map
RSS instagram youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4048

قصة من المخيم.. تسع سنوات من التيه والحكاية لم تنته بعد الجزء الأول (1)

تاريخ النشر : 24-06-2021
قصة من المخيم.. تسع سنوات من التيه والحكاية لم تنته بعد الجزء الأول (1)

مجموعة العمل – لندن

قاسيةٌ تلك الحرب المُستعرة حتى الآن، والتي ماتزالُ مُصرّةً على المزيد من الإبعاد والتهجير، حتى وصلَ أبطالها إلى مشرق الأرض ومغربها، ولمّا تنتهِ الحكايةُ بعد..

فلسطينيو سورية كانوا و مازالوا على موعدٍ مؤرّقٍ مع هذه الحرب، وهم حتى اللحظة يواصلون الزحف بحثاً عن الأمان والحياة الكريمة، ولأنهم كذلك، فقد وصلوا إلى بلادٍ لم نكن نسمع بها إلا مرة في العام أو في العامين خلال نشرات الأخبار، أو خلال دروس الجغرافية، لكنهم اليوم يطؤون هذي البقع الجغرافية، ويأبى سوء الحظ إلّا أن يزاملهم حيثما حلّوا وارتحلوا..

مجموعة العمل بحثت عن هؤلاء للتحاور معهم، بهدف تسليط الضوء على معاناتهم، والكشف عن خط المسير لديهم وما كابدوه من ظُلمٍ واضطهادٍ واعتقال وسط تخلّي المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان عن واجباتهم تجاه هؤلاء المُتعَبين ...

مجموعة العمل من أجل فلسطينيّي سورية، تواصلت مع الأخ أبي آدم 38 عاماً، وهو من أحد مخيمات ريف دمشق سابقاً، رفض الإفصاح عن اسمه الصريح لأسباب شخصية لم يعلن عنها، يقيم حالياً في تايلاند، ويروي لنا مراحل المعاناة، ويُفصّل في ملف المعتقلين الفلسطينيين في تايلاند، ذلك الملف الذي لم يتطرق له سوى قلة من أصحاب الضمائر الحية، الذي تحركوا وبشكل عاجل لإطلاق سراح المعتقلين هناك، فنجحوا في إطلاق سراح البعض، فيما تستمر جهودهم لإطلاق سراح بقية الإخوة..

يقول أبو آدم في حديث خاص لمجموعة العمل: " منذ فترة طويلة ونحن نبحث عن وسيلة إعلام أو نافذة صادقة توصلنا إلى العالم الخارجي، لكننا لم نوفّق، إذ أنني وصحبي الفلسطينيين المقيمين في هذا البلد عانينا الأمرّين، وهذه المعاناة ليست وليدة اللحظة، بل ضاربة في لجذور وعمرها سبعة أعوام.

كنت أعيش في ريف دمشق، وعندما بدأت الحرب ودخلت المخيمات الفلسطينية في مرحلة التهجير، قررت خوض التجربة ذاتها التي خاضها الكثيرون قبلي، بحثاً عن حياةٍ أفضل، إذ أنني كنت أعمل في ميكانيك المعدات الثقيلة، ولا أريد الخوض في تَبِعات الحرب هناك، وما آلت إليه الأوضاع هناك، لأن تلك الأوضاع السيئة لم تعد لِتَخفى على أحدٍ، ولا يستطيع أحد إنكارها والتشكيك فيها.

وفي شهر آذار مارس عام 2013، كنت قد اتخذت القرار، بضرورة الهجرة لأنني ظننتها آنذاك سبيلي الوحيد للتخلص من أعباء الحروب.

ونظراً إلى قلة ذات اليد، وعدم قدرتي على دفع الأموال الباهظة التي كانت مترتبة على السفر والترحال، فقد أخذت مشورة البعض الذين نصحوني بالتوجه إلى تايلاند من خلال فيزا سياحة من السفارة في دمشق، ومن هناك أستطيع طلب اللجوء إلى الدول الأوروبية من خلال فوضية الأمم المتحدة، إذ إنّ فترة الانتظار كانت سنة واحدة كحد أقصى، بدءاً من يوم الوصول إلى تايلاند، وختاماً بالحصول على حق اللجوء في إحدى الدول الأوروبية.

وصدق المثل الشعبي حين قال (حساب القرايا غير حساب السرايا)، إذ أنّ هذه السنة التي كانت مُدرَجة على لائحة المخطط، ولدت وأنجبت ست سنوات جديدة، وأصبح المجموع سبع سنوات خالية من كل شيء إلا من الشوق إلى أمي وأحبائي، والندم على خوض مثل هذا النوع من المغامرات التي لا تُبقي لك مالاً ولا همة، ولا عمراً حتى، فيفنى العمر رويداً رويداً تحت وطأةِ الوعود الفارغة، والانتظار القاتل، ويشيب الفتى وهو يترقب شيئاً اسمه تذكرة الإقامة، أو فيزا شينغن، أو موطئ قدم له في أوروبا.

وصلتُ إلى تايلاند عن طريق لبنان، وأدركت العاصمة بانكو على الفور، وعشت في أحد الأحياء الذي يشهدُ تواجداً عربياً بعض الشيء، للتخفيف من ضراوة الغربة وشقاء المرحلة، على أمل أن يكون هذا الشقاء مؤقتاً ريثما نحصل على حق اللجوء في إحدى الدول الأوروبية، وذلك عن طريق مفوضية الأمم المتحدة..

عملت في أحد المطاعم هناك، لتأمين لقمة العيش، بأجرة لا تتجاوز 8 يورو في اليوم والتي لا تسدّ إلا جزءاً يسيراً من احتياجاتي والتزاماتي، لكنّ النقطة التي جعلتني أعمل بهذا السعر الزهيد أنّني أستطيع النوم في المطعم، وأستطيع الأكل فيه مجاناً، وهكذا أصبح المطعم بيتي ومكان عملي ومرقدي و70% من حياتي..

لكن البقاء في تايلاند حتى لو كان على هذه الشاكلة الصعبة، أصبح محفوفاً بالمخاطر، مع اقتراب موعد انتهاء الفيزا في تايلاندا، لذلك لابد من البحث عن حلول ووجهات جديدة، لكنّ عمليات البحث هذه تتطلب أموالاً كثيرة، وهذا ما كان يؤخرني في كل مرة، إذ أشار عليّ البعض بالتوجه إلى لاوس وهي بلد محاذي لتايلاند، وأن أشتري جوازاً غير قانوني، ومن هناك أسافر إلى فيتنام ثم إلى فنلندا.

أسماءٌ غريبةٌ لدولٍ لم أكن أعرفها إلا على الخارطة، ولم أكن أعلم أنّ هذه الدول ستأكل من عمري الكثير الكثير، وستكون يوماً ما، جزءاً لا يُنسى من الذاكرة، طالما أنه محفورٌ في ثنايا الدماغ بسبب حجم المآسي التي ألِفناها وألِفَتنا، حتى أصبحنا نقتاتها في الصباح والمساء..

و بالفعل اشتريت جوازاً إسبانياً من شخص باكستاني ، و قمنا بعبور الحدود من تايلاند إلى لاوس بشكل غير شرعي، و بعد الوصول أمّنَ لنا هذا الشخص الباكستاني ختم دخول إلى لاوس و مهره على الجواز الإسباني، على أننا دخلنا لاوس بشكل نظامي قادمين من تركيا ، و نحن في الحقيقة دخلناها بشكل مخالف قادمين من تايلاند، لكنها تلك الأيادي الطائلة التي تُفرِغ جيوبنا من الأموال مقابل محاولة هنا و محاولة هناك، و في نهاية المطاف تفشل كل المحاولات، و تبقى في منتصف الطريق كما بقينا نحن، فلا العودة إلى سورية بسهلة المنال، و لا المتابعة نحو المجهول بالأمر اليسير، لذلك تركنا رياح القدر تعصفُ بنا كيفما شاءت، و تأخذ من حياتنا ما أرادت من السنين من الشهور.

ولاوس هو بلد صغير جغرافياً، مجاور لتايلاندا، يبلغ عدد سكانه ما يقارب ثلاثة ملايين نسمة، و من لاوس عبرنا إلى المحطة الجديدة فيتنام، و من هناك بدأ الأمل يحدونا، لأنّ ما رُسِم على الورق يُشير أنّ فنلندا ستكون المحطة المقبلة بعد فيتنام التي بقيت فيها أسبوعين و أنا أمتشق الجواز الإسباني الذي لا أنتمي إليه و لا ينتمي إلي، و هذا ما كان يشكّلُ مصدرَ قلقٍ لي في فيتنام، لأنني مهدد بالسجن و الترحيل في أيّ لحظة يُكشَف فيها جوازي الإسباني على حقيقته المترهّلة.

حصلتُ على الفيزا إلى فيتنام، وتوجّهت إلى المطار، ولكنّ الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، وتأبى الرياح أيضاً إلا أن تُحطّم لنا هاتيك السفن، وتتركنا غرقى في غياهب بلادٍ لا ناقةَ لنا فيه ولا جمل، وهذا ما حصل معي في مطار فيتنام، إذ كُشِفَ أمري هناك وبانَ الجواز الإسباني على حقيقته، وطارت الطائرة بدوني إلى فنلندا، وعدتُ أدراجَ المطار برفقة الشرطة مكبل اليدين، بعدما تمّ احتجازي وإتلاف الجواز، لأغدو صفر اليدين، لا أملك أيّ وثيقة أو جواز يثبت شخصيتي.

ولأنني قادمٌ من لاوس، فقد صدر القرار بترحيلي من فيتنام إلى لاوس بواسطة سيارة، عبرت الطرق الجبلية الوعرة في رحلةٍ شاقة استغرقت يومين، وهناك في لاوس استلمني أفراد الشرطة، فلم يعثروا على أي ورقة تثبت شخصيتي وانتمائي، لذلك تم إيداعي في السجن دون توجيه أي تهمة لي ، فقط بانتظار حصولي على أي وثيقة تثبت شخصيتي من أجل إطلاق سراحي، وهنا بدأت المعضلة، فمن زاوية أولى: كيف أستطيع أن أجلب هذه الوثيقة وأنا المسجون في هذا البلد الذي لا أعرف فيه كائناً بشرياً، ومن زاوية أخرى : لا أستطيع إخبار أهلي في سورية بما حصل معي، لأن ظروف الحرب هناك قد حمّلتهم من الهموم والمتاعب النفسية ما يكفي توزيعه على مدينةٍ بأكملها، لذلك آثرت ألا أخبرهم بحقيقة أمري، و كنت أتصل فيهم من داخل السجن، و أقول لهم أنني انتقلت إلى مدينة أخرى والانترنت فيها ضعيف للغاية، وسوف أعود إلى المدينة السابقة في أسرع وقتٍ ممكن، وهناك سأكون في وفرةٍ من الانترنت، ولله الحمد أنهم كانوا يصدّقونني بعد كل اتصال، و لم أشعر من جهتهم بالشك والريبة، ولم أخبر أحداً بما آلت إليه أوضاعي باستثناء أخي الذي كان هو الآخر متواجداً في تايلاند استعداداً لخوض التجربة ذاتها التي خضتُها أنا ..

يا لِظلامِ السجن ما أقساه!! لئيمةٌ جدران السجن كثيراً في بلادنا ومسقط رأسنا، فكيف هو الحال إذن في بلادٍ لا أعرف عنها شيئاً سوى اسمها الأعجمي.. وشديدةٌ هي قبضة السجان حتى لو كان هذا السجّان من لَحمِكَ ودَمِكَ، فكيف هو الحال إذن مع سجّانٍ لا يربطك فيه تاريخٌ ولا لغةٌ ولا جغرافية، باستثناء الإنسانية وهي الرابط اليتيم بيني وبين سجّاني في لاوس..

وفي السجن تمّ إيداعي في مهجعٍ مشترك مع مافيات من الصين، وتجار مخدّرات أفارقة وأوروبيين، وجوههم لا تبعث على الارتياح البتّة، حيث كنتُ أنام بينهم على الأرض، قَلِقاً ، حزيناً ، متألماً لما آلت إليه أوضاعي ، أمّا الطعام الذي كان يُقدَّم لنا فحدّث و لا حرج، أطباقٌ لا أعرف أسماءها و مكوّناتها، فيها لحمٌ ليس حلالاً  كنتُ مضطراً لتناوله، ولا أعلم إلى أيّ فصيلٍ من الحيوانات ينتمي، أما المُقبّلات المرافقة لأطباق الطعام فكانت عبارة عن ساوس مصنوع من دم الأغنام، يتناوله السجناء بشراهة، ومن سمع أو قرأ ليس كمن رأى وعاش التجربة بكل حيثياتها وتفاصيلها.

والأهم من كل ذلك أنه يترتب عليّ وأنا داخل هذا السجن أن أؤمّن وثيقة سفر تثبت شخصيّتي وإلّا لن يتم إطلاق سراحي من هذا السجن الذي بقيت فيه ستة أشهر، وهي مدة ليست بالقليلة.."

هنا يختم أبو آدم الجزء الأول من هذه الحكاية التي لم تنتهِ فصولها بعد، تُرَى مع من تواصل أبو آدم وهو داخل السجن في لاوس؟ وكيف حصل ذلك؟ وما هو مدى استجابة الشخصية التي خاطبها أبو آدم من داخل السجن؟ وما هو نوع وحجم المساعدة التي تم توفيرها لأبي آدم؟ وهل انتهت المأساة عند إطلاق سراحه من سجن لاوس أم حصلت هناك مستجدات أخرى؟؟ هذا ما سوف يُطلِعُنا عليه الأخ أبو آدم في الحلقة الثانية من سلسلة (قصة من المخيم)..

كونوا معنا..

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/15587

مجموعة العمل – لندن

قاسيةٌ تلك الحرب المُستعرة حتى الآن، والتي ماتزالُ مُصرّةً على المزيد من الإبعاد والتهجير، حتى وصلَ أبطالها إلى مشرق الأرض ومغربها، ولمّا تنتهِ الحكايةُ بعد..

فلسطينيو سورية كانوا و مازالوا على موعدٍ مؤرّقٍ مع هذه الحرب، وهم حتى اللحظة يواصلون الزحف بحثاً عن الأمان والحياة الكريمة، ولأنهم كذلك، فقد وصلوا إلى بلادٍ لم نكن نسمع بها إلا مرة في العام أو في العامين خلال نشرات الأخبار، أو خلال دروس الجغرافية، لكنهم اليوم يطؤون هذي البقع الجغرافية، ويأبى سوء الحظ إلّا أن يزاملهم حيثما حلّوا وارتحلوا..

مجموعة العمل بحثت عن هؤلاء للتحاور معهم، بهدف تسليط الضوء على معاناتهم، والكشف عن خط المسير لديهم وما كابدوه من ظُلمٍ واضطهادٍ واعتقال وسط تخلّي المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان عن واجباتهم تجاه هؤلاء المُتعَبين ...

مجموعة العمل من أجل فلسطينيّي سورية، تواصلت مع الأخ أبي آدم 38 عاماً، وهو من أحد مخيمات ريف دمشق سابقاً، رفض الإفصاح عن اسمه الصريح لأسباب شخصية لم يعلن عنها، يقيم حالياً في تايلاند، ويروي لنا مراحل المعاناة، ويُفصّل في ملف المعتقلين الفلسطينيين في تايلاند، ذلك الملف الذي لم يتطرق له سوى قلة من أصحاب الضمائر الحية، الذي تحركوا وبشكل عاجل لإطلاق سراح المعتقلين هناك، فنجحوا في إطلاق سراح البعض، فيما تستمر جهودهم لإطلاق سراح بقية الإخوة..

يقول أبو آدم في حديث خاص لمجموعة العمل: " منذ فترة طويلة ونحن نبحث عن وسيلة إعلام أو نافذة صادقة توصلنا إلى العالم الخارجي، لكننا لم نوفّق، إذ أنني وصحبي الفلسطينيين المقيمين في هذا البلد عانينا الأمرّين، وهذه المعاناة ليست وليدة اللحظة، بل ضاربة في لجذور وعمرها سبعة أعوام.

كنت أعيش في ريف دمشق، وعندما بدأت الحرب ودخلت المخيمات الفلسطينية في مرحلة التهجير، قررت خوض التجربة ذاتها التي خاضها الكثيرون قبلي، بحثاً عن حياةٍ أفضل، إذ أنني كنت أعمل في ميكانيك المعدات الثقيلة، ولا أريد الخوض في تَبِعات الحرب هناك، وما آلت إليه الأوضاع هناك، لأن تلك الأوضاع السيئة لم تعد لِتَخفى على أحدٍ، ولا يستطيع أحد إنكارها والتشكيك فيها.

وفي شهر آذار مارس عام 2013، كنت قد اتخذت القرار، بضرورة الهجرة لأنني ظننتها آنذاك سبيلي الوحيد للتخلص من أعباء الحروب.

ونظراً إلى قلة ذات اليد، وعدم قدرتي على دفع الأموال الباهظة التي كانت مترتبة على السفر والترحال، فقد أخذت مشورة البعض الذين نصحوني بالتوجه إلى تايلاند من خلال فيزا سياحة من السفارة في دمشق، ومن هناك أستطيع طلب اللجوء إلى الدول الأوروبية من خلال فوضية الأمم المتحدة، إذ إنّ فترة الانتظار كانت سنة واحدة كحد أقصى، بدءاً من يوم الوصول إلى تايلاند، وختاماً بالحصول على حق اللجوء في إحدى الدول الأوروبية.

وصدق المثل الشعبي حين قال (حساب القرايا غير حساب السرايا)، إذ أنّ هذه السنة التي كانت مُدرَجة على لائحة المخطط، ولدت وأنجبت ست سنوات جديدة، وأصبح المجموع سبع سنوات خالية من كل شيء إلا من الشوق إلى أمي وأحبائي، والندم على خوض مثل هذا النوع من المغامرات التي لا تُبقي لك مالاً ولا همة، ولا عمراً حتى، فيفنى العمر رويداً رويداً تحت وطأةِ الوعود الفارغة، والانتظار القاتل، ويشيب الفتى وهو يترقب شيئاً اسمه تذكرة الإقامة، أو فيزا شينغن، أو موطئ قدم له في أوروبا.

وصلتُ إلى تايلاند عن طريق لبنان، وأدركت العاصمة بانكو على الفور، وعشت في أحد الأحياء الذي يشهدُ تواجداً عربياً بعض الشيء، للتخفيف من ضراوة الغربة وشقاء المرحلة، على أمل أن يكون هذا الشقاء مؤقتاً ريثما نحصل على حق اللجوء في إحدى الدول الأوروبية، وذلك عن طريق مفوضية الأمم المتحدة..

عملت في أحد المطاعم هناك، لتأمين لقمة العيش، بأجرة لا تتجاوز 8 يورو في اليوم والتي لا تسدّ إلا جزءاً يسيراً من احتياجاتي والتزاماتي، لكنّ النقطة التي جعلتني أعمل بهذا السعر الزهيد أنّني أستطيع النوم في المطعم، وأستطيع الأكل فيه مجاناً، وهكذا أصبح المطعم بيتي ومكان عملي ومرقدي و70% من حياتي..

لكن البقاء في تايلاند حتى لو كان على هذه الشاكلة الصعبة، أصبح محفوفاً بالمخاطر، مع اقتراب موعد انتهاء الفيزا في تايلاندا، لذلك لابد من البحث عن حلول ووجهات جديدة، لكنّ عمليات البحث هذه تتطلب أموالاً كثيرة، وهذا ما كان يؤخرني في كل مرة، إذ أشار عليّ البعض بالتوجه إلى لاوس وهي بلد محاذي لتايلاند، وأن أشتري جوازاً غير قانوني، ومن هناك أسافر إلى فيتنام ثم إلى فنلندا.

أسماءٌ غريبةٌ لدولٍ لم أكن أعرفها إلا على الخارطة، ولم أكن أعلم أنّ هذه الدول ستأكل من عمري الكثير الكثير، وستكون يوماً ما، جزءاً لا يُنسى من الذاكرة، طالما أنه محفورٌ في ثنايا الدماغ بسبب حجم المآسي التي ألِفناها وألِفَتنا، حتى أصبحنا نقتاتها في الصباح والمساء..

و بالفعل اشتريت جوازاً إسبانياً من شخص باكستاني ، و قمنا بعبور الحدود من تايلاند إلى لاوس بشكل غير شرعي، و بعد الوصول أمّنَ لنا هذا الشخص الباكستاني ختم دخول إلى لاوس و مهره على الجواز الإسباني، على أننا دخلنا لاوس بشكل نظامي قادمين من تركيا ، و نحن في الحقيقة دخلناها بشكل مخالف قادمين من تايلاند، لكنها تلك الأيادي الطائلة التي تُفرِغ جيوبنا من الأموال مقابل محاولة هنا و محاولة هناك، و في نهاية المطاف تفشل كل المحاولات، و تبقى في منتصف الطريق كما بقينا نحن، فلا العودة إلى سورية بسهلة المنال، و لا المتابعة نحو المجهول بالأمر اليسير، لذلك تركنا رياح القدر تعصفُ بنا كيفما شاءت، و تأخذ من حياتنا ما أرادت من السنين من الشهور.

ولاوس هو بلد صغير جغرافياً، مجاور لتايلاندا، يبلغ عدد سكانه ما يقارب ثلاثة ملايين نسمة، و من لاوس عبرنا إلى المحطة الجديدة فيتنام، و من هناك بدأ الأمل يحدونا، لأنّ ما رُسِم على الورق يُشير أنّ فنلندا ستكون المحطة المقبلة بعد فيتنام التي بقيت فيها أسبوعين و أنا أمتشق الجواز الإسباني الذي لا أنتمي إليه و لا ينتمي إلي، و هذا ما كان يشكّلُ مصدرَ قلقٍ لي في فيتنام، لأنني مهدد بالسجن و الترحيل في أيّ لحظة يُكشَف فيها جوازي الإسباني على حقيقته المترهّلة.

حصلتُ على الفيزا إلى فيتنام، وتوجّهت إلى المطار، ولكنّ الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، وتأبى الرياح أيضاً إلا أن تُحطّم لنا هاتيك السفن، وتتركنا غرقى في غياهب بلادٍ لا ناقةَ لنا فيه ولا جمل، وهذا ما حصل معي في مطار فيتنام، إذ كُشِفَ أمري هناك وبانَ الجواز الإسباني على حقيقته، وطارت الطائرة بدوني إلى فنلندا، وعدتُ أدراجَ المطار برفقة الشرطة مكبل اليدين، بعدما تمّ احتجازي وإتلاف الجواز، لأغدو صفر اليدين، لا أملك أيّ وثيقة أو جواز يثبت شخصيتي.

ولأنني قادمٌ من لاوس، فقد صدر القرار بترحيلي من فيتنام إلى لاوس بواسطة سيارة، عبرت الطرق الجبلية الوعرة في رحلةٍ شاقة استغرقت يومين، وهناك في لاوس استلمني أفراد الشرطة، فلم يعثروا على أي ورقة تثبت شخصيتي وانتمائي، لذلك تم إيداعي في السجن دون توجيه أي تهمة لي ، فقط بانتظار حصولي على أي وثيقة تثبت شخصيتي من أجل إطلاق سراحي، وهنا بدأت المعضلة، فمن زاوية أولى: كيف أستطيع أن أجلب هذه الوثيقة وأنا المسجون في هذا البلد الذي لا أعرف فيه كائناً بشرياً، ومن زاوية أخرى : لا أستطيع إخبار أهلي في سورية بما حصل معي، لأن ظروف الحرب هناك قد حمّلتهم من الهموم والمتاعب النفسية ما يكفي توزيعه على مدينةٍ بأكملها، لذلك آثرت ألا أخبرهم بحقيقة أمري، و كنت أتصل فيهم من داخل السجن، و أقول لهم أنني انتقلت إلى مدينة أخرى والانترنت فيها ضعيف للغاية، وسوف أعود إلى المدينة السابقة في أسرع وقتٍ ممكن، وهناك سأكون في وفرةٍ من الانترنت، ولله الحمد أنهم كانوا يصدّقونني بعد كل اتصال، و لم أشعر من جهتهم بالشك والريبة، ولم أخبر أحداً بما آلت إليه أوضاعي باستثناء أخي الذي كان هو الآخر متواجداً في تايلاند استعداداً لخوض التجربة ذاتها التي خضتُها أنا ..

يا لِظلامِ السجن ما أقساه!! لئيمةٌ جدران السجن كثيراً في بلادنا ومسقط رأسنا، فكيف هو الحال إذن في بلادٍ لا أعرف عنها شيئاً سوى اسمها الأعجمي.. وشديدةٌ هي قبضة السجان حتى لو كان هذا السجّان من لَحمِكَ ودَمِكَ، فكيف هو الحال إذن مع سجّانٍ لا يربطك فيه تاريخٌ ولا لغةٌ ولا جغرافية، باستثناء الإنسانية وهي الرابط اليتيم بيني وبين سجّاني في لاوس..

وفي السجن تمّ إيداعي في مهجعٍ مشترك مع مافيات من الصين، وتجار مخدّرات أفارقة وأوروبيين، وجوههم لا تبعث على الارتياح البتّة، حيث كنتُ أنام بينهم على الأرض، قَلِقاً ، حزيناً ، متألماً لما آلت إليه أوضاعي ، أمّا الطعام الذي كان يُقدَّم لنا فحدّث و لا حرج، أطباقٌ لا أعرف أسماءها و مكوّناتها، فيها لحمٌ ليس حلالاً  كنتُ مضطراً لتناوله، ولا أعلم إلى أيّ فصيلٍ من الحيوانات ينتمي، أما المُقبّلات المرافقة لأطباق الطعام فكانت عبارة عن ساوس مصنوع من دم الأغنام، يتناوله السجناء بشراهة، ومن سمع أو قرأ ليس كمن رأى وعاش التجربة بكل حيثياتها وتفاصيلها.

والأهم من كل ذلك أنه يترتب عليّ وأنا داخل هذا السجن أن أؤمّن وثيقة سفر تثبت شخصيّتي وإلّا لن يتم إطلاق سراحي من هذا السجن الذي بقيت فيه ستة أشهر، وهي مدة ليست بالقليلة.."

هنا يختم أبو آدم الجزء الأول من هذه الحكاية التي لم تنتهِ فصولها بعد، تُرَى مع من تواصل أبو آدم وهو داخل السجن في لاوس؟ وكيف حصل ذلك؟ وما هو مدى استجابة الشخصية التي خاطبها أبو آدم من داخل السجن؟ وما هو نوع وحجم المساعدة التي تم توفيرها لأبي آدم؟ وهل انتهت المأساة عند إطلاق سراحه من سجن لاوس أم حصلت هناك مستجدات أخرى؟؟ هذا ما سوف يُطلِعُنا عليه الأخ أبو آدم في الحلقة الثانية من سلسلة (قصة من المخيم)..

كونوا معنا..

الوسوم

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/15587