map
RSS instagram youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4048

حين يخسر فلسطينيو سورية أولادهم في المهجر 1

تاريخ النشر : 10-06-2021
حين يخسر فلسطينيو سورية أولادهم في المهجر 1

خاص – مجموعة العمل

في هولندا، مملكةِ الزهور، البلدِ الأوروبيِّ الأكثرِ انفتاحاً واهتماماً بالحريات، خاصةً الحرياتِ الشخصيةِ منها، كان لأبي جهاد حكايةٌ من نوعٍ آخر، حيث التقينا بهِ ذاتَ مرةٍ صُدفة، واتفقنا معهُ على الإدلاءِ بحكايتِهِ لمجموعةِ العملِ بعد تردّدٍ منقطعِ النظيرِ من قبلِهِ، لأنه يخشى على قسمٍ كبيرٍ من عائلتِه التي ماتزالُ تعيشُ تحت كنفِ النظامِ السوري، بالإضافةِ إلى خشيتِهِ على نفسِهِ لأنه قد يعودُ إلى سورية في أيِّ وقت، حيث بدأ يفكرُ وبشكلٍ جَدّيٍّ بالعودةِ بعدما حلّت بهِ هذه المصيبة..

أبو جهاد البالغُ من العمرِ خمسينَ عاماً، والمقيمُ في هولندا منذ أربعِ سنوات، يقولُ في حديثٍ خاصٍ لمجموعةِ العمل:

في بدايةِ الأحداث، كنتُ من المعارضينَ لفكرةِ السفرِ والخروج، لا بل وكنتُ أيضاً أنتقدُ المهاجرينَ ولم أكن أعلمُ آنذاك أنني سأكونُ واحداً منهم في أحدِ الأيامِ من حيثُ لا أحتسب..

لن أتحدثَ عن التهجيرِ و مخاطرِ الطريقِ و ما حلّ بنا هناك ، لأنّ ذلك أصبح ماضياً لا أرغبُ في تكرارِهِ أمام شريطِ الذاكرة ، لكنني سأحدّثُكَ عن شيءٍ أنكى و أدهى ، سأحدّثُكَ عن ولدي الذي خسرتُه هنا في هذه القارةِ التي ابتلعَت أولادَنا رغماً عن أنوفِنا ، و صدّقني أنني لا أبالغُ حين أقولُ لك بأنّ خسارةَ الولدِ حينما يموت، أهونُ بكثيرٍ من خسارتِه و هو حي ، قد يكونُ هذا مفاجئاً و غريباً للكثيرين، لكنّهُ عينُ الحقيقةِ التي أقتنعُ بها بعد تجربةٍ شخصيةٍ مررتُ بها، فالابنُ حين يموتُ تخسرُه و يغيبُ عن نظرِك، و لأنه غائبٌ فإنّ وَقْعَ الألمِ يتلاشى رويداً رويداً، أما حين تخسرُ ولدَكَ وهو حيٌّ فإنك تتألّمُ في اليومِ الواحدِ ألفَ مرة ..

ذاتَ مرّةٍ اتصلَ بي مدرّسُ ابني في مدرستِه في هولندا، وسألني عن سببِ غيابِه اليوم، فقلت له بأنّ الولدَ ذهبً صباحاً إلى المدرسة، فقال لي إنه لم يأتِ منذ يومين، وعليّ أن أعالجَ القضية باعتباري وليَّ أمرِه، وعلى الفورِ بادرتُ بالاتصالِ بولدي الذي كان آنذاك قد بلغَ السادسةَ عشرةَ من عمرِه، فلم يُجِب، فأرسلتُ له رسالةً نصيّةً طالبتُهُ فيها بضرورةِ الاتصالِ بي فوراً..

كنت آنذاك حديثَ العهدِ في هولندا، وفي انتظارِ لَمِّ الشمل مع زوجتي وابنتي الصغيرة، اللّتينِ لم أكن بعدُ قد أخبرتُهما بكلِّ التفاصيلِ المتعلّقةِ بالولد، خشيةَ أن يؤثرَ ذلك على معنوياتِهم..

لم أقل لزوجتي إنّ هناك تغييراتٍ سلبيةً بدأت تظهرُ في سلوكِ ابنِها ولم أقل لها إنّ رفاقَهُ في المدرسةِ والحيِّ هم من أسوأِ الشباب، وهذا ما دفعَني إلى القلقِ والتنبيهِ أكثرَ من مرّة، لكنّ قانونَ البلدِ لا يسمحُ سوى بالنصيحةِ والنقدِ والكلام، ويحاسبُ بِشِدّةٍ كلَّ من تسوّلُ لهُ نفسُه أن يضربَ ابنَهُ أو يهدّدَهُ بالضربِ أو يتوعّدَه..

وبالعودةِ إلى قصةِ ولدي، فبعد إرسالِ الرسالةِ بساعتينِ اتصلَ بي هو، وأخبرَني بكل رحابةِ صدرٍ أنّهُ لم يذهبْ للمدرسة، بل ذهبَ إلى بيتِ صديقِهِ المريضِ للاطمئنانِ عليه، وعندما حاولتُ تقريعَهُ وتوبيخَهُ أغلقَ سمّاعةَ الهاتفِ ولم يعد يستجيبُ للاتصالاتِ والرسائل..

كان ولدي في السادسةَ عشرةَ من عمرِه كما أخبرتُكم، وفي هذا السنِّ يجبُ التعاملُ بحذرٍ مع المراهق، ولم تبقَ وسيلةٌ إلا واتّبعتُها معهُ من أجلِ تقويمِه، ولكنْ دون جدوى، وهنا بدأتُ أستشعرُ الخطرَ الحقيقي، وذلك بعد أن وصلتني معلوماتٌ مؤكدةٌ تفيدٌ بأنهُ أصبحَ مدخّناً ويشرب الأرقيلةَ وتناول الحشيش، والحشيشُ بالمناسبةِ هو مسموحٌ في هولندا بكمّياتٍ قليلةٍ محدودة، ولكنه ممنوعٌ على من هو دون سن الثامنةَ عشرةَ سنة، لهذا تابعتُه سراً دون أن يعلم، وبالفعل تأكدتُ بنفسي من صحةِ المعلومات..

حاولتُ عَقْدَ جلسةٍ مغلقةٍ معه، لأشرحَ له تبعاتِ تناولِ المخدّرات، ولكنّهُ استفزّني ببرودةِ أعصابِهِ ونَفْيِهِ للمعلومةِ بأسلوبٍ هادئٍ غيرِ معهود، فأنذرتُهُ بشدة، وهدّدتُهُ بإجراءاتٍ أخرى في حالِ تَكَرُّرِ الأمرِ لكنّهُ لم يكترث..

استمرّت حالةُ الصدِّ والردِّ هذهِ ما يقاربُ سنة، حتى بلغَ السابعةَ عشرةَ من عمرِه، واقترَبَ من أبواب الثامنةِ عشرة، لأضبطَ في خزانتِه الخاصةِ آثارَ الحشيش، هنا لم أحتملْ نفسي، فبدأتُ بالصراخِ عليهِ والانفعاِل والشتم، مما أدى إلى استغرابِه، فوقفَ أمامي مائلَ الخصرِ وقالها بكلِّ وقاحة: ليش عم تحكي معي هيك أنا حر وبعمل اللي بدي اياه، وإذا مزعوج أنا بغادر البيت وبستأجر بيت لحالي..

أنا كمواطنٍ شرقيٍّ لم أحتملْ هذا المشهد، فقمتُ بضربِه لأولِ مرةٍ منذ سنوات، مما أّدى إلى انفعالِهِ بطريقةٍ لا أخلاقية، ومغادرةِ المنزل فوراً بعد أن كسّرَ كاساتِ الشرابِ التي كانت على الطاولة، فقمتُ باللحاقِ به لكنني تراجعتُ كي لا يُفتضَحُ أمرُنا بين الناس، لا سيما أنني أعيشُ في بناءٍ يقيمُ فيه ثلاثُ عائلاتٍ عربيةٍ تربطُني بهم علاقةُ الصداقةِ والاحترامِ المتبادل..

عدتُ للمنزلِ وأنا أستشيطُ غضباً وألماً، ولدي يضيعُ في غياهبِ المخدراتِ دون أن أستطيعَ فِعْلَ شيءٍ أو تحريكَ ساكن، بالإضافةِ إلى قُربِ موعدِ وصولِ أمّهِ إلى هولندا، فكيف ستراهُ على هذهِ الحال، وما هو شعورُها وهي تشاهدُ ولدَها العاق، ولم تكن معتادةً على عقوقِهِ في سورية أبداً، وهل سوف تُحمّلني مسؤوليةَ انحلالِه؟!! كانت جُملةُ الأسئلةِ هذه تراودُني دوماً، إذ وقعتٌ في حَيرةٍ من أمري.. تارةً أفكّرُ بمصارحتِها بتطوراتِ ابنِها كي لا تنصدمَ عندما تصلُ إلى هنا، وتارةً تحدّثُني نفسي بإكمالِ مسيرةِ الكتمانِ كي لا تُصابَ بالقلق، حيث آثرتُ الخيارَ الثاني مواسياً نفسي بأملِ استقامتِهِ بعد وصولِ أمِّه، لكنَّ هذا الأملَ كان يتضاءلُ مع كلِّ تطورٍ جديد، إلى أن ضربتُهُ ذاتَ مرة، فأبلغَ المدرسةَ التي استدعتني على مرأى منه، وحذّرتني من الإقدامِ على ذلك مرةً أخرى وإلا سوف يتمُّ اتخاذُ الإجراءاتِ اللازمة..

رفعتُ صوتي في وجهِ المدرسةِ آنذاك، وحاولتُ إيصالَ فكرتي جيداً ولكنَّ الكادرَ أصرَّ على عدمِ التعرّضِ لهُ مرة أخرى، وضرورةِ عرضِ المشكلةِ على المدرسةِ التي ستجدُ لها حلاً سريعاَ حسبَ قولِهم..

عرضتُ المشكلةَ عليهم ولم أستفدْ شيئاً سوى الشعاراتِ والكلامِ الفارغِ الذي مللتُ منه بعد كلِّ إشكال، وحاولتُ الاستشهادَ أمامهم بتدنّي مستواهُ التعليمي، لعلهم يمنحونني حقَّ محاسبتِه ولكنْ دونَ جدوى..

استلمتْ أمُّهُ فيزا لمِّ الشمل، وبدأتْ تستعدُّ لإجراءاتِ الطيرانِ دونَ أيِّ اكتراثٍ منه أبداً، فلم ألاحظْ على وجهِهِ علاماتِ فرحِ اللقاءِ بوالدتِه قريباً بعد سنتينِ من الغياب، بل كان كلُّ ما يهمُّهُ أصدقاءَه وسهرةَ آخرِ الليلِ دون أيٍّ اهتمامٍ بضرورةِ الاستيقاظِ مبكراً للمدرسةِ ومتابعةِ الواجباتِ، وكنتُ أرى فيه صفاتِ الشابِ الأوروبيِّ الذي لا يكترثُ للعلاقاتِ الاجتماعية، وهو بعيدٌ كلَّ البعدِ عن شيءٍ اسمُهُ أمٌ أو أبٌ أو عائلة، أو أيِّ نوعٍ من الوشائجِ الاجتماعية..

وصلت أمُّهُ بخيرٍ وسلامةٍ إلى مطارِ أمستردام، لكنّهُ للأسفِ تغيّبَ عن اللقاء، رغمَ كلِّ الوعودِ التي قطعها على نفسِهِ بأنهُ سوف يحضرُ لحظةَ وصول والدتِه، وكانت هذه اللحظةُ بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ في حياتِهِ وحياتِنا جميعاً..

أحدثكُم في الحلقةِ القادمةِ بمشيئةِ الله عن التطوراتِ الجديدةِ التي حلّتْ بنا تِباعاً، وصولاً إلى خسارتِنا لهُ بشكلٍ كامل..

تابعونا

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/15503

خاص – مجموعة العمل

في هولندا، مملكةِ الزهور، البلدِ الأوروبيِّ الأكثرِ انفتاحاً واهتماماً بالحريات، خاصةً الحرياتِ الشخصيةِ منها، كان لأبي جهاد حكايةٌ من نوعٍ آخر، حيث التقينا بهِ ذاتَ مرةٍ صُدفة، واتفقنا معهُ على الإدلاءِ بحكايتِهِ لمجموعةِ العملِ بعد تردّدٍ منقطعِ النظيرِ من قبلِهِ، لأنه يخشى على قسمٍ كبيرٍ من عائلتِه التي ماتزالُ تعيشُ تحت كنفِ النظامِ السوري، بالإضافةِ إلى خشيتِهِ على نفسِهِ لأنه قد يعودُ إلى سورية في أيِّ وقت، حيث بدأ يفكرُ وبشكلٍ جَدّيٍّ بالعودةِ بعدما حلّت بهِ هذه المصيبة..

أبو جهاد البالغُ من العمرِ خمسينَ عاماً، والمقيمُ في هولندا منذ أربعِ سنوات، يقولُ في حديثٍ خاصٍ لمجموعةِ العمل:

في بدايةِ الأحداث، كنتُ من المعارضينَ لفكرةِ السفرِ والخروج، لا بل وكنتُ أيضاً أنتقدُ المهاجرينَ ولم أكن أعلمُ آنذاك أنني سأكونُ واحداً منهم في أحدِ الأيامِ من حيثُ لا أحتسب..

لن أتحدثَ عن التهجيرِ و مخاطرِ الطريقِ و ما حلّ بنا هناك ، لأنّ ذلك أصبح ماضياً لا أرغبُ في تكرارِهِ أمام شريطِ الذاكرة ، لكنني سأحدّثُكَ عن شيءٍ أنكى و أدهى ، سأحدّثُكَ عن ولدي الذي خسرتُه هنا في هذه القارةِ التي ابتلعَت أولادَنا رغماً عن أنوفِنا ، و صدّقني أنني لا أبالغُ حين أقولُ لك بأنّ خسارةَ الولدِ حينما يموت، أهونُ بكثيرٍ من خسارتِه و هو حي ، قد يكونُ هذا مفاجئاً و غريباً للكثيرين، لكنّهُ عينُ الحقيقةِ التي أقتنعُ بها بعد تجربةٍ شخصيةٍ مررتُ بها، فالابنُ حين يموتُ تخسرُه و يغيبُ عن نظرِك، و لأنه غائبٌ فإنّ وَقْعَ الألمِ يتلاشى رويداً رويداً، أما حين تخسرُ ولدَكَ وهو حيٌّ فإنك تتألّمُ في اليومِ الواحدِ ألفَ مرة ..

ذاتَ مرّةٍ اتصلَ بي مدرّسُ ابني في مدرستِه في هولندا، وسألني عن سببِ غيابِه اليوم، فقلت له بأنّ الولدَ ذهبً صباحاً إلى المدرسة، فقال لي إنه لم يأتِ منذ يومين، وعليّ أن أعالجَ القضية باعتباري وليَّ أمرِه، وعلى الفورِ بادرتُ بالاتصالِ بولدي الذي كان آنذاك قد بلغَ السادسةَ عشرةَ من عمرِه، فلم يُجِب، فأرسلتُ له رسالةً نصيّةً طالبتُهُ فيها بضرورةِ الاتصالِ بي فوراً..

كنت آنذاك حديثَ العهدِ في هولندا، وفي انتظارِ لَمِّ الشمل مع زوجتي وابنتي الصغيرة، اللّتينِ لم أكن بعدُ قد أخبرتُهما بكلِّ التفاصيلِ المتعلّقةِ بالولد، خشيةَ أن يؤثرَ ذلك على معنوياتِهم..

لم أقل لزوجتي إنّ هناك تغييراتٍ سلبيةً بدأت تظهرُ في سلوكِ ابنِها ولم أقل لها إنّ رفاقَهُ في المدرسةِ والحيِّ هم من أسوأِ الشباب، وهذا ما دفعَني إلى القلقِ والتنبيهِ أكثرَ من مرّة، لكنّ قانونَ البلدِ لا يسمحُ سوى بالنصيحةِ والنقدِ والكلام، ويحاسبُ بِشِدّةٍ كلَّ من تسوّلُ لهُ نفسُه أن يضربَ ابنَهُ أو يهدّدَهُ بالضربِ أو يتوعّدَه..

وبالعودةِ إلى قصةِ ولدي، فبعد إرسالِ الرسالةِ بساعتينِ اتصلَ بي هو، وأخبرَني بكل رحابةِ صدرٍ أنّهُ لم يذهبْ للمدرسة، بل ذهبَ إلى بيتِ صديقِهِ المريضِ للاطمئنانِ عليه، وعندما حاولتُ تقريعَهُ وتوبيخَهُ أغلقَ سمّاعةَ الهاتفِ ولم يعد يستجيبُ للاتصالاتِ والرسائل..

كان ولدي في السادسةَ عشرةَ من عمرِه كما أخبرتُكم، وفي هذا السنِّ يجبُ التعاملُ بحذرٍ مع المراهق، ولم تبقَ وسيلةٌ إلا واتّبعتُها معهُ من أجلِ تقويمِه، ولكنْ دون جدوى، وهنا بدأتُ أستشعرُ الخطرَ الحقيقي، وذلك بعد أن وصلتني معلوماتٌ مؤكدةٌ تفيدٌ بأنهُ أصبحَ مدخّناً ويشرب الأرقيلةَ وتناول الحشيش، والحشيشُ بالمناسبةِ هو مسموحٌ في هولندا بكمّياتٍ قليلةٍ محدودة، ولكنه ممنوعٌ على من هو دون سن الثامنةَ عشرةَ سنة، لهذا تابعتُه سراً دون أن يعلم، وبالفعل تأكدتُ بنفسي من صحةِ المعلومات..

حاولتُ عَقْدَ جلسةٍ مغلقةٍ معه، لأشرحَ له تبعاتِ تناولِ المخدّرات، ولكنّهُ استفزّني ببرودةِ أعصابِهِ ونَفْيِهِ للمعلومةِ بأسلوبٍ هادئٍ غيرِ معهود، فأنذرتُهُ بشدة، وهدّدتُهُ بإجراءاتٍ أخرى في حالِ تَكَرُّرِ الأمرِ لكنّهُ لم يكترث..

استمرّت حالةُ الصدِّ والردِّ هذهِ ما يقاربُ سنة، حتى بلغَ السابعةَ عشرةَ من عمرِه، واقترَبَ من أبواب الثامنةِ عشرة، لأضبطَ في خزانتِه الخاصةِ آثارَ الحشيش، هنا لم أحتملْ نفسي، فبدأتُ بالصراخِ عليهِ والانفعاِل والشتم، مما أدى إلى استغرابِه، فوقفَ أمامي مائلَ الخصرِ وقالها بكلِّ وقاحة: ليش عم تحكي معي هيك أنا حر وبعمل اللي بدي اياه، وإذا مزعوج أنا بغادر البيت وبستأجر بيت لحالي..

أنا كمواطنٍ شرقيٍّ لم أحتملْ هذا المشهد، فقمتُ بضربِه لأولِ مرةٍ منذ سنوات، مما أّدى إلى انفعالِهِ بطريقةٍ لا أخلاقية، ومغادرةِ المنزل فوراً بعد أن كسّرَ كاساتِ الشرابِ التي كانت على الطاولة، فقمتُ باللحاقِ به لكنني تراجعتُ كي لا يُفتضَحُ أمرُنا بين الناس، لا سيما أنني أعيشُ في بناءٍ يقيمُ فيه ثلاثُ عائلاتٍ عربيةٍ تربطُني بهم علاقةُ الصداقةِ والاحترامِ المتبادل..

عدتُ للمنزلِ وأنا أستشيطُ غضباً وألماً، ولدي يضيعُ في غياهبِ المخدراتِ دون أن أستطيعَ فِعْلَ شيءٍ أو تحريكَ ساكن، بالإضافةِ إلى قُربِ موعدِ وصولِ أمّهِ إلى هولندا، فكيف ستراهُ على هذهِ الحال، وما هو شعورُها وهي تشاهدُ ولدَها العاق، ولم تكن معتادةً على عقوقِهِ في سورية أبداً، وهل سوف تُحمّلني مسؤوليةَ انحلالِه؟!! كانت جُملةُ الأسئلةِ هذه تراودُني دوماً، إذ وقعتٌ في حَيرةٍ من أمري.. تارةً أفكّرُ بمصارحتِها بتطوراتِ ابنِها كي لا تنصدمَ عندما تصلُ إلى هنا، وتارةً تحدّثُني نفسي بإكمالِ مسيرةِ الكتمانِ كي لا تُصابَ بالقلق، حيث آثرتُ الخيارَ الثاني مواسياً نفسي بأملِ استقامتِهِ بعد وصولِ أمِّه، لكنَّ هذا الأملَ كان يتضاءلُ مع كلِّ تطورٍ جديد، إلى أن ضربتُهُ ذاتَ مرة، فأبلغَ المدرسةَ التي استدعتني على مرأى منه، وحذّرتني من الإقدامِ على ذلك مرةً أخرى وإلا سوف يتمُّ اتخاذُ الإجراءاتِ اللازمة..

رفعتُ صوتي في وجهِ المدرسةِ آنذاك، وحاولتُ إيصالَ فكرتي جيداً ولكنَّ الكادرَ أصرَّ على عدمِ التعرّضِ لهُ مرة أخرى، وضرورةِ عرضِ المشكلةِ على المدرسةِ التي ستجدُ لها حلاً سريعاَ حسبَ قولِهم..

عرضتُ المشكلةَ عليهم ولم أستفدْ شيئاً سوى الشعاراتِ والكلامِ الفارغِ الذي مللتُ منه بعد كلِّ إشكال، وحاولتُ الاستشهادَ أمامهم بتدنّي مستواهُ التعليمي، لعلهم يمنحونني حقَّ محاسبتِه ولكنْ دونَ جدوى..

استلمتْ أمُّهُ فيزا لمِّ الشمل، وبدأتْ تستعدُّ لإجراءاتِ الطيرانِ دونَ أيِّ اكتراثٍ منه أبداً، فلم ألاحظْ على وجهِهِ علاماتِ فرحِ اللقاءِ بوالدتِه قريباً بعد سنتينِ من الغياب، بل كان كلُّ ما يهمُّهُ أصدقاءَه وسهرةَ آخرِ الليلِ دون أيٍّ اهتمامٍ بضرورةِ الاستيقاظِ مبكراً للمدرسةِ ومتابعةِ الواجباتِ، وكنتُ أرى فيه صفاتِ الشابِ الأوروبيِّ الذي لا يكترثُ للعلاقاتِ الاجتماعية، وهو بعيدٌ كلَّ البعدِ عن شيءٍ اسمُهُ أمٌ أو أبٌ أو عائلة، أو أيِّ نوعٍ من الوشائجِ الاجتماعية..

وصلت أمُّهُ بخيرٍ وسلامةٍ إلى مطارِ أمستردام، لكنّهُ للأسفِ تغيّبَ عن اللقاء، رغمَ كلِّ الوعودِ التي قطعها على نفسِهِ بأنهُ سوف يحضرُ لحظةَ وصول والدتِه، وكانت هذه اللحظةُ بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ في حياتِهِ وحياتِنا جميعاً..

أحدثكُم في الحلقةِ القادمةِ بمشيئةِ الله عن التطوراتِ الجديدةِ التي حلّتْ بنا تِباعاً، وصولاً إلى خسارتِنا لهُ بشكلٍ كامل..

تابعونا

الوسوم

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/15503