش التحرير الفلسطيني، لأنَّ الإنسان كان يمضي سنتين من عمره على الأقل دون أي فائدة، بالإضافة إلى تعرضه لمختلف أنواع الإساءات والعبودية من قبل الضباط".

ثم ينتقل الأب المكلوم ليتحدث عن تفاصيل فقدان ابنه الأول، وكيف أنَّ حقد أحد الضباط في جيش التحرير الفلسطيني أدى إلى وفاة ابنه، الذي لم تُعرَف حتى اليوم ملابسات وفاته، فكل ما تعلمه الأسرة ــ بحسب شقيق "باسل عزام" ــ أنَّ ابنها استُشهد في أثناء قيامه بالحراسة في إحدى القطع العسكرية التابعة لجيش التحرير الفلسطيني، حيث توفي إثر إصابته برصاصة مباشرة خرجت من بندقيته وأصابت رأسه، ما أدى إلى وفاته على الفور.

* يُجبَر اللاجئون الفلسطينيون الذكور ممن أتموا 18 عاماً على أداء الخدمة العسكرية في صفوف جيش التحرير الفلسطيني الذي يُعَدّ قطعة من الجيش السوري النظامي.

مخاوف من خدمة العلم، واختطاف باسل:

تحدّث والد "باسل عزام" عن الفترة التي سبقت التحاق ابنه بالخدمة الإلزامية التي يُجبَر الشباب الفلسطينيون على أدائها في جيش التحرير الفلسطيني الذي يُعَدّ قطعة من الجيش السوري النظامي.

مستذكراً بنحو متكرر مخاوفه من التحاق ابنه بالخدمة العسكرية، خصوصاً أنه وعائلته قد عانوا من فقدان ابنه "عامر" في الجيش.

ويصف والد "باسل" حادثة اختطاف مجهولين ابنَه في مناطق المعارضة المجاورة له، حيث جرى اختطافه وترهيبه.

"وسافرت إلى لبنان، وذلك بناءً على طلبه، حتى يتوقف عن التنقل بين البلدتين اللتين كانت إحداهما تتبع للنظام والأخرى للمعارضة، وطلبتُ منه أّلا يأتي إلى الحسينية، وأن يبقى في جرمانا بمكان خدمته العسكرية"

وبحسب والد باسل، فقد اختطفت ابنه مجموعة يعتقد أنها من الجيش الحر الموجود في منطقة الحسينية، حيث اختُطف لفترة 8 أيام، وبعدها طلبوا فدية مبلغ مالي (300) ألف قبل أن يتراجعوا عن مطلبهم، ويحصروا طلباتهم بأن يترك ابنه جيش التحرير الفلسطيني، وهو الأمر الذي كان أساساً يفكر فيه "باسل" خوفاً من إجباره على القتال إلى جانب الجيش النظامي.

في لبنان... فصل جديد من المعاناة ومحاولات للهجرة (2012-2015)

بعد عودة "باسل" إلى المنزل، وانشقاقه عن جيش التحرير الفلسطيني، قرر أن يسافر إلى لبنان، ولكن بسبب هروبه من الجيش، اضطُرَّ إلى دخول لبنان بطريقة غير نظامية.

أمضى "باسل" نحو ثلاث سنوات في لبنان، عانى فيها الأمرَّين، حيث بقي في عين الحلوة، ولم يستطع الخروج منها، وذلك بسبب انتشار الحواجز، وهو لا يملك أي إقامة أو حقوق في لبنان، ولم يستطع تصحيح وضعه.

كانت حياته مشابهة لحياة المئات من الشباب الفلسطينيين السوريين الذين انشقوا عن جيش التحرير الفلسطيني وتوجهوا نحو لبنان، فلم يكن لهم حق العمل أو التحرك، وكانوا يتهربون من الحواجز الأمنية خشية اعتقالهم وترحيلهم إلى سورية.

وبعد إغلاق جميع الطرق ونفاد الفرص، قرر "باسل" السفر إلى أوروبا. وفعلاً، حاول السفر خمس مرات، فكانت أول محاولة من طريق سفره بجواز سفر شبيه عبر مطار بيروت، حيث أُلقي القبض عليه وحُبس في المطار في ظروف سيئة جداً مع 70 شخصاً بغرفة 4*4 أمتار، وخوف من الترحيل إلى سورية. وبعد تعيين محامٍ، أُعطيَ خروجاً مؤقتاً، دون تسوية وضعه، وكلفه ذلك (5000$) أجراً للمحامي.

وتلتها المحاولة الثانية التي أُلقي فيها القبض عليه في طرابلس، في أثناء محاولته السفر عبر البحر إلى اليونان مع نحو مئة لاجئ، أُلقيَ القبض عليهم، ثمّ أُفرِج عنهم بعد نحو أسبوعين إلا "باسل"، فسُجن شهرين لأنه لم يسوِّ وضعه. وعند الإفراج عنه كان هناك تهديد بترحيله إلى سورية، ثم عاد إلى عين الحلوة.

ومن ثمَّ المحاولة الثالثة، حيث تعرض لعملية نصب (1200$)، إذ عاود السفر بحراً عبر طرابلس إلى تركيا، ولكنه وقع ضحيةً للنصب. وبعدها المحاولة الرابعة، حيث بدأ "باسل" ووالده البحث عن طرق نظامية للسفر.

يقول "أبو سامر": تواصلتُ مع سفارة فلسطين من أجل جواز سفر فلسطيني أو ما يعرف بجواز سفر السلطة، فرفضت السفارة بحجة أني ربما لست فلسطينياً، وبدأت بالمحاولات والواسطات، إلى أن تدخلت إحدى سفارات السلطة في دول الخليج، حتى تمكنّا من الحصول على جواز سفر بتدخل من السفارة هناك.

حصل "باسل" أخيراً بعد معاملة طويلة على جواز سفر السلطة الفلسطينية خمس سنوات، صادر من رام الله.

وبحسب والد "باسل"، فإنه في تلك الأوقات كانت بعض مكاتب السفر تُصدر تأشيرات إلى روسيا، ومنها يحاول اللاجئون الوصول إلى النرويج. وبعد عدة أشهر استطاع أحد أصدقاء العائلة إصدار تأشيرة لباسل.

كانت تكلفة الفيزا نحو (1000$)، لكن عدم قانونية وضع "باسل" في لبنان، وحصوله على جواز سفر جديد تطلّبا إجراءات إضافية من قبل الأمن، وذلك بحسب ما قاله "أبو سامر". ويضيف عن هذه المشكلة أنه "بسبب إجراءات الأمن العام والتأخير بالمعاملة، انتهت الفيزا مع صدور الموافقة للسفر، وخسر الفيزا".

وعن المحاولة الخامسة التي كانت بداية لمأساة "باسل"، فإنه تمكن من إصدار تأشيرة أخرى، وأيضاً تمكن من الحصول على تصحيح الوضع من قبل الأمن العام اللبناني، وذلك قبل يومين فقط من انتهاء التأشيرة الجديدة. وفعلاً سافر إلى روسيا، لكن رحلته كان يجب أن تمرّ عبر مطار أتاتورك التركي حيث بدأ فصل جديد من معاناة "باسل عزام".

الترحيل المتبادل بين مطاري بيروت وإسطنبول 2015-2016

في يوم 28-11-2015، بعد الوصول إلى مطار أتاتورك حيث كان هناك نحو خمس ساعات استراحة حتى يكمل "باسل" رحلته نحو روسيا، وبسبب التوتر والتعب الذي سبق خروجه من بيروت، غفل "باسل"، وفقد جواز سفره وبطاقات الطائرة وجميع نقوده.

وعن مرارة الموقف، يحدثنا والد "باسل":  "اتصل بي فزعاً، وأخبرني أنه فقد جواز سفره وماله وبطاقات الطائرة. كان متوتراً جداً، أخبرته بأن يسلِّم نفسه للشرطة التركية في المطار، لكن!!! الأتراك لم يقتنعوا بالقصة،فرُحِّل بنفس الطائرة نحو بيروت".

بعد وصول "باسل" إلى مطار بيروت، حُقِّقَ معه وأُعيد ترحيله إلى تركيا لكونه لا يحمل جواز سفر، وكل أوراقه الثبوتية كانت فقط إخراج قيد.

"إذا شفتهم بدهم يرحلوك إلى سورية اقتل نفسك ولا تدعهم يسلموك للنظام" بهذه الكلمات جاوب "أبو سامر" ابنه عندما أخبره عن إمكانية ترحيله إلى سورية، فقد كان يعلم أن ترحيل ابنه إلى سورية قد يعني أن يختفي ابنه ويعاني مرارة التعذيب حتى الموت في المعتقلات السورية.

ويضيف الأب أنه "بعد تلك المكالمة بقيت أدعو الله أن يفرّج عن ابني وأن يحميه من الاعتقال عند النظام، كنت أتخيل كيف يُعذَّب المعتقلون وكيف يُهانون، وأسأل الله أن لا يكون ابني أحد ضحايا المعتقلات السورية".

وبالفعل، لم يُرحَّل الابن إلى سورية، بل أُعيد إلى مطار أتاتورك في إسطنبول، فاحتُجِز في المطار، حيث طلب الأتراك من "باسل" أن يُثبت شخصيته بجواز سفر جديد.

وعن هذه النقطة، يقول "محمود عزام": "طلبنا مساعدة من السفارة الفلسطينية في تركيا ولبنان، ولمدة أربعة أشهر بقوا يماطلون بإخراج جواز سفر جديد. لم يرفضوا، ولم يقولوا إنهم لا يقدرون. فقط بقوا يماطلون".

بعد مرور الوقت، قرر باسل أن يطلب اللجوء في تركيا، وبالفعل قدم طلب اللجوء عبر أحد محامي المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إلا أنه بعد (15) يوماً رفضت إحدى المحاكم في أنقرة طلب لجوئه.

بعد رفض طلب لجوء "باسل"، بدأ بالإضراب عن الطعام، حتى إطلاق سراحه، حيث كان محتجزاً في غرفة صغيرة، مراقَبة بالكاميرات، وعليها إنارة طوال الوقت، كانت الغرفة 5*4 متر أحياناً.

ومع بدء "باسل" بالإضراب عن الطعام، بدأ التفاعل الإعلامي والحقوقي يكبر شيئاً فشيئاً، الأمر الذي شكَّل ضغطاً على السفارة والأجهزة التركية، بحسب والد "باسل". وعن تلك المرحلة، يقول والد باسل: "وقّعوا باسل على أوراق لم يكن يفهمها، فهو لا يعرف اللغة التركية، ربما لم يكن يعلم أنه رُحِّل إلى سورية، وحقيقة حينها لم أكن أعلم أنَّ باسل رُحِّل إلى سورية، كنت أظن أنه رُحِّل إلى أحد السجون التركية".

أخفى "باسل" عن والديه نبأ ترحيله إلى سورية، خوفاً عليهما من أن يصابا بأي ضغط نفسي، وكان ــ بحسب والده ــ يخطط هو وأخوه لعودته إلى تركيا، حيث حاول "باسل" العديد من المرات دخول تركيا، إلا أنه في كل مرة كان حرس الحدود له بالمرصاد.

بقي "باسل" في قرية كفر كرمين، حيث كان ناشطاً في العمل الإغاثي في القرية، فقد كان يقوم وعدداً من الشباب بطهو الطعام وتوزيعه على العائلات والأيتام في القرية الحدودية.

الاستشهاد... 8-8-2016

لم يستشهد باسل في خلال القصف في المنطقة التي كان فيها، بل استشهد في خلال ذهابه وأحد أصدقائه لتناول الغداء في مكان قريب، وعند انتقالهما على دراجة نارية تعرض للقصف. كان باسل يقود الدراجة، وبعدها أُصيبا بقصف الطيران الروسي، بحسب الناشطين في المنطقة.

استشهد باسل وأصيب صديقه الذي بُترت قدمه في ما بعد إثر الإصابة، وإصابة باسل كانت بشظية في قلبه.

وعن تلك اللحظة يحدثنا والد "باسل عزام": "وردني اتصال من إحدى القريبات، كان مفاده أنَّ باسل استشهد. وفي تلك اللحظة لم أكن أعلم أنَّ باسل خارج تركيا، فقلت: معقول أن يستشهد ابني داخل السجن التركي، وبدأت أقلق. أرسلت إليه على الموبايل، لم يردَّ عليَّ حينها، علمت أن هناك شيئاً غير مريح قد حصل"

عندها، علم "محمود عزام" بتفاصيل قصة ابنه، الذي كان يخاف أن يشغل بال والده ووالدته، فأخفى عنهما نبأ ترحيله إلى سورية. دُفن باسل في ذات القرية التي كان يساعد أهلها، الذين أحبوه ومدحوا طيب خلقه.

في 8-8-2016 كتبت طائرة روسية نهاية حياة الشاب "باسل"، حيث أصيب هو وصديقه بشظايا قذائفها، فاستشهد هو على الفور، فيما أُصيب صديقه الذي بُترت ساقه في ما بعد.

وفي ختام حديثنا مع والد "باسل"، قال لنا هذه الكلمات التي تلخّص قصة معاناة الشباب الفلسطيني في أثناء الحرب في سورية، فقال هذه الكلمات المؤلمة:

"قصة باسل تختزل معاناة الآلاف من الشباب في سورية. فابني لم يكن الوحيد الذي ظُلم في سورية. فغيره العشرات من الشبان الذين ظلموا في سورية، وأيضاً في لبنان، حيث مُنعوا من أدنى حقوقهم، وجرى التضييق عليهم وحرمانهم الإقامات وحق العمل، إضافة إلى الخذلان من قبل سفارات بلادهم، تلك السفارات الفلسطينية التي بُنيت بتضحيات ودماء الآلاف من شهداء الثورة الفلسطينية، والتي الآن ــ للأسف ــ لا تقدِّم أي مساعدة أو تقوم بواجباتها تجاه أبناء شعبها. أعدائي هم النظام، الأمن العام الذي ضيق على اللاجئين، السفارة الفلسطينية التي لم تساعد باسل، السفارة تقاعست ولم تقف مع ابني ولم تعامله كمسوؤلة عنه".

 * جميع المعلومات الواردة وُثِّقَت في خلال مقابلة أُجريت مع والد "باسل عزام" الموجود حالياً في العاصمة السويدية ستوكهولم

 

الوسوم

هذه حكايتي , مجموعة العمل ,

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/7092