map
RSS instagram youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4048

بودكاست قصة من المخيم بعنوان "لَحِصارُ قطاعِ غزةَ أحَبُّ إلى قلبي من معتقلاتِهم" (2)

تاريخ النشر : 17-09-2021
بودكاست قصة من المخيم بعنوان "لَحِصارُ قطاعِ غزةَ أحَبُّ إلى قلبي من معتقلاتِهم" (2)

خاص|| مجموعة العمل – لندن

لَحِصارُ غزّةَ أحَبُّ على قلبي من رؤيةِ وجوهِهم.. تلك هي العبارةُ العالقةُ في الذاكرةِ من الحلقةِ السابقةِ التي أدلى بها أحمد.. أحدُ فلسطينيّي سورية، والذي تمّ ترحيلُهُ إلى قطاعِ غزة بعد مشاركتِه في المظاهراتِ التي عمّت المدنَ السورية، فبعد وصولِهِ إلى قطاع غزةَ يتابعُ حديثَهَ الخاص مع مجموعة العملِ حيث يقول :" دعني أتحدثُ عمّا حصلَ مع أسرتي في المخيم بعد اعتقالي، حيث بدأتِ المضايقاتُ عليهم من قبلِ الأجهزةِ الأمنية، على اعتبارِ أنّ ولدَهم مشتركٌ بالثورة، حيث وَضِعَت على الأسرة (نقطة سودة) كما يقولُ المثل، وأصبحَ الرعبُ ملازِماً لهم على مدارِ الساعة، لاسيّما أنهم أضعفُ من بقيةِ الفلسطينيين هناك بسببِ عدمِ امتلاكِهم تذاكرِ الإقامة، ولذلك قُيّدَت حركتُهم داخل المخيم ولم يجرؤوا على المرورِ ضمن الحواجزِ العسكرية، بالإضافةِ إلى قلقِهم الدائمِ عليّ وأنا في السجن، وعلى حين غفلةٍ طُرِقَ البابُ وإذ هناك دوريةٌ من فرعِ الأمنِ السياسيِّ تسلّمُ والدي وثيقةَ استدعاءٍ إلى فرعِ فلسطين للتحقيق، ذلك الفرعُ الذي كان اسمُهُ مصدرَ رعبٍ للفلسطينيينَ والسوريينَ على حَدٍّ سواء، حيث أخبرني والدي كيف أمضى لياليَ عصيبةً خوفاً من هذا الاستدعاء، وكيف أنه تواصلَ مع شخصيةٍ فلسطينيةٍ بمستوىً عالٍ للتدخلِ لدى فرعِ فلسطين في حال أنه لم يُطلَقْ سراحُه، وبالفعل توجّهَ والدي إلى هناك وأجرِيَ التحقيقُ معه على خلفيّةِ اعتقالي بعد مشاركتي في المظاهرات، ولا يرغبُ والدي بإعطاءِ تفاصيلَ كثيرةٍ حول ما جرى أثناءَ التحقيقِ معه، لكنه يكتفي بالقول إنه تمّ احتجازُهُ في الفرعِ بعد التحقيق، فتدخّلَ ذلك المسؤولُ الفلسطينيُّ وقتَها، وتمّ إطلاقُ سراحِ والدي، لِيُخبرَهُ ذلك المسؤولُ بأنّ العائلةَ أصبحَت من العائلاتِ التي يمكن اعتقالُ أفرادِها بأي وقت، أي أنها أصبحت من المغضوبِ عليهم، وبالتالي لا مصلحةَ لها بالبقاءِ في سورية أبداً، لأنّ هذا المسؤولَ لن يتمكنَ من التدخلِ مرةً أخرى في حال تكررَ الاستدعاء ..

ماذا يفعل والدي؟؟ الخياراتُ أمامه ضحلةٌ للغاية، فلا يوجدُ إمكانيةٌ ماديةٌ للسفر، وبعد طولِ تفكّرٍ وتدبّرٍ ومشاوراتٍ حثيثةٍ سريعة، اتخذَ والدي قراراً شجاعاً باللحاقِ بي إلى غزة، لأنه الخيارُ الوحيدُ المتاحُ أمامه في ذلك الوقت، وهو أسرعُ خيارٍ بالنسبةِ له في ظلِّ المخاوفِ الأمنيّةِ التي تحيطُ بالعائلة.. بدأ والدي بإجراءاتِ السفرِ إلى مصر، وكانت مرحلةً صعبةً للغاية، لاسيّما أنه يحملُ جوازَ سلطةٍ بدون رقمٍ وطنيٍّ، لذلك نصحهُ البعضُ بأن يحجزَ تذكرةَ طيرانٍ إلى مصر ذهاباً إياباً، وهناك في مصر تبدأُ عمليةُ المطالبةِ بالدخولِ إلى قطاعِ غزة، وربما ينجحُ الأمرُ وربما لا، وفي حال لم ينجح فإنّ العائلةَ معرّضةٌ لخطرِ الإرجاعِ إلى سورية، وهذا ما جعلَ والدي يعيشُ حالةً من الشتاتِ الفكريِّ، لكنّ الحياةَ أحياناً تجبرُنا على خوضِ المغامراتِ بغضّ النظرِ عن النتائج..

وبالفعل حجزَت العائلة تذاكرَ الذهابِ والإياب، وودّعوا هم الآخرون أرضَ المخيمِ منطلقينَ نحو المجهول، وكنتُ وقتها قد وصلتُ إلى قطاعِ غزة، أتابعُ أخبارَهم بقلقٍ بالغٍ لأنني على اطّلاعٍ واسعٍ بالمخاطرِ المحفوفةِ بهم، وهناك في مطار القاهرةِ نزلوا من الطائرةِ ليخبروا سلطاتِ المطارِ بالقصةِ كاملةً من الألفِ إلى الياء، وبأنهم يريدون التوجّهَ إلى قطاع غزةَ بلدِهم الأصلي، ولا يريدونَ العودةَ إلى سورية أبداً..

رفضَت السلطاتِ المصرية طلبَهم رفضاً قاطعاً، وبرّرت ذلك بالقول إنهم جاؤوا إلى مصر بملءِ إرادتِهم ولم يتم ترحيلُهم كما هو الحالُ بالنسبةِ لي، وبالتالي لا يحقُّ لهم أبداً الدخولُ إلى غزةَ وعليهم العودةُ من حيث أتوا ولا مجالَ للنقاشِ أبداً، وعندما احتدّ النقاشُ بين الطرفين، عمدَت سلطاتُ المطارِ إلى احتجازِ والدي و إخوتي البالغين، في حين سمحوا للإناثِ والقاصرين بالدخول إلى مصر مدةَ شهر ثم العودةُ إلى سورية تحتَ طائلةِ المسؤولية، أما والدي والآخرون فقد اُتّخِذَ القرارُ بإرجاعهم قسراً إلى سورية على متنِ أولِ طائرةٍ متوجّهةٍ إلى هناك ..

رفضَ والدي الصعودَ إلى الطائرة، فحاولت الشرطةُ إصعادَه بالقوة فلم يستطيعوا، الأمرُ الذي أحدثَ اشتباكاً بالأيدي بين الطرفين، وبلبلةً داخل المطار، وانتهت المواجهة بإقلاعِ الطائرةِ من دونِ والدي الذي نجحَ في عنادِه، ولم يكتفِ بالعناد فحسب، بل عمدَ أيضاً إلى الدخولِ في اعتصامٍ مفتوحٍ تطوّر إلى إضرابٍ عن الطعام داخل المطار، واستمرت هذه الحالُ مدةَ عشرين يومٍ تقريباً، ممّا أحدَثَ ضجّةً إعلامية، لأنّ والدي كان يحدّثُ كلَّ من يقابلُهُ داخل غرفةِ الاحتجازِ في المطار عن قصّتِه ومعاناتِه، وكيف أنهم يريدونَ إجبارَهُ على العودةِ إلى بلدٍ ليست بلدَهُ الأصلي، وهو معرّضٌ في حال العودةِ إلى خطرِ الاعتقالِ والتعذيبِ خاصةً بعد افتضاحِ القضيةِ وما خلّفته من تَبِعاتٍ داخل المطار ..

تدخّلتِ السفارةُ الفلسطينيةُ وبعضٌ من شخصياتِ الحكومةِ في قطاع غزة لحلّ هذه المعضلةِ بعد أن تفاقمت كثيراً، لتنتصرَ إرادةُ والدي في نهايةِ المطاف، ويتم إدخالُ العائلةِ إلى قطاع غزةَ بعد مأساةٍ فريدةٍ من نوعِها..

اجتمعنا مع بعضِنا داخل القطاع، وسكنّا في حراجٍ حكوميٍّ كان جدّي قد وضعَ يدَهُ عليه سابقاً، ولهذا دعني أحدّثُكَ عن واقعِ معيشتِنا هنا على الشريطِ الحدوديِّ مع الاحتلال..

نسكنُ في كرفاناتٍ قريبةٍ من مجاري الصرفِ الصحّي، فلا هي صالحةٌ للعيش صيفاً ولا شتاءً، ففي الصيف يُضنينا الحَرّ، وفي الشتاء نعاني من فوضى الوحلِ والصرفِ الصحّي، ولكنّ سكانَ القطاعِ الأصليّين أنفسَهم يسكنون في ظروفٍ مشابهة، بعد أن أرهقهم الحصارُ والفقرُ وقلةُ ذاتِ اليد، فكيف سيكونون قادرين على إعانتِنا؟!! ولم نكن الوحيدينَ القادمينَ من مخيماتِ سورية، بل كان في القطاع ما يقارب 300 عائلة، فرّ نصفُهم إلى خارجِ القطاعِ بعد أن أرهقهم الفقرُ والجوع، في حين بقيَ النصفُ الآخرُ تحت وطأةِ الحصارِ راضياً بما قسمَهُ اللهُ له..

وعودٌ كثيرةٌ تلقيناها مثلَ زخِّ المطر سواء من طرفِ السلطةِ الفلسطينيةٍ أم من طرف الحكومةِ في غزة التي تعاني من تَبِعاتِ الحصار، لكنّ كلّ تلك الوعودِ ذهبَت أدراجَ الرياح..

كما أنّ الاعتداءاتِ الإسرائيليةَ المتكررةَ على القطاع زادت من معاناتِنا كثيراً، وذلك بحكم موقعِنا المحاذي للشريط مع الاحتلال، ففي عدوانِ عام ألفينِ وأربعةَ عشر حلّت علينا ليالٍ عصيبة، حاولنا الخروجَ من منازلِنا نحوَ أحياءِ القطاع، لكنّ جنودَ الاحتلالِ رفضوا السماحَ لنا في بدايةِ الأمر، بحجةِ أنّ المنطقةَ مغلقةٌ عسكرياً، لكننا أخبرناهم أنّنا مدنيون نريدُ الخروجَ فرفضوا أيضاً، ممّا دفعنا للخروجِ مخاطرين بأرواحِنا جميعاً أمامَ ضراوةِ القصفِ والتوترِ الذي حصل..

هُجّرِنا إلى مدارسِ القطاع وبقينا هناك أربعينَ يوماً شملَت شهرَ رمضان المبارك وأيامَ عيدِ الفطر، لنقضيَ وقتاً عصيباً من المفترضِ أن يكونَ وقتاً للعبادةِ والسعادة..

لم يرحم الطيرانُ الإسرائيليُّ أحداً واستهدفَ المدارسَ والمساجدَ والمدنيّين، ممّا أوقعَ عدداً من الشهداءِ والجرحى دفنّاهم بأيدينا، وحاولنا إسعافَ البعضِ أيضاً معرّضينَ حياتَنا للخطر المباشر..

كان القطاعُ عرضةً للغاراتِ الإسرائيليةِ في أيّةِ لحظة، ومع ذلك تأقلمنا مع الوضعِ هناك وأصبحنا نشاركُ الأهالي مأساتَهم المتجذّرة..

كما أنّ جائحةَ كورونا فاقمَت من معاناتِنا هناك، وقلّلت من فرصِ العمل التي كانت قليلةً أساساً، بسبب مخاوفِ الاحتكاكِ مع الناس، و لأننا نعلمُ تماماً أنّ الإصابةَ بفايروس كورونا داخلَ قطاعِ غزةَ تعني شيئاً آخر، يختلفُ تماماً عن الحالُ خارج جغرافيا القطاع، وذلك بسبب نقصِ المستلزماتِ الطبيّة والأدويةِ والأجهزةِ اللازمةِ بفعل الحصارِ المفروض، لكنني وبفضلِ الله تعالى مازلتُ أزاولُ مهنةَ الأعمالِ الحرة، كي أستطيعَ تأمينَ لقمةِ العيشِ التي أصبحَت صعبةَ المنال هنا في القطاع، فالواقعُ مأساويٌّ للغاية، وربما أعجزُ عن وصفِهِ في هذه المداخلة ..

هذا هو نصيبُنا في أوطانِنا، فقد عشتُ بين وطنَين سليبَين، فالأول هُجّرنا منه تاركينَ خلفنا ماضياً لا يُنسَى، والثاني نعيشُهُ الآن على وقعِ الحصارِ والفقرِ والمعاناةِ التي تتجلى في تخلّي الجميع عنا، حتى وكالة الأونروا قلّصت حجمَ مساعدتِها لنا بسبب العقوباتِ الاقتصاديةِ المفروضةِ عليها..

أشكرُ موقعَكم لاهتمامِه بمعاناتِنا ولعلّنا نلقى أذناً صاغيةً لنا تلتفت إلى معاناةِ هذا الشعبِ المنكوبِ داخلَ القطاعِ الذي أُغلِقَت في وجههِ الأبوابُ والمعابر..

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/16064

خاص|| مجموعة العمل – لندن

لَحِصارُ غزّةَ أحَبُّ على قلبي من رؤيةِ وجوهِهم.. تلك هي العبارةُ العالقةُ في الذاكرةِ من الحلقةِ السابقةِ التي أدلى بها أحمد.. أحدُ فلسطينيّي سورية، والذي تمّ ترحيلُهُ إلى قطاعِ غزة بعد مشاركتِه في المظاهراتِ التي عمّت المدنَ السورية، فبعد وصولِهِ إلى قطاع غزةَ يتابعُ حديثَهَ الخاص مع مجموعة العملِ حيث يقول :" دعني أتحدثُ عمّا حصلَ مع أسرتي في المخيم بعد اعتقالي، حيث بدأتِ المضايقاتُ عليهم من قبلِ الأجهزةِ الأمنية، على اعتبارِ أنّ ولدَهم مشتركٌ بالثورة، حيث وَضِعَت على الأسرة (نقطة سودة) كما يقولُ المثل، وأصبحَ الرعبُ ملازِماً لهم على مدارِ الساعة، لاسيّما أنهم أضعفُ من بقيةِ الفلسطينيين هناك بسببِ عدمِ امتلاكِهم تذاكرِ الإقامة، ولذلك قُيّدَت حركتُهم داخل المخيم ولم يجرؤوا على المرورِ ضمن الحواجزِ العسكرية، بالإضافةِ إلى قلقِهم الدائمِ عليّ وأنا في السجن، وعلى حين غفلةٍ طُرِقَ البابُ وإذ هناك دوريةٌ من فرعِ الأمنِ السياسيِّ تسلّمُ والدي وثيقةَ استدعاءٍ إلى فرعِ فلسطين للتحقيق، ذلك الفرعُ الذي كان اسمُهُ مصدرَ رعبٍ للفلسطينيينَ والسوريينَ على حَدٍّ سواء، حيث أخبرني والدي كيف أمضى لياليَ عصيبةً خوفاً من هذا الاستدعاء، وكيف أنه تواصلَ مع شخصيةٍ فلسطينيةٍ بمستوىً عالٍ للتدخلِ لدى فرعِ فلسطين في حال أنه لم يُطلَقْ سراحُه، وبالفعل توجّهَ والدي إلى هناك وأجرِيَ التحقيقُ معه على خلفيّةِ اعتقالي بعد مشاركتي في المظاهرات، ولا يرغبُ والدي بإعطاءِ تفاصيلَ كثيرةٍ حول ما جرى أثناءَ التحقيقِ معه، لكنه يكتفي بالقول إنه تمّ احتجازُهُ في الفرعِ بعد التحقيق، فتدخّلَ ذلك المسؤولُ الفلسطينيُّ وقتَها، وتمّ إطلاقُ سراحِ والدي، لِيُخبرَهُ ذلك المسؤولُ بأنّ العائلةَ أصبحَت من العائلاتِ التي يمكن اعتقالُ أفرادِها بأي وقت، أي أنها أصبحت من المغضوبِ عليهم، وبالتالي لا مصلحةَ لها بالبقاءِ في سورية أبداً، لأنّ هذا المسؤولَ لن يتمكنَ من التدخلِ مرةً أخرى في حال تكررَ الاستدعاء ..

ماذا يفعل والدي؟؟ الخياراتُ أمامه ضحلةٌ للغاية، فلا يوجدُ إمكانيةٌ ماديةٌ للسفر، وبعد طولِ تفكّرٍ وتدبّرٍ ومشاوراتٍ حثيثةٍ سريعة، اتخذَ والدي قراراً شجاعاً باللحاقِ بي إلى غزة، لأنه الخيارُ الوحيدُ المتاحُ أمامه في ذلك الوقت، وهو أسرعُ خيارٍ بالنسبةِ له في ظلِّ المخاوفِ الأمنيّةِ التي تحيطُ بالعائلة.. بدأ والدي بإجراءاتِ السفرِ إلى مصر، وكانت مرحلةً صعبةً للغاية، لاسيّما أنه يحملُ جوازَ سلطةٍ بدون رقمٍ وطنيٍّ، لذلك نصحهُ البعضُ بأن يحجزَ تذكرةَ طيرانٍ إلى مصر ذهاباً إياباً، وهناك في مصر تبدأُ عمليةُ المطالبةِ بالدخولِ إلى قطاعِ غزة، وربما ينجحُ الأمرُ وربما لا، وفي حال لم ينجح فإنّ العائلةَ معرّضةٌ لخطرِ الإرجاعِ إلى سورية، وهذا ما جعلَ والدي يعيشُ حالةً من الشتاتِ الفكريِّ، لكنّ الحياةَ أحياناً تجبرُنا على خوضِ المغامراتِ بغضّ النظرِ عن النتائج..

وبالفعل حجزَت العائلة تذاكرَ الذهابِ والإياب، وودّعوا هم الآخرون أرضَ المخيمِ منطلقينَ نحو المجهول، وكنتُ وقتها قد وصلتُ إلى قطاعِ غزة، أتابعُ أخبارَهم بقلقٍ بالغٍ لأنني على اطّلاعٍ واسعٍ بالمخاطرِ المحفوفةِ بهم، وهناك في مطار القاهرةِ نزلوا من الطائرةِ ليخبروا سلطاتِ المطارِ بالقصةِ كاملةً من الألفِ إلى الياء، وبأنهم يريدون التوجّهَ إلى قطاع غزةَ بلدِهم الأصلي، ولا يريدونَ العودةَ إلى سورية أبداً..

رفضَت السلطاتِ المصرية طلبَهم رفضاً قاطعاً، وبرّرت ذلك بالقول إنهم جاؤوا إلى مصر بملءِ إرادتِهم ولم يتم ترحيلُهم كما هو الحالُ بالنسبةِ لي، وبالتالي لا يحقُّ لهم أبداً الدخولُ إلى غزةَ وعليهم العودةُ من حيث أتوا ولا مجالَ للنقاشِ أبداً، وعندما احتدّ النقاشُ بين الطرفين، عمدَت سلطاتُ المطارِ إلى احتجازِ والدي و إخوتي البالغين، في حين سمحوا للإناثِ والقاصرين بالدخول إلى مصر مدةَ شهر ثم العودةُ إلى سورية تحتَ طائلةِ المسؤولية، أما والدي والآخرون فقد اُتّخِذَ القرارُ بإرجاعهم قسراً إلى سورية على متنِ أولِ طائرةٍ متوجّهةٍ إلى هناك ..

رفضَ والدي الصعودَ إلى الطائرة، فحاولت الشرطةُ إصعادَه بالقوة فلم يستطيعوا، الأمرُ الذي أحدثَ اشتباكاً بالأيدي بين الطرفين، وبلبلةً داخل المطار، وانتهت المواجهة بإقلاعِ الطائرةِ من دونِ والدي الذي نجحَ في عنادِه، ولم يكتفِ بالعناد فحسب، بل عمدَ أيضاً إلى الدخولِ في اعتصامٍ مفتوحٍ تطوّر إلى إضرابٍ عن الطعام داخل المطار، واستمرت هذه الحالُ مدةَ عشرين يومٍ تقريباً، ممّا أحدَثَ ضجّةً إعلامية، لأنّ والدي كان يحدّثُ كلَّ من يقابلُهُ داخل غرفةِ الاحتجازِ في المطار عن قصّتِه ومعاناتِه، وكيف أنهم يريدونَ إجبارَهُ على العودةِ إلى بلدٍ ليست بلدَهُ الأصلي، وهو معرّضٌ في حال العودةِ إلى خطرِ الاعتقالِ والتعذيبِ خاصةً بعد افتضاحِ القضيةِ وما خلّفته من تَبِعاتٍ داخل المطار ..

تدخّلتِ السفارةُ الفلسطينيةُ وبعضٌ من شخصياتِ الحكومةِ في قطاع غزة لحلّ هذه المعضلةِ بعد أن تفاقمت كثيراً، لتنتصرَ إرادةُ والدي في نهايةِ المطاف، ويتم إدخالُ العائلةِ إلى قطاع غزةَ بعد مأساةٍ فريدةٍ من نوعِها..

اجتمعنا مع بعضِنا داخل القطاع، وسكنّا في حراجٍ حكوميٍّ كان جدّي قد وضعَ يدَهُ عليه سابقاً، ولهذا دعني أحدّثُكَ عن واقعِ معيشتِنا هنا على الشريطِ الحدوديِّ مع الاحتلال..

نسكنُ في كرفاناتٍ قريبةٍ من مجاري الصرفِ الصحّي، فلا هي صالحةٌ للعيش صيفاً ولا شتاءً، ففي الصيف يُضنينا الحَرّ، وفي الشتاء نعاني من فوضى الوحلِ والصرفِ الصحّي، ولكنّ سكانَ القطاعِ الأصليّين أنفسَهم يسكنون في ظروفٍ مشابهة، بعد أن أرهقهم الحصارُ والفقرُ وقلةُ ذاتِ اليد، فكيف سيكونون قادرين على إعانتِنا؟!! ولم نكن الوحيدينَ القادمينَ من مخيماتِ سورية، بل كان في القطاع ما يقارب 300 عائلة، فرّ نصفُهم إلى خارجِ القطاعِ بعد أن أرهقهم الفقرُ والجوع، في حين بقيَ النصفُ الآخرُ تحت وطأةِ الحصارِ راضياً بما قسمَهُ اللهُ له..

وعودٌ كثيرةٌ تلقيناها مثلَ زخِّ المطر سواء من طرفِ السلطةِ الفلسطينيةٍ أم من طرف الحكومةِ في غزة التي تعاني من تَبِعاتِ الحصار، لكنّ كلّ تلك الوعودِ ذهبَت أدراجَ الرياح..

كما أنّ الاعتداءاتِ الإسرائيليةَ المتكررةَ على القطاع زادت من معاناتِنا كثيراً، وذلك بحكم موقعِنا المحاذي للشريط مع الاحتلال، ففي عدوانِ عام ألفينِ وأربعةَ عشر حلّت علينا ليالٍ عصيبة، حاولنا الخروجَ من منازلِنا نحوَ أحياءِ القطاع، لكنّ جنودَ الاحتلالِ رفضوا السماحَ لنا في بدايةِ الأمر، بحجةِ أنّ المنطقةَ مغلقةٌ عسكرياً، لكننا أخبرناهم أنّنا مدنيون نريدُ الخروجَ فرفضوا أيضاً، ممّا دفعنا للخروجِ مخاطرين بأرواحِنا جميعاً أمامَ ضراوةِ القصفِ والتوترِ الذي حصل..

هُجّرِنا إلى مدارسِ القطاع وبقينا هناك أربعينَ يوماً شملَت شهرَ رمضان المبارك وأيامَ عيدِ الفطر، لنقضيَ وقتاً عصيباً من المفترضِ أن يكونَ وقتاً للعبادةِ والسعادة..

لم يرحم الطيرانُ الإسرائيليُّ أحداً واستهدفَ المدارسَ والمساجدَ والمدنيّين، ممّا أوقعَ عدداً من الشهداءِ والجرحى دفنّاهم بأيدينا، وحاولنا إسعافَ البعضِ أيضاً معرّضينَ حياتَنا للخطر المباشر..

كان القطاعُ عرضةً للغاراتِ الإسرائيليةِ في أيّةِ لحظة، ومع ذلك تأقلمنا مع الوضعِ هناك وأصبحنا نشاركُ الأهالي مأساتَهم المتجذّرة..

كما أنّ جائحةَ كورونا فاقمَت من معاناتِنا هناك، وقلّلت من فرصِ العمل التي كانت قليلةً أساساً، بسبب مخاوفِ الاحتكاكِ مع الناس، و لأننا نعلمُ تماماً أنّ الإصابةَ بفايروس كورونا داخلَ قطاعِ غزةَ تعني شيئاً آخر، يختلفُ تماماً عن الحالُ خارج جغرافيا القطاع، وذلك بسبب نقصِ المستلزماتِ الطبيّة والأدويةِ والأجهزةِ اللازمةِ بفعل الحصارِ المفروض، لكنني وبفضلِ الله تعالى مازلتُ أزاولُ مهنةَ الأعمالِ الحرة، كي أستطيعَ تأمينَ لقمةِ العيشِ التي أصبحَت صعبةَ المنال هنا في القطاع، فالواقعُ مأساويٌّ للغاية، وربما أعجزُ عن وصفِهِ في هذه المداخلة ..

هذا هو نصيبُنا في أوطانِنا، فقد عشتُ بين وطنَين سليبَين، فالأول هُجّرنا منه تاركينَ خلفنا ماضياً لا يُنسَى، والثاني نعيشُهُ الآن على وقعِ الحصارِ والفقرِ والمعاناةِ التي تتجلى في تخلّي الجميع عنا، حتى وكالة الأونروا قلّصت حجمَ مساعدتِها لنا بسبب العقوباتِ الاقتصاديةِ المفروضةِ عليها..

أشكرُ موقعَكم لاهتمامِه بمعاناتِنا ولعلّنا نلقى أذناً صاغيةً لنا تلتفت إلى معاناةِ هذا الشعبِ المنكوبِ داخلَ القطاعِ الذي أُغلِقَت في وجههِ الأبوابُ والمعابر..

الوسوم

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/16064