map
RSS instagram youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4048

ملوك اليرامكة: الصورة وتواطىء المكان

تاريخ النشر : 27-11-2020
ملوك اليرامكة: الصورة وتواطىء المكان

محمود الصباغ

استهلال: قبل ست سنوات، وفي مثل هذا اليوم 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2014 نالت صورة “الملوك الثلاثة” للمصور الفوتوغرافي الفلسطيني ابن مخيم اليرموك نيراز سعيد جائزة أفضل صورة صحفية في مسابقة الأونروا “أنا لست رقماً ”

المخيم: المكان والأشخاص

في مكان قريب من المدخل الشمالي لمخيم اليرموك، فيما يعرف باسم (ساحة الريجة)، أوقفت عدسة نيراز سعيد الزمن، فوسط هذا الحطام الذي كان يضج ذات يوم بالحياة يقف ثلاثة أطفال يستغرقهم التعب والمرض والإرهاق، أشقاء ثلاثة ينتظرون في ساحة الريجة أن يسمح لهم الحاجز بالعبور خارج المخيم المحاصر نحو مدينة دمشق من أجل العلاج. بالضبط هنا، أوقف نيراز زمن “الملوك الثلاثة” (وهو الاسم الذي ستعرف فيه الصورة لاحقاً) عند لحظة ستبقى خالدة في أذهان من عاش وسمع وتفاعل مع حصار مخيم اليرموك. صورة حاول فيها نيراز استباق الإجابة على ما يمكن أن تخلقه من أسئلة سواء في لحظتها الراهنة أم اللاحقة.

إلى من ينظر هؤلاء (المهمشون) وباسم من؟ وبمَ يفكرون؟ ومن القادر -منهم-على الرؤية أصلًا؟

من يتيح لهم ولنا “زاوية” الرؤية؟ ومن يمنحنا (ويمنحهم) حق الرؤية؟ وهل هذا الحق منح أم اكتساب؟

أين تكمن قوة الصورة؟ هل في قدرتها أن تكون حيزاً نابذاً يطارد و (يطرد) جميع الصور الأخرى، لتشطر المشهد إلى صور”نا” و صور”هم”؛ قتلانا وقتلاهم؟

هل نستطيع النظر للصورة بحيادية للوصول إلى تأويلها، أم أن هذا الأمر في المواقف الكبرى (كالحرب) ليس إلا ترفاً لا طائل منه؟

هي الصورة إذن، التي تفتح الأبواب المغلقة بما يخدم رؤيتنا الخاصة لتأويلها، فتنتقل يوميات الحرب -بدلالاتها السياسية-من المؤقت إلى الدائم، وتتجسد هذه اليوميات، باعتبارها كارثة، في الموت مثل كائن نحاوره، نجادل عبثيته وتسلطه وحياديته. قد لا تفصح الصورة عن حيادية الموت هذه، لكنها تمظهر، بل وتفضح تحيزه

فهل هذا هو ما يدعوه البعض بالقوة الأخلاقية للصورة؟ تلك القوة التي تنعكس عميقاً في وجداننا-بالأحرى مأزقنا الأخلاقي-حين نرى الصورة، فنقبل، أو نرفض، ما تعرضه علينا من خلال سرديتها البصرية.

يقول نيراز: ” أرى أن الصورة الحقيقية في مخيم اليرموك كانت أصدق من الكلمة، لذلك اخترت أن التقط الحالة في مخيم اليرموك من منظور آخر وهو ما بعد الحدث في الوقت الذي وُجّهت فيه الكاميرات في المخيم إلى الأحداث العامة, وجهتُ عدستي اتجاه التفاصيل الصغيرة التي تشكل حياة المخيم المحاصر”, ومن هنا يبدأ نيراز في خلق مشهدية  جديدة لسردية الحصار عبر الصورة التي هي “أقوى من الكلمة” بدءً من أصغر التفاصيل وصولاً إلى مقاربات المكان بوصفه (الوطن المحمول) وما يولّد ذلك في صور نمطية وأخرى انطباعية متداخلة بصورة معقدة في علاقة  الفلسطيني بمحيطه الذي يفتقر فيه ابن المخيم إلى (إقليم) حقيقي و أصيل يخصه يمارس ويبني فيه هويته

تشير مواضيع نيراز -ربما بمواربة مقصودة-إلى الانخراط الفلسطيني المباشر في الحدث السوري منذ البداية، والضريبة التي سيدفعها الفلسطيني نتيجة موقفه هذا، مما يسمح لنا بالقول إن فضاء المخيم هو فضاء فلسطيني بالمطلق مثلما هو فضاء سوري بالمطلق أيضا، فكاميرا نيراز ليست كاميرا صحافية مأجورة تتوقف عند الحدث ولا تتعداه بل هي تطلب منا -بل ربما تطالبنا-أن نتعمق أكثر في المأساة الحاصلة، أن نعيش لحظاتها الموثقة بالصورة.

يقول نيراز “غفل الإعلاميون داخل المخيم عن المعاناة الحقيقية للناس، مثلا طغى عليهم حدث إدخال المعونات إلى المخيم، في الوقت الذي ما زال الكثير من المهمشين يموتون جوعا في بيوتهم. هؤلاء المهمشون هم موضوع صورتي”. فمأساة اليرموك ليست في الجوع أو الحصار أو المياه والكهرباء، بل هي مأساة شعب، صرخة إنسان، وهي جزء من مصفوفة مآسي الفلسطيني الإنسان والقضية، وهو ما يؤكده نيراز بقوله “لا يوجد في المخيم اليوم عائلة كاملة، كنت أشعر في كل صورة لعائلة فلسطينية أن هناك بين الوجوه خيالًا لشخص مفقود، لذلك تجد أن الإضاءة الخافتة تغلب على صوري” ساعياُ بذلك إلى خلق ظل لأناس كان يجب أن يكونوا مجودين في هذه الصورة أو تلك. ومع ذلك فهناك دائما أمل ما يخبرنا نيراز “..(لقد) مرت على مخيم اليرموك ظروف صعبة للغاية لكنها انتهت وبقي الفلسطيني يحارب ليعيش, فهو يقدّر الحياة و يستحقها و يرى رغم كل ما يمر به أن غداً سيكون أفضل”, هكذا يوجز نيراز ببساطة مفردة (المخيم) حين يراد لها أن تؤسس لاختيارات وتفضيلات وتحفيزات وتحيزات واحتياجات ورغبات.. إلخ”, ومن خلال هذا السياق البصري ستكتب مفردة المخيم قصة صعودها ونجاحها و فشلها وانكارها وحصارها وسقوطها وعنفوان سكان المكان الذي تكرس في الذاكرة كمعادل موضوعي للوطن  وحاضنة لذكريات الأجيال، حيث تتعدد صور المخيم فيستحيل إلى أيقونة مرنة لكنها غير قابلة للتطويع و (التدجين), بمعنى ما ينبغي (ومالا ينبغي) لنا أن نراه في مشهد بصري في مشهد بصري من المفترض أنه يقدم الحقائق كلحظات مفصولة عن سياقاتها (السياسية بشكل خاص )؛ لاسيما وقت الحرب، حيث تبرز هشاشة الحياة العارية؛ فنبقى ندور وندور ونستهلك المشهد البصري بحثًا عن معنى (سردية؟) يوفر المادة الخام لفهم الحدث وتأويله من أجل اختزال عتبة الألم، مما يستوجب على الصورة أن يتوفر فيها بعض المعايير “التقنية” للنفوذ إلى ما استغلق من رموزها، ولعل هذه ربما هو النداء الجوهري للصورة، فصورة الحرب لا تعني أن من التقط الصورة هو محارب.

الصورة في الحرب تحمل وعياً سياسياً له صلة بالحدث؛ وهو ما يقوله نيراز بكلام آخر، فإذا كان الوضع الفلسطيني في الأصل يمثل حساسية خاصة فكيف سيكون الحال مع مخيم بحجم اليرموك (عاصمة الشتات) لم يعتد سكانه على تقديم الشهداء سوى من أجل قضيتهم المركزية، ولم يدر في خلدهم ولا حتى في أسوء أحلامهم أن تتناسل مأساتهم لتخلف متوالية نكبات لم تنته

ربما لم يكن نيراز يعلم -وربما كان يعلم، لكنه لم يلقِ له بالاً-أنه بتجوله في أزقة المخيم والتقاطه لحظات الحصار والموت والجوع والدمار إنما كان يؤبد المشهد من حيث هو مكان ويثبته من حيث هو زمان حين كانت عدسته تدور بحثاً عن الوجوه المتعبة وصرخة في وجه فصائل م ت ف التي وقفت موقف المتفرج من المخيم وسكانه، فقط عدسة نيراز -ورفاقه-من استطاعت كسر الحصار ونقلت لنا صور المعاناة اليومية لمن بقي محاصراُ هناك.

لا شك أن الصورة تحمل دلالات أخلاقية تفوق كثيراً دلالاتها السياسية، وهي بذلك تطالبنا بأن ننظر للمكان، أي المخيم، بوصفه فردوساً مفقوداً (مثلما هو حال سردية النكبة: كيف كنا وكيف أصبحنا) وليس باعتباره (غيتو)، وحين يستخدم نيراز تقنية الأبيض والأسود؛ فذلك يعود لرؤيته لقتامة المشهد من حوله “أنا أرى أن اليرموك والحصار قد أتعبنا، وأطفأ السواد والعتم بريق الحياة داخلنا، حتى تُرى الوجوه وكأن السواد يملأها”.

إن الأسود والأبيض، كما يقول “هما انعكاس لواقع الحال اليوم في سورية وفي اليرموك تحديداً، حيث الصراع بين الحياة والموت، الحب والحقد، والتفاؤل والتشاؤم أو حالة التشاؤل -كما يسميها الروائي الراحل إميل حبيبي.”وربما ما سوف يحرض فينا من الناحية الأخلاقية الاستجابة لصور معاناة الآخرين وهو ما أتاحته لنا عدسة نيراز سعيد بتمثل المحاصرين والتعرف على معاناتهم عن كثب لتتركنا أمام مسؤولية صوغ انتقاداتنا -الأخلاقية بالدرجة الأولى-التي عليها أن تتوافق في العموم مع رؤيتنا السياسية.

وبهذا لا يبتعد نيراز في صوره عن الفضاء المعطى الذي يشكل خلفية صورة المخيم، أي الفضاء السوري بصورة عامة حيث يشكل المخيم فيه عند المقارنة تفصيلاً صغيراً -لكنه على درجة من الأهمية- وربما هذا ما سوف يحرض فينا الاستجابة من الناحية الأخلاقية للنظر في معاناة من هم موضوع الصورة بوصفهم أشخاصاً “لا يرون”، وعدم الرؤية لديهم تكون شرطا للرؤية لنا، فتصبح معياراً بصرياً، ويمتد هذا المعيار ليصبح قومياً / وطنياً، فنندهش حين لا ينفعل غيرنا مثلما ننفعل ونتفاعل نحن حين رؤيتنا للصورة، وهذا معيار يمكننا أن نقرأه في الإطار بوصفه صورة يؤدي إلى الإنكار أيضا وفقاً لتحديد الرموز القابلة للتمثيل والتي ترتبط بمعايير أوسع تتحدد بموجبها الأسئلة حول الإنسانية أو التجرد من الإنسانية. وبالتالي تضعنا الصور ضمن الإطار حتى في تجسيدها للبراءة أو نقيضها، تقودنا نحو زمانها ومكانها، وتفرض سلطتها علينا وتضللنا أحيانا لصالحها.

هذا الارتباط بين الموت والصورة يطارد جميع صور البشر، فالمحددات التي نطلبها للعيش لا تفرض قيودًا فقط لما يمكن أن نسمع، أو نقرأ، أو نشاهد أو نعرف أو نشعر، بل تهيمن قيودها على صورة الآخر وعلى ضحايا الصورة: نحن؛ وهم، وربما نتساءل بنوع من السذاجة المتعمدة: كيف ماتوا؟ كم عددهم؟ ومن هم وما هو انتماؤهم؟ ما هو آخر ما خطر ببالهم؟ ما هي آخر صورة في ذهنهم؟

هل نتحدث هنا عن سياق ذاتي ضيق ومضلل؟

هل نبرر ذهول حواسنا هنا بأن نشيح بوجوهنا بعيداً؟ أم أن الحديث يقع فعلًا في إطار السرد الذي نقدمه في مقابل المشهد البصري للتعبير عن المعاناة التي تظهرها الصورة؟ وسنغرق أكثر لو حاولنا ثني الزمن لأن الصورة هي زمن لكنه زمنٌ مستوٍ يمكن قياسه؛ وبالتالي تصلح الصورة لأن تكون جملة مقارنة بمعنى ما.

الصورة ثابتة أم متحركة هي حقيقة، الصورة في تمثلنا لها هي حقيقة لا تقع خارج التأويل، هي نافذة تتيح فرصة نادرة للتأمل، وتساهم في تشكيل موقفنا من الحدث، وربما هذه هي وظيفة الصورة.

كارثة اليرموك: “لسنا مجرّد أرقام”

تقودنا الصورة، من خلال سطوتها على عقولنا وانغماسنا في الكتلة البصرية التي تشكلها، نحو التساؤل عن الموقف الحقيقي للمصور.

سيغيب صاحب الصورة عن المشهد، عن الإطار، لتبقى صورته تحدق فينا أكثر مما نحدق فيها.

فنيراز سعيد، ابن مخيم اليرموك والذي عاش الحصار، لم يحمل سلاحا داخل المخيم ولم ينخرط في أجندات الأطراف المتصارعة، وهو يقول “لم أصور من أجل تغليب وجهة نظر على أخرى، ولا من أجل التهويل أو التقليل من أي حدث” فالصورة هنا لا تحمل سياقات ذاتية أو تساؤلات مضللة، بل تقع في صلب السردية التي يكون المشهد البصري فيها معادلاً موضوعياً للحدث في إبراز حجم المعاناة. ويؤكد أن ما دفعه للتصوير منذ البداية هو “حجم الكارثة الإنسانية التي حصلت في اليرموك وفي المناطق المجاورة له، كارثة لن تشفى منها الأجيال القادمة، معاناة تطول، فكارثة المخيم أكبر مما يتحمله أو يتصوره الفرد. لم يكم من السهل عليّ أن أرى اليرموك -وأنا ابنه-على شاشة التلفزيون فقط، لاسيما ويقيني بأن ما تقدمه الشاشة الصغيرة لا يرتبط فعلاً بالواقع. حتى ما كنت أسمعه من الأصدقاء في المخيم كان متناقضاً، بدوره حفزني لمعرفة ما يجري في المخيم”، ويتابع “خروج الكثير من أهالي المخيم دفعني للعودة إليه. علّني أفعل شيئاً يساهم في وقف المأساة، ولكن حين وصلت عرفت أن الكارثة أكبر مني”.

ماذا يريد أن يقول نيراز هنا؟

كيف يمكن للصورة أن تمتلك تلك القدرة الهائلة على تقويض منطقنا (التأملي) المتماسك، أو الذي نظن أنه متماسك، عن موضوعها، وهو هنا الحرب؟

كيف يمكن للصورة أن تنقل لنا -عبر كيميائها الخاصة-كل هذا الدفق الألم، الذي لا يضاهيه أي ألم؟ ثم كيف يمكن للبعض إنكار مثل هذا الألم؟ وتعويم حقنا في الشعور بالغضب.

ولكن للصورة رأي هنا تجعلنا نفيق من ذهولنا وشرود حواسنا تجاهها وهو ما يعبر عنه نيراز بقوله “اعتبرت نفسي حاملًا لرسائل الناس العاديين والمحاصرين، وأخذت على عاتقي نقل معاناتهم للعالم الخارجي، كما هي، دون تزوير أو بهرجة، أو حتى استخفاف”.

يلقي بنا نيراز بعيداً نحو مطارح غير مستحبة لواقع جديد بدأ يتشكل بفعل الحرب وقذارة القيّمين عليها. نحدق في صوره وعوالمه وشخوصه ونبقى ندور حول الفكرة، تستهلكنا السردية البصرية بطريقة مجانية أحياناً وبدون اكتراث أحياناً أخرى، لكن نيراز يبهرنا بصوره حين يقول “لسنا مجرد أرقام”.. نحن في المخيم لسنا أناس جائعين فقط، نحن بشر تنهار حياتنا أمام أعيننا، نحن لسنا مجرد خبر على (الفيسبوك) أو إحصائية منسية، بل [نحن] بشر لهم أحلامهم وأمانيهم بعيش أفضل. مخيم اليرموك ليس هو مجموعة الأحجار والأبنية المرصوفة في شوارعه، [بل] المخيم هو هؤلاء الناس الذين آثروا البقاء في مكانهم، المخيم ليس حجراً، المخيم بشر”

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/14456

محمود الصباغ

استهلال: قبل ست سنوات، وفي مثل هذا اليوم 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2014 نالت صورة “الملوك الثلاثة” للمصور الفوتوغرافي الفلسطيني ابن مخيم اليرموك نيراز سعيد جائزة أفضل صورة صحفية في مسابقة الأونروا “أنا لست رقماً ”

المخيم: المكان والأشخاص

في مكان قريب من المدخل الشمالي لمخيم اليرموك، فيما يعرف باسم (ساحة الريجة)، أوقفت عدسة نيراز سعيد الزمن، فوسط هذا الحطام الذي كان يضج ذات يوم بالحياة يقف ثلاثة أطفال يستغرقهم التعب والمرض والإرهاق، أشقاء ثلاثة ينتظرون في ساحة الريجة أن يسمح لهم الحاجز بالعبور خارج المخيم المحاصر نحو مدينة دمشق من أجل العلاج. بالضبط هنا، أوقف نيراز زمن “الملوك الثلاثة” (وهو الاسم الذي ستعرف فيه الصورة لاحقاً) عند لحظة ستبقى خالدة في أذهان من عاش وسمع وتفاعل مع حصار مخيم اليرموك. صورة حاول فيها نيراز استباق الإجابة على ما يمكن أن تخلقه من أسئلة سواء في لحظتها الراهنة أم اللاحقة.

إلى من ينظر هؤلاء (المهمشون) وباسم من؟ وبمَ يفكرون؟ ومن القادر -منهم-على الرؤية أصلًا؟

من يتيح لهم ولنا “زاوية” الرؤية؟ ومن يمنحنا (ويمنحهم) حق الرؤية؟ وهل هذا الحق منح أم اكتساب؟

أين تكمن قوة الصورة؟ هل في قدرتها أن تكون حيزاً نابذاً يطارد و (يطرد) جميع الصور الأخرى، لتشطر المشهد إلى صور”نا” و صور”هم”؛ قتلانا وقتلاهم؟

هل نستطيع النظر للصورة بحيادية للوصول إلى تأويلها، أم أن هذا الأمر في المواقف الكبرى (كالحرب) ليس إلا ترفاً لا طائل منه؟

هي الصورة إذن، التي تفتح الأبواب المغلقة بما يخدم رؤيتنا الخاصة لتأويلها، فتنتقل يوميات الحرب -بدلالاتها السياسية-من المؤقت إلى الدائم، وتتجسد هذه اليوميات، باعتبارها كارثة، في الموت مثل كائن نحاوره، نجادل عبثيته وتسلطه وحياديته. قد لا تفصح الصورة عن حيادية الموت هذه، لكنها تمظهر، بل وتفضح تحيزه

فهل هذا هو ما يدعوه البعض بالقوة الأخلاقية للصورة؟ تلك القوة التي تنعكس عميقاً في وجداننا-بالأحرى مأزقنا الأخلاقي-حين نرى الصورة، فنقبل، أو نرفض، ما تعرضه علينا من خلال سرديتها البصرية.

يقول نيراز: ” أرى أن الصورة الحقيقية في مخيم اليرموك كانت أصدق من الكلمة، لذلك اخترت أن التقط الحالة في مخيم اليرموك من منظور آخر وهو ما بعد الحدث في الوقت الذي وُجّهت فيه الكاميرات في المخيم إلى الأحداث العامة, وجهتُ عدستي اتجاه التفاصيل الصغيرة التي تشكل حياة المخيم المحاصر”, ومن هنا يبدأ نيراز في خلق مشهدية  جديدة لسردية الحصار عبر الصورة التي هي “أقوى من الكلمة” بدءً من أصغر التفاصيل وصولاً إلى مقاربات المكان بوصفه (الوطن المحمول) وما يولّد ذلك في صور نمطية وأخرى انطباعية متداخلة بصورة معقدة في علاقة  الفلسطيني بمحيطه الذي يفتقر فيه ابن المخيم إلى (إقليم) حقيقي و أصيل يخصه يمارس ويبني فيه هويته

تشير مواضيع نيراز -ربما بمواربة مقصودة-إلى الانخراط الفلسطيني المباشر في الحدث السوري منذ البداية، والضريبة التي سيدفعها الفلسطيني نتيجة موقفه هذا، مما يسمح لنا بالقول إن فضاء المخيم هو فضاء فلسطيني بالمطلق مثلما هو فضاء سوري بالمطلق أيضا، فكاميرا نيراز ليست كاميرا صحافية مأجورة تتوقف عند الحدث ولا تتعداه بل هي تطلب منا -بل ربما تطالبنا-أن نتعمق أكثر في المأساة الحاصلة، أن نعيش لحظاتها الموثقة بالصورة.

يقول نيراز “غفل الإعلاميون داخل المخيم عن المعاناة الحقيقية للناس، مثلا طغى عليهم حدث إدخال المعونات إلى المخيم، في الوقت الذي ما زال الكثير من المهمشين يموتون جوعا في بيوتهم. هؤلاء المهمشون هم موضوع صورتي”. فمأساة اليرموك ليست في الجوع أو الحصار أو المياه والكهرباء، بل هي مأساة شعب، صرخة إنسان، وهي جزء من مصفوفة مآسي الفلسطيني الإنسان والقضية، وهو ما يؤكده نيراز بقوله “لا يوجد في المخيم اليوم عائلة كاملة، كنت أشعر في كل صورة لعائلة فلسطينية أن هناك بين الوجوه خيالًا لشخص مفقود، لذلك تجد أن الإضاءة الخافتة تغلب على صوري” ساعياُ بذلك إلى خلق ظل لأناس كان يجب أن يكونوا مجودين في هذه الصورة أو تلك. ومع ذلك فهناك دائما أمل ما يخبرنا نيراز “..(لقد) مرت على مخيم اليرموك ظروف صعبة للغاية لكنها انتهت وبقي الفلسطيني يحارب ليعيش, فهو يقدّر الحياة و يستحقها و يرى رغم كل ما يمر به أن غداً سيكون أفضل”, هكذا يوجز نيراز ببساطة مفردة (المخيم) حين يراد لها أن تؤسس لاختيارات وتفضيلات وتحفيزات وتحيزات واحتياجات ورغبات.. إلخ”, ومن خلال هذا السياق البصري ستكتب مفردة المخيم قصة صعودها ونجاحها و فشلها وانكارها وحصارها وسقوطها وعنفوان سكان المكان الذي تكرس في الذاكرة كمعادل موضوعي للوطن  وحاضنة لذكريات الأجيال، حيث تتعدد صور المخيم فيستحيل إلى أيقونة مرنة لكنها غير قابلة للتطويع و (التدجين), بمعنى ما ينبغي (ومالا ينبغي) لنا أن نراه في مشهد بصري في مشهد بصري من المفترض أنه يقدم الحقائق كلحظات مفصولة عن سياقاتها (السياسية بشكل خاص )؛ لاسيما وقت الحرب، حيث تبرز هشاشة الحياة العارية؛ فنبقى ندور وندور ونستهلك المشهد البصري بحثًا عن معنى (سردية؟) يوفر المادة الخام لفهم الحدث وتأويله من أجل اختزال عتبة الألم، مما يستوجب على الصورة أن يتوفر فيها بعض المعايير “التقنية” للنفوذ إلى ما استغلق من رموزها، ولعل هذه ربما هو النداء الجوهري للصورة، فصورة الحرب لا تعني أن من التقط الصورة هو محارب.

الصورة في الحرب تحمل وعياً سياسياً له صلة بالحدث؛ وهو ما يقوله نيراز بكلام آخر، فإذا كان الوضع الفلسطيني في الأصل يمثل حساسية خاصة فكيف سيكون الحال مع مخيم بحجم اليرموك (عاصمة الشتات) لم يعتد سكانه على تقديم الشهداء سوى من أجل قضيتهم المركزية، ولم يدر في خلدهم ولا حتى في أسوء أحلامهم أن تتناسل مأساتهم لتخلف متوالية نكبات لم تنته

ربما لم يكن نيراز يعلم -وربما كان يعلم، لكنه لم يلقِ له بالاً-أنه بتجوله في أزقة المخيم والتقاطه لحظات الحصار والموت والجوع والدمار إنما كان يؤبد المشهد من حيث هو مكان ويثبته من حيث هو زمان حين كانت عدسته تدور بحثاً عن الوجوه المتعبة وصرخة في وجه فصائل م ت ف التي وقفت موقف المتفرج من المخيم وسكانه، فقط عدسة نيراز -ورفاقه-من استطاعت كسر الحصار ونقلت لنا صور المعاناة اليومية لمن بقي محاصراُ هناك.

لا شك أن الصورة تحمل دلالات أخلاقية تفوق كثيراً دلالاتها السياسية، وهي بذلك تطالبنا بأن ننظر للمكان، أي المخيم، بوصفه فردوساً مفقوداً (مثلما هو حال سردية النكبة: كيف كنا وكيف أصبحنا) وليس باعتباره (غيتو)، وحين يستخدم نيراز تقنية الأبيض والأسود؛ فذلك يعود لرؤيته لقتامة المشهد من حوله “أنا أرى أن اليرموك والحصار قد أتعبنا، وأطفأ السواد والعتم بريق الحياة داخلنا، حتى تُرى الوجوه وكأن السواد يملأها”.

إن الأسود والأبيض، كما يقول “هما انعكاس لواقع الحال اليوم في سورية وفي اليرموك تحديداً، حيث الصراع بين الحياة والموت، الحب والحقد، والتفاؤل والتشاؤم أو حالة التشاؤل -كما يسميها الروائي الراحل إميل حبيبي.”وربما ما سوف يحرض فينا من الناحية الأخلاقية الاستجابة لصور معاناة الآخرين وهو ما أتاحته لنا عدسة نيراز سعيد بتمثل المحاصرين والتعرف على معاناتهم عن كثب لتتركنا أمام مسؤولية صوغ انتقاداتنا -الأخلاقية بالدرجة الأولى-التي عليها أن تتوافق في العموم مع رؤيتنا السياسية.

وبهذا لا يبتعد نيراز في صوره عن الفضاء المعطى الذي يشكل خلفية صورة المخيم، أي الفضاء السوري بصورة عامة حيث يشكل المخيم فيه عند المقارنة تفصيلاً صغيراً -لكنه على درجة من الأهمية- وربما هذا ما سوف يحرض فينا الاستجابة من الناحية الأخلاقية للنظر في معاناة من هم موضوع الصورة بوصفهم أشخاصاً “لا يرون”، وعدم الرؤية لديهم تكون شرطا للرؤية لنا، فتصبح معياراً بصرياً، ويمتد هذا المعيار ليصبح قومياً / وطنياً، فنندهش حين لا ينفعل غيرنا مثلما ننفعل ونتفاعل نحن حين رؤيتنا للصورة، وهذا معيار يمكننا أن نقرأه في الإطار بوصفه صورة يؤدي إلى الإنكار أيضا وفقاً لتحديد الرموز القابلة للتمثيل والتي ترتبط بمعايير أوسع تتحدد بموجبها الأسئلة حول الإنسانية أو التجرد من الإنسانية. وبالتالي تضعنا الصور ضمن الإطار حتى في تجسيدها للبراءة أو نقيضها، تقودنا نحو زمانها ومكانها، وتفرض سلطتها علينا وتضللنا أحيانا لصالحها.

هذا الارتباط بين الموت والصورة يطارد جميع صور البشر، فالمحددات التي نطلبها للعيش لا تفرض قيودًا فقط لما يمكن أن نسمع، أو نقرأ، أو نشاهد أو نعرف أو نشعر، بل تهيمن قيودها على صورة الآخر وعلى ضحايا الصورة: نحن؛ وهم، وربما نتساءل بنوع من السذاجة المتعمدة: كيف ماتوا؟ كم عددهم؟ ومن هم وما هو انتماؤهم؟ ما هو آخر ما خطر ببالهم؟ ما هي آخر صورة في ذهنهم؟

هل نتحدث هنا عن سياق ذاتي ضيق ومضلل؟

هل نبرر ذهول حواسنا هنا بأن نشيح بوجوهنا بعيداً؟ أم أن الحديث يقع فعلًا في إطار السرد الذي نقدمه في مقابل المشهد البصري للتعبير عن المعاناة التي تظهرها الصورة؟ وسنغرق أكثر لو حاولنا ثني الزمن لأن الصورة هي زمن لكنه زمنٌ مستوٍ يمكن قياسه؛ وبالتالي تصلح الصورة لأن تكون جملة مقارنة بمعنى ما.

الصورة ثابتة أم متحركة هي حقيقة، الصورة في تمثلنا لها هي حقيقة لا تقع خارج التأويل، هي نافذة تتيح فرصة نادرة للتأمل، وتساهم في تشكيل موقفنا من الحدث، وربما هذه هي وظيفة الصورة.

كارثة اليرموك: “لسنا مجرّد أرقام”

تقودنا الصورة، من خلال سطوتها على عقولنا وانغماسنا في الكتلة البصرية التي تشكلها، نحو التساؤل عن الموقف الحقيقي للمصور.

سيغيب صاحب الصورة عن المشهد، عن الإطار، لتبقى صورته تحدق فينا أكثر مما نحدق فيها.

فنيراز سعيد، ابن مخيم اليرموك والذي عاش الحصار، لم يحمل سلاحا داخل المخيم ولم ينخرط في أجندات الأطراف المتصارعة، وهو يقول “لم أصور من أجل تغليب وجهة نظر على أخرى، ولا من أجل التهويل أو التقليل من أي حدث” فالصورة هنا لا تحمل سياقات ذاتية أو تساؤلات مضللة، بل تقع في صلب السردية التي يكون المشهد البصري فيها معادلاً موضوعياً للحدث في إبراز حجم المعاناة. ويؤكد أن ما دفعه للتصوير منذ البداية هو “حجم الكارثة الإنسانية التي حصلت في اليرموك وفي المناطق المجاورة له، كارثة لن تشفى منها الأجيال القادمة، معاناة تطول، فكارثة المخيم أكبر مما يتحمله أو يتصوره الفرد. لم يكم من السهل عليّ أن أرى اليرموك -وأنا ابنه-على شاشة التلفزيون فقط، لاسيما ويقيني بأن ما تقدمه الشاشة الصغيرة لا يرتبط فعلاً بالواقع. حتى ما كنت أسمعه من الأصدقاء في المخيم كان متناقضاً، بدوره حفزني لمعرفة ما يجري في المخيم”، ويتابع “خروج الكثير من أهالي المخيم دفعني للعودة إليه. علّني أفعل شيئاً يساهم في وقف المأساة، ولكن حين وصلت عرفت أن الكارثة أكبر مني”.

ماذا يريد أن يقول نيراز هنا؟

كيف يمكن للصورة أن تمتلك تلك القدرة الهائلة على تقويض منطقنا (التأملي) المتماسك، أو الذي نظن أنه متماسك، عن موضوعها، وهو هنا الحرب؟

كيف يمكن للصورة أن تنقل لنا -عبر كيميائها الخاصة-كل هذا الدفق الألم، الذي لا يضاهيه أي ألم؟ ثم كيف يمكن للبعض إنكار مثل هذا الألم؟ وتعويم حقنا في الشعور بالغضب.

ولكن للصورة رأي هنا تجعلنا نفيق من ذهولنا وشرود حواسنا تجاهها وهو ما يعبر عنه نيراز بقوله “اعتبرت نفسي حاملًا لرسائل الناس العاديين والمحاصرين، وأخذت على عاتقي نقل معاناتهم للعالم الخارجي، كما هي، دون تزوير أو بهرجة، أو حتى استخفاف”.

يلقي بنا نيراز بعيداً نحو مطارح غير مستحبة لواقع جديد بدأ يتشكل بفعل الحرب وقذارة القيّمين عليها. نحدق في صوره وعوالمه وشخوصه ونبقى ندور حول الفكرة، تستهلكنا السردية البصرية بطريقة مجانية أحياناً وبدون اكتراث أحياناً أخرى، لكن نيراز يبهرنا بصوره حين يقول “لسنا مجرد أرقام”.. نحن في المخيم لسنا أناس جائعين فقط، نحن بشر تنهار حياتنا أمام أعيننا، نحن لسنا مجرد خبر على (الفيسبوك) أو إحصائية منسية، بل [نحن] بشر لهم أحلامهم وأمانيهم بعيش أفضل. مخيم اليرموك ليس هو مجموعة الأحجار والأبنية المرصوفة في شوارعه، [بل] المخيم هو هؤلاء الناس الذين آثروا البقاء في مكانهم، المخيم ليس حجراً، المخيم بشر”

الوسوم

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/14456