map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

3989

هذه حكايتي (29) اللاجئ الفلسطيني: "حسين" ماذا بعد محاولة إعدامي وخطفي وتعذيبي

تاريخ النشر : 29-01-2018
هذه حكايتي (29) اللاجئ الفلسطيني: "حسين" ماذا بعد محاولة إعدامي وخطفي وتعذيبي

مجموعة العمل – أثير المقدسي

قصة جديدة من حكايات معاناة اللاجئ الفلسطيني اليومية والمتواصلة، قد جمعت أصناف منوعة من رحلة العذاب المحفوفة بالمخاطر دوماً، بين محاولة الإعدام من قبل قوات النظام السوري إلى خطفه على يد عصابة مسلحة ودفعه فدية مالية ثمناً لحياته، ثم القهر والمعاملة السيئة في الشقيقة لبنان، إلى عبور الحدود التركية والضرب بالبنادق من قبل الجندرمة وضياع نجله، ثم ركوب قوارب الموت إلى أوروبا.

حسين لاجئ فلسطيني من مواليد لبنان، يحمل وثيقة سفر فلسطينية سورية، لجأ إلى المخيمات الفلسطينية في سورية مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1977 ، تخرج من معهد آثار ومتاحف في دمشق، وعمل في شركة تعهدات إكساء وديكور في الإمارات وقبل أحداث الحرب في سورية بشهرين عاد إليها، وتنقل بين مخيم اليرموك والذيابية بريف دمشق

صرت كالمجنون أبحث عن جثتي

مع بدء أحداث الحرب افتتح حسين متجراً لبيع المواد الغذائية في الذيابية، وفي الشهر السادس من عام 2012 سيطرت المعارضة السورية على منطقة الذيابية حينها خرجت عائلته إلى منزلها في مخيم اليرموك، وبقي حسين وحيداً في منزله بالذيابية خوفاً على المنزل والمتجر من السرقة.

 يقول حسين جرت ذلك اليوم معركة عنيفة بين النظام والمعارضة في الذيابية ولم أستطع الخروج من المنزل، وبالفعل سيطر الجيش النظامي على المنطقة، ولم يكن لدي أي تواصل مع الخارج، وبدأت أسمع صوت خلع المنازل وإطلاق النار، فعلمت حينها أن عملية تطهير تجري.

 خلعت ثيابي العلوية وجلست انتظر دور منزلي، وحين سمعت كسر الباب الخارجي ودخول عدد كبير من الأشخاص كنت أسمع أصواتهم ووقع أقدامهم صرخت بصوت عالي من هناك، أطلقوا عدة طلقات وطالبوني بالخروج رافعاً ذراعي، أكثر من 20 جندياً بدأوا بتوجيه الأسئلة، من أنت وماذا تفعل هنا وكم شخص بالمنزل، أخبرتهم بأني صاحب المنزل ولوحدي، ثم طلبوا بطاقتي الشخصية وكان مسجلاً فيها مكان إقامتي حمص لأني عشت فترة من الزمن في مخيم العائدين، وعندما قرأوا ذلك أخذوا بضربي.

يضيف حسين جن جنون أحدهم لأني قلت له لا أعرف أحداً من المجموعات المسلحة، أوقفني بعنف على الجدار ولقم سلاحه ووجهه لمؤخرة رأسي وسمعت صوت إطلاق النار ثم أفلتني، فصرت مثل المجنون أتلمس جسدي وأنظر للأسفل أبحث عن جثتي، ثم تركوني بأمر من أحد الضباط وهددوني بعدم الخروج من المنزل، وبقيت فيه خمسة أيام بالجوع وقليل من الماء، وحاولت الخروج لكن القناصات كانت ترصد الطرق، وخاطرت بنفسي وأطلقوا علي النار حتى استطعت الخروج من المنطقة والوصول إلى عائلتي في مخيم اليرموك.

يوم خطفت ودفعت فديتي

بعد خروج حسين من محنته في الذيابية دخل في بلاء أكبر، يذكر حسين "بقينا فترة من الزمن في مخيم اليرموك إلى أن جاء ذلك اليوم المشؤوم "ضربة الميغ" والتي قتل فيها أكثر من 100 مدنياً وهجّر على إثرها آلاف اللاجئين الفلسطينيين.

نزحت مع عائلتي إلى منطقة الهامة في ريف دمشق، وبعد عدة زيارات إلى مخيم اليرموك أدخلت خلالها بعض المواد الغذائية، اعتقلني عناصر مجموعة معارضة لمدة يومين في المخيم بتهمة التعامل مع النظام.

وفي أحد أيام شهر أذار عام 2013 وبعد خروجي من مخيم اليرموك متوجهاً إلى عائلتي في الهامة، أوقفت سيارة أجرة وطلب مني السائق الركوب بسعر مغري إلى الهامة، فوافقت وبعد ركوبي بقليل صعد راكب آخر في المقعد الخلفي.

وبعد قليل انحرف السائق عن الطريق وبدء يدخل بأزقة قديمة ارتبت وطلبت منه أن يتوقف كي أنزل ولكني فوجئت بالراكب الجالس خلفي يضع مسدس حربي على رأسي، ويأمرني بالصمت، ثم توقفت السيارة بأحد الأزقة وأغمضوا عيني ووضعوني في صندوق السيارة الخلفي، وقادوني إلى منزل قديم وتم تجريدي من ملابسي ووضعوني بداخل غرفة، وطلبوا مني أن أتصل بعائلتي لتأمين فدية حياتي ومقدارها 2 مليون ليرة سورية، وبعد معاناة وتفاوض حول الفدية، دفعنا مبلغ 850 ألف ليرة سورية وعدت إلى عائلتي في الهامة.

12 يوماً من التعذيب المتواصل

يردف حسين قائلاً حاولت الدخول إلى مخيم اليرموك عن طريق منطقة الحسينية، وتم توقيفي عند حاجز الحسينية بعدما قرأوا على بطاقتي الشخصية مكان إقامتي حمص، أخذوا يضربوني بداخل غرفة على الحاجز، ثم تم نقلي الى منطقة السيدة زينب، وهناك أمضيت 12 يوماً من التعذيب المتواصل، كنت أظن أن اعتقالي كان عشوائياً لكن بعد ذلك اكتشفت أنهم يعرفون من أنا ويسألوني عن أشخاص من المعارضة داخل المخيم كنت أعرفهم وأصادفهم احياناً عند دخولي للمخيم، ثم أطلق سراحي وطلبوا مني عدم العودة للمخيم وإذا حاولت الدخول سأقتل.

القصف والهجرة من جديد

في الشهر التاسع من عام 2013 بدء قصف على منطقة الهامة بشكل هستيري، أصيب المنزل الذي كنت أقطنه بعدة قذائف وأصيبت زوجتي إصابة خفيفة، لم يعد البيت آمناً ولم يكن بمقدورنا مغادرته بسبب القنص وشدة القصف، وفي النهاية غادرنا المنزل لبناء آخر فيه قبو.

 بعدها تواصلت مع أحد أصدقائي وانتقلت الى قرية في ريف السويداء تدعى "شقا"، وهناك تعرضت للمضايقات من أحد الضباط يدعى فرزان حيث اعتبرنا عائلة إرهابية، وكانت المداهمات لمنزلي الذي استأجرته بشكل شبه يومي ومضايقات لا تنتهي، وفي النهاية غادرت مرتحلاً إلى لبنان.

وما أدراك ما لبنان

وعن رحلته ومعاناته في لبنان يكمل حسين حديثه وبين كلماته حسرة ولوعة "بعد قرابة 40 ساعة من الانتظار والإهانة على الحدود اللبنانية السورية تمكنت وعائلتي من الدخول إليها في شهر 1 /2014، ووجدت غرفة من الصفيح (الزينكو) في حي الصفصاف في مخيم عين الحلوة جنوب لبنان، وبعد دفعي لبدل الإيجار لم يتبقى معي أية نقود.

بدأت العمل كبائع قهوة جوال لمدة ثلاثة أشهر إلا أن المردود لم يكن كافياً، وفي ذات صباح كنت أسير في إحدى طرقات مدينة صيدا وإذا بمجموعة شباب ينهالوا عليّ بالضرب وأفرغوا القهوة الساخنة على جسدي، وهم يشتمون ويتلفظون بألفاظ عنصرية، عدت للمنزل وقد اسودت الدنيا في وجهي ووجه أسرتي، قررت المضي ولم يكن لدي أي خيار، ثم عملت كعامل تنظيف وتفريغ وبراتب زهيد هنا في إحدى الشركات، ثم اضطررت حينها لأدفع ابني عبد الرحمن ابن 10 سنوات إلى العمل  وكان من أصعب القرارات التي اتخذتها في حياتي.

وضعت بضعة أكياس من البهارات في صندوق (سحارة)، وبدأ عبد الرحمن يجول في سوق المخيم وبعد أن أنتهي من عملي آخذ مكانه، وأتجول وبدأت الأمور المادية بالتحسن وبشكل سريع تركت عملي في شركة الديكور واستأجرت عربة في سوق مخيم عين الحلوة، ولكن كانت هناك مشكلة تواجه كل فلسطيني سوري في لبنان وهي الإقامة.

فتم توقيفي على حاجز مخيم عين الحلوة بسبب مخالفتي للإقامة لبضع ساعات حينها اتخذت قرار الهجرة

الجندرمة والضرب بالبنادق

بعد توجهه إلى سورية مع عائلته استأجر لزوجته والأولاد منزلاً في منطقة الحرجلّة بريف دمشق، واتفق مع مهرب للسفر مع ابنه عبد الرحمن، ويضيف

 حسين خرجنا من مطار دمشق إلى مطار القامشلي شمال شرق سورية، وأخذنا المهرب الى منطقة تل ابيض كي نعبر منها إلى تركيا وهناك تم بيعنا لمهرب آخر، كان يوم ثلاثاء في أواخر تشرين الأول وعند الغروب طلب منا المهرب السير معه باتجاه الحدود وأخبرنا انه بعد 300 متر من الطرف الثاني للحدود سيكون هناك شخص بانتظارنا.

 كنا 9 اشخاص 3 رجال 4 نساء وفتاتين، قدر لنا أن نكون كلنا من اللاجئين الفلسطينيين، عبرنا الشريط الشائك وبعد عدة أمتار رصدنا الجيش التركي وبدء يطلق النار باتجاهنا لم نكن نستطيع العودة، كان أمامنا حقل ذرة دخلنا واختبأنا ما يقارب الساعة كنا نسمع خطوات الجنود كنا نحس بأنفاسهم، وعندما غادروا عبرنا من طريق إسفلتية لحقل آخر، وإذا برجل ينادي علينا يا أهل الشام حمد لله على سلامتكم أخرجوا، ظنناه المهرب لكن تبين أنه قروي واتصل بالجيش التركي، وفعلاً جاء 6 عساكر اتراك.

توقفت بنا العربة بجانب الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا أنزلونا وأخذو حقائبنا وأفرغوها على الأرض وأشعلوا بكل محتوياتها النيران، وطلبوا من الفتاتين العبور عبر فتحة في الشريط الشائك إلى سوريا، ثم أحضروا صغار السن وابني عبد الرحمن بينهم وأخذوا يصفعوهم على وجوههم ومن ثم بالعصي على أيديهم وأرجلهم، ثم أخذوا ابني عبد الرحمن وطلبوا منه العبور عبر الشريط باتجاه سورية، وبعد قليل طلبوا من باقي القصّر العبور، وبقيت أنا ورجلين مستلقين على بطوننا وهنا أخرج الجنود عصي غليظة وحبال من الكوشوك وبدأوا بجلدنا وضربنا لأكثر من ساعة متواصلة، وكانوا كلما تعب اثنان منهم يبادر آخران، ثم  شكلوا حلقة وأدخلونا فرداً فرداً، ويضعوا الشخص بالمنتصف وينهالوا عليه بالضرب بأعقاب البنادق وبخوذهم وأرجلهم حتى يفقد الوعي أو يتوقف عن الحراك، بعدها يحملوه من أطرافه ويلقوه عبر الشريط الشائك باتجاه سورية.

 كنت انا آخر شخص في المجموعة انهالوا علي بالضرب، ولكن صدقا برحمة من الله لم اكن أعي أي حملوني وألقوا بي ثم أطلقوا النار باتجاهنا لم نكن نقوى على الركض أو حتى السير نزحف تارة وتضرب أجسادنا بالأحجار تارة.

ضياع ولدي عبد الرحمن

كنت أصرخ منادياً ابني عبد الرحمن فخرج من وراء تل صغير على صوتنا عدداً من أفراد مجموعتنا، سألتهم عن ابني فقالوا أخرجوه قبلنا بوقت وحين خرجنا لم يكن موجوداً.

الظلام دامس وصرخنا جميعاً على عبد الرحمن، ولكن لم يجب فلم يكون موجوداً بدأنا بالسير ولم نكن نعلم أين نحن أو حتى بأي جهة يجب أن نسير حتى وجدنا منزلاً، استضافنا وأكرمنا صاحب المنزل، سألناه عن المهرب وعلى الوصف عرفه واتصل به ثم أتى المهرب.

 وبدأت رحلة البحث عن ابني عبد الرحمن، أخبرني المهرب أنه يحتاج إلى أشخاص للبحث عن ابني بالدراجات النارية ولكن بأجر مادي فوافقت وأخذنا نبحث عن عبد الرحمن، وفي الفجر عثرنا عليه عند عائلة من البدو كانوا قد استضافوه، ووصلنا إليه والخوف يتملكه، ويظن أن الجيش التركي قتلني.

عدنا من حيث بدأنا بحسب قول حسين، ونقلنا المهرب إلى نقطة أخرى لكن كان الطريق صعباً ولن يستطيع عبوره إلا الرجال، والمشكلة أن نجلي عبد الرحمن كان في 12 من عمره، وبالفعل أتت سيارة مغلقة وركبنا فيها وطلب منا السائق ان نقفز من السيارة بمجرد أن يخفف السرعة ولكنه لن يقف وبالفعل قفزنا تباعاً، وزحفنا في حقل قطن قرابة نصف ساعة، وكان ممنوع علينا ان نرفع أجسادنا أو نثير الغبار واستمرينا بالزحف إلى خندق.

بعدها سبقني ابني عبد الرحمن باتجاه الخندق لكنه حين وصل إليه وتردد في النزول فأخبرته أن يسرع، وبالفعل قفز لداخل الخندق وحين وصلت الخندق صدمت فقد كان الخندق عميقاً أكثر من مترين، ثم خرجنا منه بصعوبة ودخلنا في أرض زراعية حتى وصلنا إلى مهرب آخر وركبنا في السيارة معه، وأوصلنا إلى كراجات المنطقة وحجز لنا في باص لنقل الركاب إلى مدينة أزمير حتى نكمل مشوارنا إلى أوروبا.

قوارب الموت إلى أوروبا

بعد وصول حسين إلى مدينة أزمير تواصل مع أحد المهربين للوصول بحراً إلى الجزر اليونانية، وبعد هدوء الأمواج اتجه حسين مع نجله عبد الرحمن إلى نقطة التجمع وهي عبارة عن أرض بعيدة عن المدينة وانتظرنا هناك حتى المساء وكان البرد شديداً، ثم أتت سيارة مغلقة نقلتنا على غابة ثم مشينا إلى نقطة الانطلاق بالقرب من ساحل البحر، وهنا بدء تجهيز القوارب المطاطية كانوا 4 قوارب وكنا ما يقارب 150 الى 170 شخص.

ويضيف انطلقت القوارب وكان من المفترض أن يصل قاربنا بعد ساعة من الانطلاق، وما إن دخل القارب إلى المياه المفتوحة حتى بدأت الأمواج تعلو بشكل مخيف وبدء القارب يمتلئ بالمياه، كنا نشاهد أضواء الجزيرة وهذا ما أعطانا الأمل مضت اكثر من ساعة والقارب يسير ببطىء نتيجة الوزن الزائد من الركاب والمياه التي غمرته كلياً وارتفع الموج، فأرسلنا نداءات الاستغاثة عن طريق الأجهزة الخليوية التي لدينا اتصلنا بأهلنا.

وبعد قليل شاهدنا أحد القوارب قد غرق وكنا نشاهد حال الناس فيه وتخبطهم كانوا أقرب الى الشاطئ التركي منا، وساد جو من الخوف في قاربنا وانقسمت آراء الناس بين من يريد أن يستمر ومن يريد العودة، مضت خمس ساعات ولم نصل والقارب بالكاد يتحرك، ونحن نحاول إخراج المياه وألقينا بكل متاعنا ولكن دون فائدة كنا نشاهد قوارب تمر بمحاذاتنا ونلوح لهم طالبين المساعدة ولكن بدون فائدة مضت ثمان ساعات ونحن في المياه نفذ منا الوقود ونحن بالقرب من صخرة كبيرة كانت أصغر من أن تكون جزيرة، وبالفعل وصلنا إلى الصخرة في الساعة الثانية ظهراً اشعلنا ناراً بستر النجاة، ولم نكن نعلم هل نحن بالمياه التركية أم اليونانية وغربت الشمس وأظلمت الدنيا وبدء الجوع والعطش بالأخص بالنسبة للأطفال واستمر هذا الوضع حتى العاشرة مساءً، ووجدنا بعض الصيادين وأبلغوا خفر السواحل اليوناني ثم أقلونا الى إحدى الجزر اليونانية الكبيرة ومنها انطلقنا بسفينة ركاب إلى أثينا.

طريق البر الأوروبي

ومن أثينا ركبنا حافلة إلى الحدود المقدونية ومن الحدود المقدونية ركبنا بالقطار إلى الحدود الصربية، وهناك مشينا لمدة 4ساعات الى مركز للصليب الأحمر، ومن هناك ركبنا حافلات إلى كرواتيا وفي كرواتيا كان الوضع بعيداً كل البعد عن الإنسانية إهانة وإذلال وبرد قارس، ولمدة أربعة ايام كنا نفترش الأرض بدون أغطية وممنوع علينا إشعال نيران للتدفئة، كانت درجات الحرارة 4 أو 5 تحت الصفر، وفي كرواتيا تنقلنا أكثر من مرة في عدة أماكن ومن ثم وضعنا بقطار الى سلوفينيا ثم الى النمسا فألمانيا، ثم هولندا.

وينهي حسين قصته بأن اللاجئ الفلسطيني لطالما حمل آلاماً ومآسي كثيرة إلا أن أمله بهذا الشعب كبيراً، مبشراً بعودته إلى وطنه الأول فلسطين والثاني سورية ومخيمات لجوء الشتات الفلسطيني وبأن الظلم والقهر لن يستمر.

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/8986

مجموعة العمل – أثير المقدسي

قصة جديدة من حكايات معاناة اللاجئ الفلسطيني اليومية والمتواصلة، قد جمعت أصناف منوعة من رحلة العذاب المحفوفة بالمخاطر دوماً، بين محاولة الإعدام من قبل قوات النظام السوري إلى خطفه على يد عصابة مسلحة ودفعه فدية مالية ثمناً لحياته، ثم القهر والمعاملة السيئة في الشقيقة لبنان، إلى عبور الحدود التركية والضرب بالبنادق من قبل الجندرمة وضياع نجله، ثم ركوب قوارب الموت إلى أوروبا.

حسين لاجئ فلسطيني من مواليد لبنان، يحمل وثيقة سفر فلسطينية سورية، لجأ إلى المخيمات الفلسطينية في سورية مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1977 ، تخرج من معهد آثار ومتاحف في دمشق، وعمل في شركة تعهدات إكساء وديكور في الإمارات وقبل أحداث الحرب في سورية بشهرين عاد إليها، وتنقل بين مخيم اليرموك والذيابية بريف دمشق

صرت كالمجنون أبحث عن جثتي

مع بدء أحداث الحرب افتتح حسين متجراً لبيع المواد الغذائية في الذيابية، وفي الشهر السادس من عام 2012 سيطرت المعارضة السورية على منطقة الذيابية حينها خرجت عائلته إلى منزلها في مخيم اليرموك، وبقي حسين وحيداً في منزله بالذيابية خوفاً على المنزل والمتجر من السرقة.

 يقول حسين جرت ذلك اليوم معركة عنيفة بين النظام والمعارضة في الذيابية ولم أستطع الخروج من المنزل، وبالفعل سيطر الجيش النظامي على المنطقة، ولم يكن لدي أي تواصل مع الخارج، وبدأت أسمع صوت خلع المنازل وإطلاق النار، فعلمت حينها أن عملية تطهير تجري.

 خلعت ثيابي العلوية وجلست انتظر دور منزلي، وحين سمعت كسر الباب الخارجي ودخول عدد كبير من الأشخاص كنت أسمع أصواتهم ووقع أقدامهم صرخت بصوت عالي من هناك، أطلقوا عدة طلقات وطالبوني بالخروج رافعاً ذراعي، أكثر من 20 جندياً بدأوا بتوجيه الأسئلة، من أنت وماذا تفعل هنا وكم شخص بالمنزل، أخبرتهم بأني صاحب المنزل ولوحدي، ثم طلبوا بطاقتي الشخصية وكان مسجلاً فيها مكان إقامتي حمص لأني عشت فترة من الزمن في مخيم العائدين، وعندما قرأوا ذلك أخذوا بضربي.

يضيف حسين جن جنون أحدهم لأني قلت له لا أعرف أحداً من المجموعات المسلحة، أوقفني بعنف على الجدار ولقم سلاحه ووجهه لمؤخرة رأسي وسمعت صوت إطلاق النار ثم أفلتني، فصرت مثل المجنون أتلمس جسدي وأنظر للأسفل أبحث عن جثتي، ثم تركوني بأمر من أحد الضباط وهددوني بعدم الخروج من المنزل، وبقيت فيه خمسة أيام بالجوع وقليل من الماء، وحاولت الخروج لكن القناصات كانت ترصد الطرق، وخاطرت بنفسي وأطلقوا علي النار حتى استطعت الخروج من المنطقة والوصول إلى عائلتي في مخيم اليرموك.

يوم خطفت ودفعت فديتي

بعد خروج حسين من محنته في الذيابية دخل في بلاء أكبر، يذكر حسين "بقينا فترة من الزمن في مخيم اليرموك إلى أن جاء ذلك اليوم المشؤوم "ضربة الميغ" والتي قتل فيها أكثر من 100 مدنياً وهجّر على إثرها آلاف اللاجئين الفلسطينيين.

نزحت مع عائلتي إلى منطقة الهامة في ريف دمشق، وبعد عدة زيارات إلى مخيم اليرموك أدخلت خلالها بعض المواد الغذائية، اعتقلني عناصر مجموعة معارضة لمدة يومين في المخيم بتهمة التعامل مع النظام.

وفي أحد أيام شهر أذار عام 2013 وبعد خروجي من مخيم اليرموك متوجهاً إلى عائلتي في الهامة، أوقفت سيارة أجرة وطلب مني السائق الركوب بسعر مغري إلى الهامة، فوافقت وبعد ركوبي بقليل صعد راكب آخر في المقعد الخلفي.

وبعد قليل انحرف السائق عن الطريق وبدء يدخل بأزقة قديمة ارتبت وطلبت منه أن يتوقف كي أنزل ولكني فوجئت بالراكب الجالس خلفي يضع مسدس حربي على رأسي، ويأمرني بالصمت، ثم توقفت السيارة بأحد الأزقة وأغمضوا عيني ووضعوني في صندوق السيارة الخلفي، وقادوني إلى منزل قديم وتم تجريدي من ملابسي ووضعوني بداخل غرفة، وطلبوا مني أن أتصل بعائلتي لتأمين فدية حياتي ومقدارها 2 مليون ليرة سورية، وبعد معاناة وتفاوض حول الفدية، دفعنا مبلغ 850 ألف ليرة سورية وعدت إلى عائلتي في الهامة.

12 يوماً من التعذيب المتواصل

يردف حسين قائلاً حاولت الدخول إلى مخيم اليرموك عن طريق منطقة الحسينية، وتم توقيفي عند حاجز الحسينية بعدما قرأوا على بطاقتي الشخصية مكان إقامتي حمص، أخذوا يضربوني بداخل غرفة على الحاجز، ثم تم نقلي الى منطقة السيدة زينب، وهناك أمضيت 12 يوماً من التعذيب المتواصل، كنت أظن أن اعتقالي كان عشوائياً لكن بعد ذلك اكتشفت أنهم يعرفون من أنا ويسألوني عن أشخاص من المعارضة داخل المخيم كنت أعرفهم وأصادفهم احياناً عند دخولي للمخيم، ثم أطلق سراحي وطلبوا مني عدم العودة للمخيم وإذا حاولت الدخول سأقتل.

القصف والهجرة من جديد

في الشهر التاسع من عام 2013 بدء قصف على منطقة الهامة بشكل هستيري، أصيب المنزل الذي كنت أقطنه بعدة قذائف وأصيبت زوجتي إصابة خفيفة، لم يعد البيت آمناً ولم يكن بمقدورنا مغادرته بسبب القنص وشدة القصف، وفي النهاية غادرنا المنزل لبناء آخر فيه قبو.

 بعدها تواصلت مع أحد أصدقائي وانتقلت الى قرية في ريف السويداء تدعى "شقا"، وهناك تعرضت للمضايقات من أحد الضباط يدعى فرزان حيث اعتبرنا عائلة إرهابية، وكانت المداهمات لمنزلي الذي استأجرته بشكل شبه يومي ومضايقات لا تنتهي، وفي النهاية غادرت مرتحلاً إلى لبنان.

وما أدراك ما لبنان

وعن رحلته ومعاناته في لبنان يكمل حسين حديثه وبين كلماته حسرة ولوعة "بعد قرابة 40 ساعة من الانتظار والإهانة على الحدود اللبنانية السورية تمكنت وعائلتي من الدخول إليها في شهر 1 /2014، ووجدت غرفة من الصفيح (الزينكو) في حي الصفصاف في مخيم عين الحلوة جنوب لبنان، وبعد دفعي لبدل الإيجار لم يتبقى معي أية نقود.

بدأت العمل كبائع قهوة جوال لمدة ثلاثة أشهر إلا أن المردود لم يكن كافياً، وفي ذات صباح كنت أسير في إحدى طرقات مدينة صيدا وإذا بمجموعة شباب ينهالوا عليّ بالضرب وأفرغوا القهوة الساخنة على جسدي، وهم يشتمون ويتلفظون بألفاظ عنصرية، عدت للمنزل وقد اسودت الدنيا في وجهي ووجه أسرتي، قررت المضي ولم يكن لدي أي خيار، ثم عملت كعامل تنظيف وتفريغ وبراتب زهيد هنا في إحدى الشركات، ثم اضطررت حينها لأدفع ابني عبد الرحمن ابن 10 سنوات إلى العمل  وكان من أصعب القرارات التي اتخذتها في حياتي.

وضعت بضعة أكياس من البهارات في صندوق (سحارة)، وبدأ عبد الرحمن يجول في سوق المخيم وبعد أن أنتهي من عملي آخذ مكانه، وأتجول وبدأت الأمور المادية بالتحسن وبشكل سريع تركت عملي في شركة الديكور واستأجرت عربة في سوق مخيم عين الحلوة، ولكن كانت هناك مشكلة تواجه كل فلسطيني سوري في لبنان وهي الإقامة.

فتم توقيفي على حاجز مخيم عين الحلوة بسبب مخالفتي للإقامة لبضع ساعات حينها اتخذت قرار الهجرة

الجندرمة والضرب بالبنادق

بعد توجهه إلى سورية مع عائلته استأجر لزوجته والأولاد منزلاً في منطقة الحرجلّة بريف دمشق، واتفق مع مهرب للسفر مع ابنه عبد الرحمن، ويضيف

 حسين خرجنا من مطار دمشق إلى مطار القامشلي شمال شرق سورية، وأخذنا المهرب الى منطقة تل ابيض كي نعبر منها إلى تركيا وهناك تم بيعنا لمهرب آخر، كان يوم ثلاثاء في أواخر تشرين الأول وعند الغروب طلب منا المهرب السير معه باتجاه الحدود وأخبرنا انه بعد 300 متر من الطرف الثاني للحدود سيكون هناك شخص بانتظارنا.

 كنا 9 اشخاص 3 رجال 4 نساء وفتاتين، قدر لنا أن نكون كلنا من اللاجئين الفلسطينيين، عبرنا الشريط الشائك وبعد عدة أمتار رصدنا الجيش التركي وبدء يطلق النار باتجاهنا لم نكن نستطيع العودة، كان أمامنا حقل ذرة دخلنا واختبأنا ما يقارب الساعة كنا نسمع خطوات الجنود كنا نحس بأنفاسهم، وعندما غادروا عبرنا من طريق إسفلتية لحقل آخر، وإذا برجل ينادي علينا يا أهل الشام حمد لله على سلامتكم أخرجوا، ظنناه المهرب لكن تبين أنه قروي واتصل بالجيش التركي، وفعلاً جاء 6 عساكر اتراك.

توقفت بنا العربة بجانب الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا أنزلونا وأخذو حقائبنا وأفرغوها على الأرض وأشعلوا بكل محتوياتها النيران، وطلبوا من الفتاتين العبور عبر فتحة في الشريط الشائك إلى سوريا، ثم أحضروا صغار السن وابني عبد الرحمن بينهم وأخذوا يصفعوهم على وجوههم ومن ثم بالعصي على أيديهم وأرجلهم، ثم أخذوا ابني عبد الرحمن وطلبوا منه العبور عبر الشريط باتجاه سورية، وبعد قليل طلبوا من باقي القصّر العبور، وبقيت أنا ورجلين مستلقين على بطوننا وهنا أخرج الجنود عصي غليظة وحبال من الكوشوك وبدأوا بجلدنا وضربنا لأكثر من ساعة متواصلة، وكانوا كلما تعب اثنان منهم يبادر آخران، ثم  شكلوا حلقة وأدخلونا فرداً فرداً، ويضعوا الشخص بالمنتصف وينهالوا عليه بالضرب بأعقاب البنادق وبخوذهم وأرجلهم حتى يفقد الوعي أو يتوقف عن الحراك، بعدها يحملوه من أطرافه ويلقوه عبر الشريط الشائك باتجاه سورية.

 كنت انا آخر شخص في المجموعة انهالوا علي بالضرب، ولكن صدقا برحمة من الله لم اكن أعي أي حملوني وألقوا بي ثم أطلقوا النار باتجاهنا لم نكن نقوى على الركض أو حتى السير نزحف تارة وتضرب أجسادنا بالأحجار تارة.

ضياع ولدي عبد الرحمن

كنت أصرخ منادياً ابني عبد الرحمن فخرج من وراء تل صغير على صوتنا عدداً من أفراد مجموعتنا، سألتهم عن ابني فقالوا أخرجوه قبلنا بوقت وحين خرجنا لم يكن موجوداً.

الظلام دامس وصرخنا جميعاً على عبد الرحمن، ولكن لم يجب فلم يكون موجوداً بدأنا بالسير ولم نكن نعلم أين نحن أو حتى بأي جهة يجب أن نسير حتى وجدنا منزلاً، استضافنا وأكرمنا صاحب المنزل، سألناه عن المهرب وعلى الوصف عرفه واتصل به ثم أتى المهرب.

 وبدأت رحلة البحث عن ابني عبد الرحمن، أخبرني المهرب أنه يحتاج إلى أشخاص للبحث عن ابني بالدراجات النارية ولكن بأجر مادي فوافقت وأخذنا نبحث عن عبد الرحمن، وفي الفجر عثرنا عليه عند عائلة من البدو كانوا قد استضافوه، ووصلنا إليه والخوف يتملكه، ويظن أن الجيش التركي قتلني.

عدنا من حيث بدأنا بحسب قول حسين، ونقلنا المهرب إلى نقطة أخرى لكن كان الطريق صعباً ولن يستطيع عبوره إلا الرجال، والمشكلة أن نجلي عبد الرحمن كان في 12 من عمره، وبالفعل أتت سيارة مغلقة وركبنا فيها وطلب منا السائق ان نقفز من السيارة بمجرد أن يخفف السرعة ولكنه لن يقف وبالفعل قفزنا تباعاً، وزحفنا في حقل قطن قرابة نصف ساعة، وكان ممنوع علينا ان نرفع أجسادنا أو نثير الغبار واستمرينا بالزحف إلى خندق.

بعدها سبقني ابني عبد الرحمن باتجاه الخندق لكنه حين وصل إليه وتردد في النزول فأخبرته أن يسرع، وبالفعل قفز لداخل الخندق وحين وصلت الخندق صدمت فقد كان الخندق عميقاً أكثر من مترين، ثم خرجنا منه بصعوبة ودخلنا في أرض زراعية حتى وصلنا إلى مهرب آخر وركبنا في السيارة معه، وأوصلنا إلى كراجات المنطقة وحجز لنا في باص لنقل الركاب إلى مدينة أزمير حتى نكمل مشوارنا إلى أوروبا.

قوارب الموت إلى أوروبا

بعد وصول حسين إلى مدينة أزمير تواصل مع أحد المهربين للوصول بحراً إلى الجزر اليونانية، وبعد هدوء الأمواج اتجه حسين مع نجله عبد الرحمن إلى نقطة التجمع وهي عبارة عن أرض بعيدة عن المدينة وانتظرنا هناك حتى المساء وكان البرد شديداً، ثم أتت سيارة مغلقة نقلتنا على غابة ثم مشينا إلى نقطة الانطلاق بالقرب من ساحل البحر، وهنا بدء تجهيز القوارب المطاطية كانوا 4 قوارب وكنا ما يقارب 150 الى 170 شخص.

ويضيف انطلقت القوارب وكان من المفترض أن يصل قاربنا بعد ساعة من الانطلاق، وما إن دخل القارب إلى المياه المفتوحة حتى بدأت الأمواج تعلو بشكل مخيف وبدء القارب يمتلئ بالمياه، كنا نشاهد أضواء الجزيرة وهذا ما أعطانا الأمل مضت اكثر من ساعة والقارب يسير ببطىء نتيجة الوزن الزائد من الركاب والمياه التي غمرته كلياً وارتفع الموج، فأرسلنا نداءات الاستغاثة عن طريق الأجهزة الخليوية التي لدينا اتصلنا بأهلنا.

وبعد قليل شاهدنا أحد القوارب قد غرق وكنا نشاهد حال الناس فيه وتخبطهم كانوا أقرب الى الشاطئ التركي منا، وساد جو من الخوف في قاربنا وانقسمت آراء الناس بين من يريد أن يستمر ومن يريد العودة، مضت خمس ساعات ولم نصل والقارب بالكاد يتحرك، ونحن نحاول إخراج المياه وألقينا بكل متاعنا ولكن دون فائدة كنا نشاهد قوارب تمر بمحاذاتنا ونلوح لهم طالبين المساعدة ولكن بدون فائدة مضت ثمان ساعات ونحن في المياه نفذ منا الوقود ونحن بالقرب من صخرة كبيرة كانت أصغر من أن تكون جزيرة، وبالفعل وصلنا إلى الصخرة في الساعة الثانية ظهراً اشعلنا ناراً بستر النجاة، ولم نكن نعلم هل نحن بالمياه التركية أم اليونانية وغربت الشمس وأظلمت الدنيا وبدء الجوع والعطش بالأخص بالنسبة للأطفال واستمر هذا الوضع حتى العاشرة مساءً، ووجدنا بعض الصيادين وأبلغوا خفر السواحل اليوناني ثم أقلونا الى إحدى الجزر اليونانية الكبيرة ومنها انطلقنا بسفينة ركاب إلى أثينا.

طريق البر الأوروبي

ومن أثينا ركبنا حافلة إلى الحدود المقدونية ومن الحدود المقدونية ركبنا بالقطار إلى الحدود الصربية، وهناك مشينا لمدة 4ساعات الى مركز للصليب الأحمر، ومن هناك ركبنا حافلات إلى كرواتيا وفي كرواتيا كان الوضع بعيداً كل البعد عن الإنسانية إهانة وإذلال وبرد قارس، ولمدة أربعة ايام كنا نفترش الأرض بدون أغطية وممنوع علينا إشعال نيران للتدفئة، كانت درجات الحرارة 4 أو 5 تحت الصفر، وفي كرواتيا تنقلنا أكثر من مرة في عدة أماكن ومن ثم وضعنا بقطار الى سلوفينيا ثم الى النمسا فألمانيا، ثم هولندا.

وينهي حسين قصته بأن اللاجئ الفلسطيني لطالما حمل آلاماً ومآسي كثيرة إلا أن أمله بهذا الشعب كبيراً، مبشراً بعودته إلى وطنه الأول فلسطين والثاني سورية ومخيمات لجوء الشتات الفلسطيني وبأن الظلم والقهر لن يستمر.

الوسوم

هذه حكايتي , فلسطينيو سورية , قصف , تهجير , تعذيب , لجوء ,

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/8986