map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

3896

سارة عودة.. "عروس اليرموك"

تاريخ النشر : 28-01-2018
سارة عودة.. "عروس اليرموك"

أشرف سهلي

"القناص متخفيا ينسج خيوط القصة برصاصتين من بندقيته.. تشظت الأولى في عشيق على هيئة وطنين، لتتخفى الأخرى في بيت النار.. جاء الإيعاز بجمع مكوني المشهد في لوحة واحدة.. الآن: "العرس باليرموك والحنة بالجنة".

بدأت القصة عندما حكم مخيم اليرموك الفلسطيني على ولديه سارة عودة وعلاء فرحان بالعشق المؤبد منذ نعومة أظفارهما، إلى أن كبر الحب وصار ينافس مساحة المخيم السكنية.

ففي "بربعانية"” الشتاء، قرر الحب التحرر ما اضطره لكسر القلادة إلى جزأين.. حاولا بكل قوتهما أن يجتمعا مجددا على لحن هادئ لا يشبه أصوات القنابل والمدافع.

وفي المنفى الشتوي حيث رحلت سارة ولها من اسمها نصيب، اضطرت لمباغتة أصحاب البشرة البيضاء والشعر الأشقر، عندما صارحتهم باشمئزازها منهم بأن عادت أدراجها قاصدة علاء، ومسلحة بضخ عال للدماء في محيط القلب ولبّـه المحاصر، ظنـا منها أن متسعا من الانسجام مع الذات سيواصل رسم جغرافية العواطف المتقاربة بدلا من فوضى الحواس المتباعدة.

غير أن العود لم يكن أحمد بما يكفي، وبات المكان أضيق بكثير مما تصورت الفتاة، فهو عبارة عن فتحة سماوية خالية من القمح والبطاطا وضحكات العاشقات الحرائر للمنبوذين اليرموكيين.

يشتد الحصار أكثر على المخيم، لتقرر قلادة سارة المعلّقة في عنق عشيقها  المحاصر بالحب والمدافع، أن تكسر القيود، علها تسمح للقاء جديد أن يجرى مجمّلا برائحة المريمية.

وتقود القلادة العشيق إلى حيث تتشظى الروح عادة، سارحةً به تقول: "طلت البارودة والسبع ما طل"، لتعود أدراجها مع الجسد إلى حيث اللقاء القادم..

استشهد علاء بشظايا الحصار، وقرر برزخ ميلاد سارة أن يحظى بسراب روح عـلاء، فارتقى الميلاد مجيداً.

في الأثناء اضطرت الروح للصعود إلى أعلى من الفتحة السماوية، تاركة وراءها من يجتر التجربة، على نية النوم في الضريح المحجوز مسبقا لجوار أبدي. لتصبح الذكرى مزيجا من حياة وموت.

وفي أواسط الربيع، صارت نسمات قلوب من يرزحون تحت نير الحصار "عشقا ممنوعا" عن الأرواح.

الشابة العشرينية "ذات الحظ العاثر"، لم تعش لحظة تحت سقف زوجها في الحصار الذي تمادى ليعبث ببقايا عشقها المتحركة.

عندها قررت سارة اقتحام المخيم دون عتاد سوى قلب صغير يكبر محتواه اشتياقا للقاء البقايا.

وفجأة، تجتمع كل العناصر: الجوع، الكرتونة، سارة، القناص، الرصاصة، المخيم والضريح.. يحين موعد المشهد الذي سيكتب عنه ما سيعرض فيلما وثائقيا، مسلسلا وألبوم صور متتابعة وحكايا للجدة السمراء عن الشهيدة الحنطية..

تصرخ الجدة:"وين سارة؟".. لتجدها مضرجة بالدماء في مسرح الكراتين المتنقلة بين الحاقد والمحقود عليه، والجميع يركضون متدافعين يمينا وشمالا.

صعدت سارة إلى السماء مستأذنة المخيم، على لحن: "كانت سارة ساراي تدرج أولى خطواتها على تراب فلسطين.. وكانت ضحكتها تغطي سماء فلسطين.. غافلها القناص بطلقة في الراس.. في رأس سارة الصغير".

وباتت الفتاة اليرموكية تراقب من الأعلى التائهين بها، وتمكنت من مشاهدة ما يفعله المفتونون من بعدها.

عندها، صار الاسم الجديد: "عروس اليرموك".. وسارت الجموع في التشييع حيث البكاء حرقة وألما يعتصر قلب العم والد الشريك.

"مالها ذنب، طخها قناص النظام وهي حاملة كرتونة الأونروا، الله يهنيه"؛ تقول والدة حبيب سارة التي حظيت بلقب "أم الشهيدين" جهاد وعلاء فرحان.

وتتابع حديثها: "صار عندي هلق 3 شهداء ابني جهاد وابني علاء وبنتي سارة".

تبكي دانا الأخت الأكبر لسارة قائلة: "والله كانت تحبو وآخر شي مابدها شي غير تموت جنبو، الله يرحمها"، وتتابع: "عيوني ما شايفة فيهن".

وفي الذكرى الأولى لاستشهاد شقيقتها، وتعود  لتكتب على جدار صفحتها الفيسبوكية: "مرت سنه على استشهادك ياغاليتي 19/3/2015هاد التاريخ الي ماضل منو النا غير الذكرى تركتي فراغ كبير وهل الفراغ مليان شوق وعذاب ووجع ولهلا حاسه اني بحلم وبتمنى أصحى منو وشوفك قدام عيوني شوف ضحكتك الي كلها حب وحنان وتفاؤل من يوم استشهادك ماعرفنا طعم الراحه".

كما يصف أحد أقارب الشهيدة الحالة في الذكرى الأولى لرحيلها، قائلا: "لا يمكن الحديث عن سارة إلا وأن يتسلل إلى أي منا قصص الأفلام، مع مزيج من الوطنية المزدوجة فهنا فلسطين وسوريا في شخصين".

"أبو اليرموك" وهو الاسم المستعار لقريب الشهيد علاء، كتب على مدونته الشخصية في ذكرى الشهيدين قائلا: "عند مفترق شوارع الجاعونة، صفد، فلسطين، مجمع العشاق الذي تحول إلى مسرح للموت كانت المرة الأخيرة التي صادفتهما فيها معا في أواخر ربيع المخيم، ضحكنا ثﻻثتنا وامتثلنا للحديث عن الأحوال دون خوف، واصلنا الضحك عندما قررت الانسحاب نحو صديق نسيته منتظرا لي عند الزاوية الأخرى من ساحة الفراق.. ركبت الدراجة وقاد الصديق الصبور الدفة نحو مباراة العادة، التفتت فلم أجد لهما أثرا وتاكدت حينها أنهما ودعاني في طريقهما إلى فضاء مفتوح.. الشظايا تغضب سريعا إن تعرض صديقها الحصار لمحاوﻻت اختراق، ويشتد الغضب عندما يتعلق الأمر بكره رصاصة القناصة لكرتونة الأونروا، الحقد الذي زرع في رأس الرصاصة كبير إلى الحد الذي يدفعها لغسل دماغ حملة الكرتونة بالدماء.. تموت الرصاصة الغاضبة مع مضي الوقت، غير أن ابتسامة إحدى كاسرات الحصار تواصل الحياة عند عقرب الثواني المتوقف.. انتهت كل مشاهد الحصار، لكنه لم ينته".

ولعل عطر جسد الطفلة "سارة ساراي" التي غافلها القناص "الإسرائيلي" في أغنية الفنانة الفلسطينية ريم البنا، أجرى توأمة مع روح سارة اليافعة المحاصرة التي غافلها القناص "العربي"، لتغطي الضحكات سماء جميع الفلسطينيين وترفع العصبة عن عيون قاتليهم.

وعلى اعتبار أن قصة سارة وعلاء ليست من النوعية قصيرة الأثر، فتتأتى إمكانية أن تصير رواية الجيل الثاني لفلسطينيي سوريا الذي عاش الحالة السورية بكل أبعادها، تأخذ بعين الاعتبار أو بعفويتها "عروس اليرموك" كنموذج خالد يدرج ضمن التأريخ الاجتماعي الشفوي الفلسطيني والسوري بعد رحيل الطغاة والغزاة.

من هي سارة عودة؟

لاجئة فلسطينية من مخيم اليرموك، تنحدر من قرية فرعم قضاء مدينة صفد المهجرة العام 1948م.

طالبة في جامعة دمشق لم تتمكن من إكمال دراستها بفعل الأحداث في سوريا.

عاشت سارة قصة حب مع الشاب الفلسطيني علاء فرحان من أبناء مخيم اليرموك أيضا، والذي ينحدر من قرية بلد الشيخ قضاء مدينة حيفا المهجرة العام 48 أيضا، وكان علاء يدرس هندسة الديكورات في إحدى الجامعات الخاصة بسوريا، ولم يتمكن من إكمال دراسته جراء تدهور حالة أسرته الاقتصادية بفعل الحرب ودمار القسم الأكبر من ممتلكاتهم.

استمرت علاقة الحب لفترة طويلة بين الشابين الفلسطينيين، وكانا ينتظران أن يتما دراستهما كما جرت عليه العادة في مخيمها، كي يرتبطا بشكل رسمي، غير أن ظروف الحرب السورية وتسارع الأحداث كسر القاعدة.

وفي 16 . 12 . 2012 ضربت طائرة الميغ مخيم اليرموك وتبعتها معارك وعمليات قصف تسببت في تهجير الجزء الأكبر من أهالي المخيم، ومن بينهم سارة وعائلتها التي كانت من أوائل المغادرين. في حين آثر علاء البقاء في المخيم وعدم الخروج وهو خيار العدد الأقل من السكان.

سافرت سارة مع عائلتها إلى بلغاريا ومكثوا فيها فترة من الوقت، ومع مرور الوقت اشتد الحصار على اليرموك وأصبح يصعب دخول وخروج الأشخاص، فقرر علاء وسارة عقد قرانهما عبر السكايب بحضور الشهود من ذويهما في بلغاريا ومخيم اليرموك على شاشة الإنترنت.

وبعد ذلك، قررت سارة إقناع أهلها بفكرة رغبتها بالعودة إلى سوريا، وإيجاد طريقة للدخول إلى المخيم المحاصر والعيش مع علاء في حياة زوجية تكون خلاصة حب طويل بينهما.

وبعد جهود لإقناع الأهل، تمكنت سارة من النزول إلى العاصمة دمشق والمكوث فيها رغم ظروف الحرب، بانتظار إيجاد طريقة للدخول إلى اليرموك المحاصر والذي يمنع الدخول والخروج منه.

وفي الـ28 من كانون ثاني / يناير / 2014 وهو عيد ميلاد سارة الـ23، استشهد علاء بشظايا قذيفة أصابته داخل مخيم اليرموك، لينتهي الزواج الذي لم يكتب فيه لقاء بين الزوج وزوجته بعد عقد القران إطلاقا، كما كانت حسرة في قلب سارة أنها لم تستطع أن تودع حبيبها حتى.

وعلى الرغم من ذلك أصرت سارة على الدخول للمخيم، كما أصرت على شراء القبر المجاور لقبر علاء في مقبرة الشهداء القديمة باليرموك.

وبعد مدة، أي في شباط/ فبراير 2014 نجحت الشابة في دخول اليرموك، لتكابد ويلات الحصار فيه طيلة عام وشهرين.

وفي آذار/ مارس 2015م، بدأت عملية توزيع طرود المساعدات الغذائية من قبل وكالة الغوث "أونروا" على أهالي مخيم اليرموك في منطقة شارع فلسطين بالقرب من بلدية اليرموك التي تسيطر عليها قوات النظام السوري.

وكانت سارة ضمن مئات المحاصرين الذين ينتظرون دورهم للحصول على كرتونة المساعدة نتيجة انعدام المواد الغذائية والطبية عن السكان بفعل حصار قوات النظام للمخيم ومنعها الطعام والدواء عنهم. دون إغفال عملية الاحتكار التي مارسها تجار الحرب وشخصيات محسوبة على الجهات التي تحكم اليرموك وهو ما زاد معاناة المدنيين المحاصرين.

وفي الـ19 من آذار، بينما كانت سارة تتسلم طرد المساعدات، أطلق قناص النظام المتمركز على سطح بلدية اليرموك، رصاصة أصابت الشابة سارة وأدت بعد وقت قصير لاستشهادها. لتدفن إلى جانب حبيبها علاء في قصة شبيهة بقصص الأفلام، بنكهة فلسطينية سورية.

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/8982

أشرف سهلي

"القناص متخفيا ينسج خيوط القصة برصاصتين من بندقيته.. تشظت الأولى في عشيق على هيئة وطنين، لتتخفى الأخرى في بيت النار.. جاء الإيعاز بجمع مكوني المشهد في لوحة واحدة.. الآن: "العرس باليرموك والحنة بالجنة".

بدأت القصة عندما حكم مخيم اليرموك الفلسطيني على ولديه سارة عودة وعلاء فرحان بالعشق المؤبد منذ نعومة أظفارهما، إلى أن كبر الحب وصار ينافس مساحة المخيم السكنية.

ففي "بربعانية"” الشتاء، قرر الحب التحرر ما اضطره لكسر القلادة إلى جزأين.. حاولا بكل قوتهما أن يجتمعا مجددا على لحن هادئ لا يشبه أصوات القنابل والمدافع.

وفي المنفى الشتوي حيث رحلت سارة ولها من اسمها نصيب، اضطرت لمباغتة أصحاب البشرة البيضاء والشعر الأشقر، عندما صارحتهم باشمئزازها منهم بأن عادت أدراجها قاصدة علاء، ومسلحة بضخ عال للدماء في محيط القلب ولبّـه المحاصر، ظنـا منها أن متسعا من الانسجام مع الذات سيواصل رسم جغرافية العواطف المتقاربة بدلا من فوضى الحواس المتباعدة.

غير أن العود لم يكن أحمد بما يكفي، وبات المكان أضيق بكثير مما تصورت الفتاة، فهو عبارة عن فتحة سماوية خالية من القمح والبطاطا وضحكات العاشقات الحرائر للمنبوذين اليرموكيين.

يشتد الحصار أكثر على المخيم، لتقرر قلادة سارة المعلّقة في عنق عشيقها  المحاصر بالحب والمدافع، أن تكسر القيود، علها تسمح للقاء جديد أن يجرى مجمّلا برائحة المريمية.

وتقود القلادة العشيق إلى حيث تتشظى الروح عادة، سارحةً به تقول: "طلت البارودة والسبع ما طل"، لتعود أدراجها مع الجسد إلى حيث اللقاء القادم..

استشهد علاء بشظايا الحصار، وقرر برزخ ميلاد سارة أن يحظى بسراب روح عـلاء، فارتقى الميلاد مجيداً.

في الأثناء اضطرت الروح للصعود إلى أعلى من الفتحة السماوية، تاركة وراءها من يجتر التجربة، على نية النوم في الضريح المحجوز مسبقا لجوار أبدي. لتصبح الذكرى مزيجا من حياة وموت.

وفي أواسط الربيع، صارت نسمات قلوب من يرزحون تحت نير الحصار "عشقا ممنوعا" عن الأرواح.

الشابة العشرينية "ذات الحظ العاثر"، لم تعش لحظة تحت سقف زوجها في الحصار الذي تمادى ليعبث ببقايا عشقها المتحركة.

عندها قررت سارة اقتحام المخيم دون عتاد سوى قلب صغير يكبر محتواه اشتياقا للقاء البقايا.

وفجأة، تجتمع كل العناصر: الجوع، الكرتونة، سارة، القناص، الرصاصة، المخيم والضريح.. يحين موعد المشهد الذي سيكتب عنه ما سيعرض فيلما وثائقيا، مسلسلا وألبوم صور متتابعة وحكايا للجدة السمراء عن الشهيدة الحنطية..

تصرخ الجدة:"وين سارة؟".. لتجدها مضرجة بالدماء في مسرح الكراتين المتنقلة بين الحاقد والمحقود عليه، والجميع يركضون متدافعين يمينا وشمالا.

صعدت سارة إلى السماء مستأذنة المخيم، على لحن: "كانت سارة ساراي تدرج أولى خطواتها على تراب فلسطين.. وكانت ضحكتها تغطي سماء فلسطين.. غافلها القناص بطلقة في الراس.. في رأس سارة الصغير".

وباتت الفتاة اليرموكية تراقب من الأعلى التائهين بها، وتمكنت من مشاهدة ما يفعله المفتونون من بعدها.

عندها، صار الاسم الجديد: "عروس اليرموك".. وسارت الجموع في التشييع حيث البكاء حرقة وألما يعتصر قلب العم والد الشريك.

"مالها ذنب، طخها قناص النظام وهي حاملة كرتونة الأونروا، الله يهنيه"؛ تقول والدة حبيب سارة التي حظيت بلقب "أم الشهيدين" جهاد وعلاء فرحان.

وتتابع حديثها: "صار عندي هلق 3 شهداء ابني جهاد وابني علاء وبنتي سارة".

تبكي دانا الأخت الأكبر لسارة قائلة: "والله كانت تحبو وآخر شي مابدها شي غير تموت جنبو، الله يرحمها"، وتتابع: "عيوني ما شايفة فيهن".

وفي الذكرى الأولى لاستشهاد شقيقتها، وتعود  لتكتب على جدار صفحتها الفيسبوكية: "مرت سنه على استشهادك ياغاليتي 19/3/2015هاد التاريخ الي ماضل منو النا غير الذكرى تركتي فراغ كبير وهل الفراغ مليان شوق وعذاب ووجع ولهلا حاسه اني بحلم وبتمنى أصحى منو وشوفك قدام عيوني شوف ضحكتك الي كلها حب وحنان وتفاؤل من يوم استشهادك ماعرفنا طعم الراحه".

كما يصف أحد أقارب الشهيدة الحالة في الذكرى الأولى لرحيلها، قائلا: "لا يمكن الحديث عن سارة إلا وأن يتسلل إلى أي منا قصص الأفلام، مع مزيج من الوطنية المزدوجة فهنا فلسطين وسوريا في شخصين".

"أبو اليرموك" وهو الاسم المستعار لقريب الشهيد علاء، كتب على مدونته الشخصية في ذكرى الشهيدين قائلا: "عند مفترق شوارع الجاعونة، صفد، فلسطين، مجمع العشاق الذي تحول إلى مسرح للموت كانت المرة الأخيرة التي صادفتهما فيها معا في أواخر ربيع المخيم، ضحكنا ثﻻثتنا وامتثلنا للحديث عن الأحوال دون خوف، واصلنا الضحك عندما قررت الانسحاب نحو صديق نسيته منتظرا لي عند الزاوية الأخرى من ساحة الفراق.. ركبت الدراجة وقاد الصديق الصبور الدفة نحو مباراة العادة، التفتت فلم أجد لهما أثرا وتاكدت حينها أنهما ودعاني في طريقهما إلى فضاء مفتوح.. الشظايا تغضب سريعا إن تعرض صديقها الحصار لمحاوﻻت اختراق، ويشتد الغضب عندما يتعلق الأمر بكره رصاصة القناصة لكرتونة الأونروا، الحقد الذي زرع في رأس الرصاصة كبير إلى الحد الذي يدفعها لغسل دماغ حملة الكرتونة بالدماء.. تموت الرصاصة الغاضبة مع مضي الوقت، غير أن ابتسامة إحدى كاسرات الحصار تواصل الحياة عند عقرب الثواني المتوقف.. انتهت كل مشاهد الحصار، لكنه لم ينته".

ولعل عطر جسد الطفلة "سارة ساراي" التي غافلها القناص "الإسرائيلي" في أغنية الفنانة الفلسطينية ريم البنا، أجرى توأمة مع روح سارة اليافعة المحاصرة التي غافلها القناص "العربي"، لتغطي الضحكات سماء جميع الفلسطينيين وترفع العصبة عن عيون قاتليهم.

وعلى اعتبار أن قصة سارة وعلاء ليست من النوعية قصيرة الأثر، فتتأتى إمكانية أن تصير رواية الجيل الثاني لفلسطينيي سوريا الذي عاش الحالة السورية بكل أبعادها، تأخذ بعين الاعتبار أو بعفويتها "عروس اليرموك" كنموذج خالد يدرج ضمن التأريخ الاجتماعي الشفوي الفلسطيني والسوري بعد رحيل الطغاة والغزاة.

من هي سارة عودة؟

لاجئة فلسطينية من مخيم اليرموك، تنحدر من قرية فرعم قضاء مدينة صفد المهجرة العام 1948م.

طالبة في جامعة دمشق لم تتمكن من إكمال دراستها بفعل الأحداث في سوريا.

عاشت سارة قصة حب مع الشاب الفلسطيني علاء فرحان من أبناء مخيم اليرموك أيضا، والذي ينحدر من قرية بلد الشيخ قضاء مدينة حيفا المهجرة العام 48 أيضا، وكان علاء يدرس هندسة الديكورات في إحدى الجامعات الخاصة بسوريا، ولم يتمكن من إكمال دراسته جراء تدهور حالة أسرته الاقتصادية بفعل الحرب ودمار القسم الأكبر من ممتلكاتهم.

استمرت علاقة الحب لفترة طويلة بين الشابين الفلسطينيين، وكانا ينتظران أن يتما دراستهما كما جرت عليه العادة في مخيمها، كي يرتبطا بشكل رسمي، غير أن ظروف الحرب السورية وتسارع الأحداث كسر القاعدة.

وفي 16 . 12 . 2012 ضربت طائرة الميغ مخيم اليرموك وتبعتها معارك وعمليات قصف تسببت في تهجير الجزء الأكبر من أهالي المخيم، ومن بينهم سارة وعائلتها التي كانت من أوائل المغادرين. في حين آثر علاء البقاء في المخيم وعدم الخروج وهو خيار العدد الأقل من السكان.

سافرت سارة مع عائلتها إلى بلغاريا ومكثوا فيها فترة من الوقت، ومع مرور الوقت اشتد الحصار على اليرموك وأصبح يصعب دخول وخروج الأشخاص، فقرر علاء وسارة عقد قرانهما عبر السكايب بحضور الشهود من ذويهما في بلغاريا ومخيم اليرموك على شاشة الإنترنت.

وبعد ذلك، قررت سارة إقناع أهلها بفكرة رغبتها بالعودة إلى سوريا، وإيجاد طريقة للدخول إلى المخيم المحاصر والعيش مع علاء في حياة زوجية تكون خلاصة حب طويل بينهما.

وبعد جهود لإقناع الأهل، تمكنت سارة من النزول إلى العاصمة دمشق والمكوث فيها رغم ظروف الحرب، بانتظار إيجاد طريقة للدخول إلى اليرموك المحاصر والذي يمنع الدخول والخروج منه.

وفي الـ28 من كانون ثاني / يناير / 2014 وهو عيد ميلاد سارة الـ23، استشهد علاء بشظايا قذيفة أصابته داخل مخيم اليرموك، لينتهي الزواج الذي لم يكتب فيه لقاء بين الزوج وزوجته بعد عقد القران إطلاقا، كما كانت حسرة في قلب سارة أنها لم تستطع أن تودع حبيبها حتى.

وعلى الرغم من ذلك أصرت سارة على الدخول للمخيم، كما أصرت على شراء القبر المجاور لقبر علاء في مقبرة الشهداء القديمة باليرموك.

وبعد مدة، أي في شباط/ فبراير 2014 نجحت الشابة في دخول اليرموك، لتكابد ويلات الحصار فيه طيلة عام وشهرين.

وفي آذار/ مارس 2015م، بدأت عملية توزيع طرود المساعدات الغذائية من قبل وكالة الغوث "أونروا" على أهالي مخيم اليرموك في منطقة شارع فلسطين بالقرب من بلدية اليرموك التي تسيطر عليها قوات النظام السوري.

وكانت سارة ضمن مئات المحاصرين الذين ينتظرون دورهم للحصول على كرتونة المساعدة نتيجة انعدام المواد الغذائية والطبية عن السكان بفعل حصار قوات النظام للمخيم ومنعها الطعام والدواء عنهم. دون إغفال عملية الاحتكار التي مارسها تجار الحرب وشخصيات محسوبة على الجهات التي تحكم اليرموك وهو ما زاد معاناة المدنيين المحاصرين.

وفي الـ19 من آذار، بينما كانت سارة تتسلم طرد المساعدات، أطلق قناص النظام المتمركز على سطح بلدية اليرموك، رصاصة أصابت الشابة سارة وأدت بعد وقت قصير لاستشهادها. لتدفن إلى جانب حبيبها علاء في قصة شبيهة بقصص الأفلام، بنكهة فلسطينية سورية.

الوسوم

مقالات , فلسطينيو سورية , حصار , موت , قصة عشق ,

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/8982