map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

3832

عن الفلسطينيين في المحرقة السورية

تاريخ النشر : 03-04-2018
عن الفلسطينيين في المحرقة السورية

سمير الزبن

كانت حياة الفلسطينيين في سورية نموذجاً مقبولاً لحياة المنفى الفلسطيني، بالنسبة لحالات اللجوء الأخرى الأكثر تطرفاً في إذلالهم، خصوصاً لبنان الذي يحرم الفلسطينيين من العمل في أكثر من سبعين مهنة. وجد الفلسطينيون حالة احتضان شعبية سورية عالية التضامن، وصلت في حالاتٍ كثيرة إلى حالة اندماج في الحياة السياسية الفلسطينية، فهناك سوريون كثيرون اختاروا الانضمام إلى الفصائل الفلسطينية، وقضوا أعمارهم فيها، وبعضهم قدم حياته من أجل فلسطين واستشهد على أرضها. وهناك فلسطينيون اختاروا الانخراط في الحياة السياسية السورية، منهم من انضم إلى حزب البعث، وحصل على امتيازات السلطة وعارها، ومنهم من انتمى لأحزاب المعارضة، ودفع ثمن ذلك سنوات طويلة في سجون السلطة. وفي الحالتين، لم يكن الانتماء إلى قوى سورية ظاهرةً تهدّد العمل السياسي الفلسطيني، وفعاليته في الأوساط الفلسطينية في سورية. ولا كان الانتماء السوري إلى الفصائل الفلسطينية يدفعها إلى التدخل في الشأن السوري، على الرغم من التدخل السوري المستمر في الشأن الفلسطيني، ومحاولات النظام المستمرة للإمساك بالورقة الفلسطينية، ورقة مساومةٍ، ولا كان العمل السياسي الفلسطيني في صفوف المعارضة السورية، يعطيهم وزناً في تقرير السياسة السورية التي كان، وما زال، يقرّرها رجل واحد.

عانى الفلسطينيون في سورية ما عاناه السوري، على مستوى الحياة والمتاعب الاقتصادية والإفقار السريع الذي بدأ منذ التسعينيات. وفي بعض الأحيان، كانت أوضاعهم أفضل من أقرانهم السوريين، بسبب حصولهم على مساعدات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) التي بدأت تتراجع سريعاً، انطلاقاً من مطلع الثمانينات، أو على مستوى القبضة الأمنية التي حكمت المجتمع السوري، وأخضعت الجميع بالترهيب، والتي شملت المخيمات بشكل طبيعي، كونها جزءاً من الأراضي السورية، فالمخيمات لم تكن معازل أمنية، كما الحالة في المخيمات الفلسطينية في الجنوب اللبناني التي لا تخضع للأمن اللبناني. الموضوع مختلف في سورية، كل شيء تحت القبضة الأمنية، وما يخضع السوريون له من تدقيقات ومراجعات أمنية يخضع الفلسطينيون له بالقدر نفسه.

قبل انطلاق الاحتجاجات في سورية في مواجهة النظام، لم يشعر الفلسطينيون بتهديد الاقتلاع من سورية، أو أن وجودهم معرض لخطر التهجير والتبديد، على الرغم من تحرُّك هذا الشعور لديهم أحياناً، خصوصاً عندما تعرّضت تجمعات فلسطينية لهذا التهديد، كما جرى في الكويت بعد الغزو العراقي، وكما جرى في العراق بعد الغزو الأميركي. كان الاستقرار النسبي السمة البارزة لحياة الفلسطينيين في سورية، على الرغم من إجراءات التقييد والتضييق على المستوى القانوني التي كان يمارسها النظام عليهم في بعض الأوقات. على الرغم من ذلك كله، كانوا يعتقدون أن مساراً واحداً فقط يمكن أن يجعلهم يغادرون سورية، وهو مسار العودة إلى ديارهم في فلسطين.

فجأة، تبين أن هذا اليقين مجرد وهم، وأنه في هذه البلدان الأسوأ ممكن دائماً، وأن الثابت يهتز، ويهتز بعنف شديد. تتجسد المخاطر التي لم تكن تخطر على البال دفعة واحدة، مبدّدة كل أوهام الثبات والاستقرار في المكان. بذلك، أعطت سورية الفلسطينيين الدرس القاسي التالي في تجربتهم. هذا الدرس الذي يقول إنه لا يمكن لوضع اللاجئ أن يبقى ثابتاً، في وقت يهتز البلد التي يقيم فيه، لم يكن من الممكن أن يبقى الوجود الفلسطيني في سورية على حاله في بلد يشتعل. لا يمكن بقاء الوضع على حاله في الوقت الذي تشهد سورية صداماً دامياً في كل المناطق، بفعل الاحتجاجات التي اجتاحت البلد، والتي تم التعامل معها بقمع دموي ووحشي من النظام. وعلى عكس الحالة اللبنانية، وعلى عكس ما حلم به فلسطينيون كثيرون في سورية أيضاً، لم يكن ممكناً أن تبقى المخيمات الفلسطينية في سورية تعيش خارج الصراع السوري، مواقع محايدة، في وقتٍ تشتعل به البلد كلها.

في الأزمات الكبرى، تكتشف الفئات الأضعف أنها من يدفع الثمن الأكبر. ولأن اللاجئين هم من أضعف الفئات في الصراعات المسلحة، فهم يواجهون الخطر الداهم باقتلاعهم من جديد. لأن الصراع يحولهم فجأة إلى غرباء عن المكان الذي عاشوا فيه حياتهم. وهكذا اكتشف اللاجئ الفلسطيني في سورية حالة التهديد المباشر والداهم، وعرف أنه لا ينتمي إلى المكان المقيم فيه،

ليس مكانه، ويطلب منه أن لا يتدخل في ما لا يعنيه، وأن ليس له الحق في التعبير عن رأيه في قضايا لا تخصه، وكل طرف يتهمه بالعمالة للطرف الآخر! عند ذلك، اكتشف من جديد هشاشة وجوده في المنفى. وأن الثبات وهمٌ، وأن الاستقرار قناعٌ مزيفٌ لكارثةٍ تنتظره في أول انعطافة، أو في أول صِدام. لذلك، كان الفلسطينيون أول من اتهمهم النظام بأنهم يفتعلون الصراع في سورية، جزءاً من مؤامرة خارجية.

تم تدمير المخيمات الفلسطينية في سورية شأن مدن كثيرة واجهت المصير نفسه. وبتمزيق المخيمات وتدميرها سكانيا وعمرانيا، لم يعد الوجود السابق للمخيم موجودا، ولن يعود إلى ما كان عليه. كما أن سورية التي كانت قائمة قبل العام 2011 لم تعد موجودة، ولن تكون قادرة على العودة كما كانت. لذلك، في واحدٍ من جوانبها التراجيدية، سجلت المأساة السورية فصلا جديدا من فصول التراجيديا الفلسطينية المستمرة منذ عقود، لكنها هذه المرة مجدولة مع مأساة سورية أوسع وأشمل، تستعيد محطات التجربة الفلسطينية في تفاصيل كثيرة، ليس أولها التهجير والمذابح، وليس آخرها منافي احتضنتهم وسرعان ما انقلبت عليهم. التاريخ السوري الراهن في واحدٍ من جوانبه تكثيف حداثي وسريع للمأساة الفلسطينية، ما اختبره الفلسطينيون خلال أكثر من سبعة عقود جرّبه السوريون في أقل من سبع سنوات. إنهم في جانب من مأساتهم ضحايا لعنة التاريخ السريع.

المصدر: العربي الجديد

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/9415

سمير الزبن

كانت حياة الفلسطينيين في سورية نموذجاً مقبولاً لحياة المنفى الفلسطيني، بالنسبة لحالات اللجوء الأخرى الأكثر تطرفاً في إذلالهم، خصوصاً لبنان الذي يحرم الفلسطينيين من العمل في أكثر من سبعين مهنة. وجد الفلسطينيون حالة احتضان شعبية سورية عالية التضامن، وصلت في حالاتٍ كثيرة إلى حالة اندماج في الحياة السياسية الفلسطينية، فهناك سوريون كثيرون اختاروا الانضمام إلى الفصائل الفلسطينية، وقضوا أعمارهم فيها، وبعضهم قدم حياته من أجل فلسطين واستشهد على أرضها. وهناك فلسطينيون اختاروا الانخراط في الحياة السياسية السورية، منهم من انضم إلى حزب البعث، وحصل على امتيازات السلطة وعارها، ومنهم من انتمى لأحزاب المعارضة، ودفع ثمن ذلك سنوات طويلة في سجون السلطة. وفي الحالتين، لم يكن الانتماء إلى قوى سورية ظاهرةً تهدّد العمل السياسي الفلسطيني، وفعاليته في الأوساط الفلسطينية في سورية. ولا كان الانتماء السوري إلى الفصائل الفلسطينية يدفعها إلى التدخل في الشأن السوري، على الرغم من التدخل السوري المستمر في الشأن الفلسطيني، ومحاولات النظام المستمرة للإمساك بالورقة الفلسطينية، ورقة مساومةٍ، ولا كان العمل السياسي الفلسطيني في صفوف المعارضة السورية، يعطيهم وزناً في تقرير السياسة السورية التي كان، وما زال، يقرّرها رجل واحد.

عانى الفلسطينيون في سورية ما عاناه السوري، على مستوى الحياة والمتاعب الاقتصادية والإفقار السريع الذي بدأ منذ التسعينيات. وفي بعض الأحيان، كانت أوضاعهم أفضل من أقرانهم السوريين، بسبب حصولهم على مساعدات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) التي بدأت تتراجع سريعاً، انطلاقاً من مطلع الثمانينات، أو على مستوى القبضة الأمنية التي حكمت المجتمع السوري، وأخضعت الجميع بالترهيب، والتي شملت المخيمات بشكل طبيعي، كونها جزءاً من الأراضي السورية، فالمخيمات لم تكن معازل أمنية، كما الحالة في المخيمات الفلسطينية في الجنوب اللبناني التي لا تخضع للأمن اللبناني. الموضوع مختلف في سورية، كل شيء تحت القبضة الأمنية، وما يخضع السوريون له من تدقيقات ومراجعات أمنية يخضع الفلسطينيون له بالقدر نفسه.

قبل انطلاق الاحتجاجات في سورية في مواجهة النظام، لم يشعر الفلسطينيون بتهديد الاقتلاع من سورية، أو أن وجودهم معرض لخطر التهجير والتبديد، على الرغم من تحرُّك هذا الشعور لديهم أحياناً، خصوصاً عندما تعرّضت تجمعات فلسطينية لهذا التهديد، كما جرى في الكويت بعد الغزو العراقي، وكما جرى في العراق بعد الغزو الأميركي. كان الاستقرار النسبي السمة البارزة لحياة الفلسطينيين في سورية، على الرغم من إجراءات التقييد والتضييق على المستوى القانوني التي كان يمارسها النظام عليهم في بعض الأوقات. على الرغم من ذلك كله، كانوا يعتقدون أن مساراً واحداً فقط يمكن أن يجعلهم يغادرون سورية، وهو مسار العودة إلى ديارهم في فلسطين.

فجأة، تبين أن هذا اليقين مجرد وهم، وأنه في هذه البلدان الأسوأ ممكن دائماً، وأن الثابت يهتز، ويهتز بعنف شديد. تتجسد المخاطر التي لم تكن تخطر على البال دفعة واحدة، مبدّدة كل أوهام الثبات والاستقرار في المكان. بذلك، أعطت سورية الفلسطينيين الدرس القاسي التالي في تجربتهم. هذا الدرس الذي يقول إنه لا يمكن لوضع اللاجئ أن يبقى ثابتاً، في وقت يهتز البلد التي يقيم فيه، لم يكن من الممكن أن يبقى الوجود الفلسطيني في سورية على حاله في بلد يشتعل. لا يمكن بقاء الوضع على حاله في الوقت الذي تشهد سورية صداماً دامياً في كل المناطق، بفعل الاحتجاجات التي اجتاحت البلد، والتي تم التعامل معها بقمع دموي ووحشي من النظام. وعلى عكس الحالة اللبنانية، وعلى عكس ما حلم به فلسطينيون كثيرون في سورية أيضاً، لم يكن ممكناً أن تبقى المخيمات الفلسطينية في سورية تعيش خارج الصراع السوري، مواقع محايدة، في وقتٍ تشتعل به البلد كلها.

في الأزمات الكبرى، تكتشف الفئات الأضعف أنها من يدفع الثمن الأكبر. ولأن اللاجئين هم من أضعف الفئات في الصراعات المسلحة، فهم يواجهون الخطر الداهم باقتلاعهم من جديد. لأن الصراع يحولهم فجأة إلى غرباء عن المكان الذي عاشوا فيه حياتهم. وهكذا اكتشف اللاجئ الفلسطيني في سورية حالة التهديد المباشر والداهم، وعرف أنه لا ينتمي إلى المكان المقيم فيه،

ليس مكانه، ويطلب منه أن لا يتدخل في ما لا يعنيه، وأن ليس له الحق في التعبير عن رأيه في قضايا لا تخصه، وكل طرف يتهمه بالعمالة للطرف الآخر! عند ذلك، اكتشف من جديد هشاشة وجوده في المنفى. وأن الثبات وهمٌ، وأن الاستقرار قناعٌ مزيفٌ لكارثةٍ تنتظره في أول انعطافة، أو في أول صِدام. لذلك، كان الفلسطينيون أول من اتهمهم النظام بأنهم يفتعلون الصراع في سورية، جزءاً من مؤامرة خارجية.

تم تدمير المخيمات الفلسطينية في سورية شأن مدن كثيرة واجهت المصير نفسه. وبتمزيق المخيمات وتدميرها سكانيا وعمرانيا، لم يعد الوجود السابق للمخيم موجودا، ولن يعود إلى ما كان عليه. كما أن سورية التي كانت قائمة قبل العام 2011 لم تعد موجودة، ولن تكون قادرة على العودة كما كانت. لذلك، في واحدٍ من جوانبها التراجيدية، سجلت المأساة السورية فصلا جديدا من فصول التراجيديا الفلسطينية المستمرة منذ عقود، لكنها هذه المرة مجدولة مع مأساة سورية أوسع وأشمل، تستعيد محطات التجربة الفلسطينية في تفاصيل كثيرة، ليس أولها التهجير والمذابح، وليس آخرها منافي احتضنتهم وسرعان ما انقلبت عليهم. التاريخ السوري الراهن في واحدٍ من جوانبه تكثيف حداثي وسريع للمأساة الفلسطينية، ما اختبره الفلسطينيون خلال أكثر من سبعة عقود جرّبه السوريون في أقل من سبع سنوات. إنهم في جانب من مأساتهم ضحايا لعنة التاريخ السريع.

المصدر: العربي الجديد

الوسوم

مقالات , فلسطينيو سورية , مأساة ومعاناة ,

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/9415