map
RSS instagram youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4116

بودكاست|| قصة من المخيم|| كورونا يلقي بِحِمْلِهِ الثقيل على أسرةِ عماد (1)

تاريخ النشر : 07-12-2021
بودكاست|| قصة من المخيم|| كورونا يلقي بِحِمْلِهِ الثقيل على أسرةِ عماد (1)

|مجموعة العمل| لندن |

أرخت جائحةُ كورونا بظلالِها على العالمِ بأسرِه، وعطّلَت مفاصلَ الحياة، واقتحمت القصورَ العاتيةَ التي يلبثُ فيها الزعماءُ والرؤساءُ والملوك، غيرَ آبهةٍ بالحدودِ الجغرافيةِ والحواجزِ الالكترونيةِ التي صنعَتها يدُ الإنسان، ويكادُ الواحدُ منا يجزمُ أنّ الكونَ كلَّهُ مُتّشِحٌ بالسوادِ والحزن، وذلك بعدما فقدَ أحدَ أقاربِهِ أو أصدقائِهِ أو مُحبّيه، وحالتِ المسافاتُ بينهُ وبين المرضى والمفقودين الذي أرهقَهم فيروس كورونا.

فلسطينيو سورية كانوا جزءاً من هذه المعاناةِ المستمرّةِ حتى هذا اليوم، وبسببِ التهجيرِ المُمنهَجِ الذي تعرّضوا له فقد تفاقمت معاناتُهم في هذا الخصوص، فالابنُ لم يستطع على سبيلِ المثالِ رثاءَ أبيهِ الذي صرعَهُ الفايروس إلا عن بُعد، والأمّ كذلك بكت ابنَها المريضَ أو المفقودَ من خلالِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيّ، وذلك بعد أن تبعثرَ فلسطينيو سورية في كافةِ أنحاءِ المعمورة.

عماد.. كان لهُ نصيبٌ كبيرٌ من سخطِ كورونا على الناس، رغم أنّ العدوى لم تنتقل إليهِ بعد، إلّا أنّها أصابت والدَهُ الذي لم يصمد طويلاً أمامَها، بل سرعانَ ما لُفَّ بالكفنِ الأبيضِ ورحلَ عن الدنيا تاركاً في قلبِ ابنِهِ عماد غصةً إلى الأبدِ حسبَ تعبيرِه.

عماد فلسطينيٌّ سوريٌّ مقيمٌ في السويد منذ ستِّ سنوات، و لديهِ أخٌ وحيدٌ مقيمٌ في بريطانيا، بينما تعيشُ أختاهُ المتزوّجتانِ في سورية، أمّا أبوهُ فقد كانَ يعيشُ مع زوجتِهِ الجديدة التي تزوّجها بعد وفاةِ أمِّ عماد بفترةٍ وجيزة، الأمرُ الذي أحدَثَ بلبلةً في العائلة، لاسيما عائلةُ زوجتِهِ الفقيدة، حيث اتّهمَهُ أقاربُها بعدمِ الوفاءِ لها أو الحزنِ عليها حتى، و إلّا لَمَا أقدمَ على الزواجِ بعد وفاتِها بشهرٍ واحدٍ رغمَ أنّ المشيبَ قد ظهرَ في رأسِه.

في الصباحِ الباكرِ تلقّى عماد اتصالاً هاتفيّاً من زوجةِ أبيه، لتخبرَهُ أنّ والدَهُ ظهرَت عليهِ علاماتُ كورونا و أظهرَت نتائجُ التحليلِ أنه مصابٌ بالفايروس، وهو يعاني الآن من حرارةٍ مرتفعة، وضيقٍ في التنفّس وزكامٍ متواصل، و على الفورِ طلبَ عمادُ منها أنْ تعطيَ الهاتفَ لأبيهِ كي يتحدّثَ إليهِ مباشرةً بعدما اعترته الصدمة، حيث أنّهُ كان قد اتصلَ بوالدِه قبلَ يومٍ واحدٍ فقط، ولم يكن والدُهُ في عِدَادِ المصابين، لكنّ زوجةَ أبيهِ أخبرته أنّ والدَهُ لا يريدُ لهم أن يعرفوا بإصابتِهِ لسببينِ اثنين: السببُ الأولُ أنهم في غربةٍ صعبة، ولا يريدُ أنْ يُشغِلَ بالَهم أو يُضفِيَ التوترَ على حياتِهم، إذ يتّسم أبو عماد بالعاطفةِ الفائضة، والقلقِ المستمرِّ على أبنائِهِ الذي ولجوا مرحلةَ الشبابِ والرجولةِ وأصبحَ لديهم أبناءٌ و زوجات، إلّا أنهم في نظرِهِ ما يزالونَ أطفالاً أو مراهقينَ بحاجةٍ إلى حنانِهِ ورأفتِهِ بهم.

السببُ الثاني هو أنّ أبا عماد من الجيلِ القديمِ الذين تربّوا على الخوفِ من النظامِ السوريّ الذي قذفَ الرعبَ والهلعَ في قلوبِهم منذ سنواتِ الحكمِ التي كان فيها حافظُ الأسدِ على رأسِ السلطةِ في سورية، فهو يخشى أنْ يصرّحَ لأبنائه أنّهُ مصابٌ بالكورونا، لأنّ النظامَ السوريَّ كان مُتَكتّماً للغايةِ على عددِ الإصاباتِ والوفيّاتِ في البلد، وبحسبِ اعتقادِ أبي عماد إنّ إعلانَهُ عن الإصابةِ قد يعرّضُهُ للمساءلةِ والمحاسبة، لاسيّما أن المخبريَّ الذي كان يتواصلُ مع أبي عماد والذي أجرى له عمليةَ التحليلِ بنفسِهِ لم يجرؤ على البوحِ مباشرةً إلى أبي عماد بنتيجةِ التحليل، بل اعتمدَ لغةَ الحشوِ والتلميح، وذلك من خلالِ الاكتفاءِ بالنصيحةِ والإرشادات، كعدمِ الاحتكاكِ مع الآخرين، والإكثار من تناولِ الحمضيّات، وتقويةِ المناعة، ومزاولةِ التمارينِ الرياضيةِ قدرَ الإمكان، وحين سأله أبو عماد بشكلٍ مباشر: هل أنا مصابٌ بالكورونا؟!! أجابهُ المخبريّ: افعل ما قلتُهُ لك وسوف تتعافى بمشيئةِ الله..

تساءلَ عماد خلال مشاركتِه في هذه الحلقة مع مجموعة العمل: لماذا أخفى النظامُ السوريُّ عددَ الإصاباتِ والوفيّاتِ في بدايةِ انتشارِ الجائحة؟؟ هل يعتبرُ ذلك جزءاً من المؤامرةِ الكونيةِ التي تُحَاكُ ضدّهُ بسبب مواقفِهِ الداعمةِ للقضيةِ الفلسطينية؟؟ لماذا حاولَ التسويقَ أنّ بلادَهُ خاليةٌ من الوباءِ في حين كانت المشافي تغصُّ بالمصابينَ والمفقودين؟؟ ما لذي ينوي الحصولَ عليه؟ ما تبريرُ ذلك؟ ألم يُصَب إعلاميون سوريّون ورجالُ دِين، ومسؤولونَ كبارُ في الدولة؟ ألم تنكشفِ الأرقامُ الحقيقيةُ لاحقاً والتي أسفرت عن وجودِ آلافِ الإصاباتِ والوفيّات؟ ألم تعترف دولٌ عظمى بعجزِها أمام الوباءِ رغم تقدّمِها الطبّي في حين بقيت سورية الأسد الحصنَ المنيعَ الذي صمدَ أمام الوباء؟

جلستُ مع نفسي ساعاتٍ طويلةٍ أُسَائِلُها وأبحثُ معها عن تبريرٍ يليقُ بالتكتّمِ الذي اتبعه النظامُ السوريُّ فلم أجد..

يقولُ عماد إنه تواصلَ مباشرةً مع والدِهِ و أخبرَهُ بأنه على درايةٍ بإصابته و لَوْمِهِ الشديدِ له بسبب تكتّمِهِ على القضيّة، لكنّ دموعَ الأبِ التي هطلَت سريعاً هي التي دفعت عماد إلى تغييرِ الحوارِ كُلّيّاً لعلّ والدَهُ يتمالكُ أعصابَهُ، لكنّ والدَهُ المريضُ فاجأهُ بالنوح: أشعرُ بدنوِّ أجلي يا بُنَيّ .. أشعرُ أنّ عمري بات قصيراً جداً، وأيامي باتت معدودة، ولا أبكي خوفاً من الموت بقدرِ ما أبكي لأنني سأموتُ بعيداً عنكم، أوصيكَ يا عماد أن تبرَّ أُختَيك، وأنْ تصلَ رَحِمَكَ على الدوام، وأن تبقى دائماً كثيرَ الدعاءِ لي، لأنّ دعاءك هو الشيءُ الوحيدُ الذي ينفعُني في منزلتي الأخيرة..

حاولَ عماد أن يُلَاطفَ والدَهُ و يخبرَهُ عن الكثيرِ من حالاتِ الإصابة التي تماثلَت إلى الشفاء، واستعادَت عافيتَها من جديد، لكنّ يقينَ والدَهُ بالموتِ هو الذي غلبَ في نهايةِ المرحلة..

اتصلَ عماد بإخوتِهِ جميعاً ليخبرَهم بإصابةِ أبيهم و بحالتهِ النفسيّةِ المتردّية، إلا أنّ المصيبة تفاقمت عندما عزَفَ أبوهم عن التحدثِ إليهم جميعاً بذريعةِ بُحّةِ صوتِهِ وعدمِ قدرتِه على الكلام، والاكتفاءِ بالتواصلِ مع زوجتِه، ممّا أصابهم جميعاً بالقلقِ الذي وصلَ بهم إلى مرحلةِ التخبّطِ والجنون، حيث تم الاتفاقُ على أنْ تذهب أختا عماد المقيمتانِ في سورية فوراً إلى منزلِ أبيهما رغم مشقةِ السفر و البقاءِ هناك للاطمئنانِ عليه والتواصلِ مع عمادِ وأخيهِ في بلادِ المهجر ، وهذا كلُّه حدث في أقلّ من أربعٍ وعشرينَ ساعة، و صعبٌ جداً على المرءِ أنْ تتوالى عليه الصدماتُ تِبَاعاً في يومٍ واحد، وهذا ما حصلَ مع شقيقتَي عماد اللّتينِ وجدت كلّ واحدةٍ منهما نفسَها أمامَ كابوسٍ حقيقيٍّ جاثمٍ فوقَ حياتِها، فمن خلالِ مكالمةٍ هاتفيّةٍ واحدةٍ تلّقتها من أخيها في السويد عرفَت أنّها والدَها مصابٌ بالكورونا رغمَ أنها هي الأقربُ إليه من عماد من الناحيةِ الجغرافية، ليس هذا فحسب، بل إنّ والدَها المُصابَ يعاني من تسارعٍ ملحوظٍ في الأعراضِ والمعاناة، وحالتُهُ النفسيّةُ سيّئةٌ للغاية، وهو يهدِسُ بالموتِ والأجلِ القريب، ويبكي بكاءً حارقاً للمرةٍ الأولى في حياتِهِ كما أخبرَها أخوها عماد، وهو يرفضُ التحدثَ إليهم بشكلٍ قاطع، و يترتّبُ عليها أن تسافرَ بالسرعةِ القصوى إلى منزلِهِ رغم مخاطرِ العدوى و تَخوّفِها من إصابتِها بالفايروس ونقلِ العدوى إلى أولادِها الصغار وزوجِها الذي كان متخوّفاً إلى حَدٍّ بعيد من هذه القضية، ولكنّهُ لم يقف في وجهِها ولم يمنعها من السفر، ولكنّهُ أخبرَ عماد سراً أنْ يطلبَ من شقيقتِهِ أنْ تحجرَ نفسَها خمسةَ عشرَ يوماً عند عودتِها إلى منزلِها، وذلك للتأكّدِ من سلامتِها وحرصاً على عدمِ نقلِ العدوى إلى أهلِ البيت.

تفاجأ عمادُ أيضاً بإلحاحِ صِهْرِهِ على إبقاءِ النبأِ طيَّ الكتمان، وعدم الإفصاحِ عنه، وهنا أدركَ تماماً أنّ والدَه لم يكن مبالغاً حينما كتمَ الإصابة، فهذا صهرُهُ الشاب يخشى على نفسِه أيضاً، لا سيما أنه سوف يرسلُ زوجتَهُ لزيارةِ والدِها المصاب، كما أنّ عماد فهمَ من صهرِهِ أنّ المجتمعَ بالكاملِ تعاملَ مع كورونا بشكلٍ خاطئٍ تماماً، فالمصابُ بالكورونا في نظرِ الكثيرين هو موضعُ شُبهةٍ جنائية، يُمنَعُ على الناسِ حتى الاقترابِ منه أو تداولُ اسمِهِ أو الدنوّ من منزله، ولا يعلمُ صهرُهُ من يتحملُ مسؤوليةَ هذا اللّغطِ الحاصل، الحكومةُ أم الإعلامُ أم المجتمعُ أم جميعُهم معاً ...

تُرَى هل تمكّنتِ الأختانِ الشقيقتانِ من اللحاقِ بوالدِهما أم سبقَهُما إليه الموت؟؟

كيف كانت الأيامُ والساعاتُ الأخيرةُ من حياةِ أبي عماد؟؟

ولماذا رحلَ سريعاً وماهي حالُ أبنائهِ بعد الصدمةِ الكبيرة التي قلبَت حياتَهم رأساً على عقب؟؟

هذا ما سوف يحدّثُنا بهِ عماد في حلقةِ الأسبوعِ المقبل..

حتى ذلك الحين نتركُكُم في حفظِ الرحمنِ و رعايتِه..

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/16487

|مجموعة العمل| لندن |

أرخت جائحةُ كورونا بظلالِها على العالمِ بأسرِه، وعطّلَت مفاصلَ الحياة، واقتحمت القصورَ العاتيةَ التي يلبثُ فيها الزعماءُ والرؤساءُ والملوك، غيرَ آبهةٍ بالحدودِ الجغرافيةِ والحواجزِ الالكترونيةِ التي صنعَتها يدُ الإنسان، ويكادُ الواحدُ منا يجزمُ أنّ الكونَ كلَّهُ مُتّشِحٌ بالسوادِ والحزن، وذلك بعدما فقدَ أحدَ أقاربِهِ أو أصدقائِهِ أو مُحبّيه، وحالتِ المسافاتُ بينهُ وبين المرضى والمفقودين الذي أرهقَهم فيروس كورونا.

فلسطينيو سورية كانوا جزءاً من هذه المعاناةِ المستمرّةِ حتى هذا اليوم، وبسببِ التهجيرِ المُمنهَجِ الذي تعرّضوا له فقد تفاقمت معاناتُهم في هذا الخصوص، فالابنُ لم يستطع على سبيلِ المثالِ رثاءَ أبيهِ الذي صرعَهُ الفايروس إلا عن بُعد، والأمّ كذلك بكت ابنَها المريضَ أو المفقودَ من خلالِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيّ، وذلك بعد أن تبعثرَ فلسطينيو سورية في كافةِ أنحاءِ المعمورة.

عماد.. كان لهُ نصيبٌ كبيرٌ من سخطِ كورونا على الناس، رغم أنّ العدوى لم تنتقل إليهِ بعد، إلّا أنّها أصابت والدَهُ الذي لم يصمد طويلاً أمامَها، بل سرعانَ ما لُفَّ بالكفنِ الأبيضِ ورحلَ عن الدنيا تاركاً في قلبِ ابنِهِ عماد غصةً إلى الأبدِ حسبَ تعبيرِه.

عماد فلسطينيٌّ سوريٌّ مقيمٌ في السويد منذ ستِّ سنوات، و لديهِ أخٌ وحيدٌ مقيمٌ في بريطانيا، بينما تعيشُ أختاهُ المتزوّجتانِ في سورية، أمّا أبوهُ فقد كانَ يعيشُ مع زوجتِهِ الجديدة التي تزوّجها بعد وفاةِ أمِّ عماد بفترةٍ وجيزة، الأمرُ الذي أحدَثَ بلبلةً في العائلة، لاسيما عائلةُ زوجتِهِ الفقيدة، حيث اتّهمَهُ أقاربُها بعدمِ الوفاءِ لها أو الحزنِ عليها حتى، و إلّا لَمَا أقدمَ على الزواجِ بعد وفاتِها بشهرٍ واحدٍ رغمَ أنّ المشيبَ قد ظهرَ في رأسِه.

في الصباحِ الباكرِ تلقّى عماد اتصالاً هاتفيّاً من زوجةِ أبيه، لتخبرَهُ أنّ والدَهُ ظهرَت عليهِ علاماتُ كورونا و أظهرَت نتائجُ التحليلِ أنه مصابٌ بالفايروس، وهو يعاني الآن من حرارةٍ مرتفعة، وضيقٍ في التنفّس وزكامٍ متواصل، و على الفورِ طلبَ عمادُ منها أنْ تعطيَ الهاتفَ لأبيهِ كي يتحدّثَ إليهِ مباشرةً بعدما اعترته الصدمة، حيث أنّهُ كان قد اتصلَ بوالدِه قبلَ يومٍ واحدٍ فقط، ولم يكن والدُهُ في عِدَادِ المصابين، لكنّ زوجةَ أبيهِ أخبرته أنّ والدَهُ لا يريدُ لهم أن يعرفوا بإصابتِهِ لسببينِ اثنين: السببُ الأولُ أنهم في غربةٍ صعبة، ولا يريدُ أنْ يُشغِلَ بالَهم أو يُضفِيَ التوترَ على حياتِهم، إذ يتّسم أبو عماد بالعاطفةِ الفائضة، والقلقِ المستمرِّ على أبنائِهِ الذي ولجوا مرحلةَ الشبابِ والرجولةِ وأصبحَ لديهم أبناءٌ و زوجات، إلّا أنهم في نظرِهِ ما يزالونَ أطفالاً أو مراهقينَ بحاجةٍ إلى حنانِهِ ورأفتِهِ بهم.

السببُ الثاني هو أنّ أبا عماد من الجيلِ القديمِ الذين تربّوا على الخوفِ من النظامِ السوريّ الذي قذفَ الرعبَ والهلعَ في قلوبِهم منذ سنواتِ الحكمِ التي كان فيها حافظُ الأسدِ على رأسِ السلطةِ في سورية، فهو يخشى أنْ يصرّحَ لأبنائه أنّهُ مصابٌ بالكورونا، لأنّ النظامَ السوريَّ كان مُتَكتّماً للغايةِ على عددِ الإصاباتِ والوفيّاتِ في البلد، وبحسبِ اعتقادِ أبي عماد إنّ إعلانَهُ عن الإصابةِ قد يعرّضُهُ للمساءلةِ والمحاسبة، لاسيّما أن المخبريَّ الذي كان يتواصلُ مع أبي عماد والذي أجرى له عمليةَ التحليلِ بنفسِهِ لم يجرؤ على البوحِ مباشرةً إلى أبي عماد بنتيجةِ التحليل، بل اعتمدَ لغةَ الحشوِ والتلميح، وذلك من خلالِ الاكتفاءِ بالنصيحةِ والإرشادات، كعدمِ الاحتكاكِ مع الآخرين، والإكثار من تناولِ الحمضيّات، وتقويةِ المناعة، ومزاولةِ التمارينِ الرياضيةِ قدرَ الإمكان، وحين سأله أبو عماد بشكلٍ مباشر: هل أنا مصابٌ بالكورونا؟!! أجابهُ المخبريّ: افعل ما قلتُهُ لك وسوف تتعافى بمشيئةِ الله..

تساءلَ عماد خلال مشاركتِه في هذه الحلقة مع مجموعة العمل: لماذا أخفى النظامُ السوريُّ عددَ الإصاباتِ والوفيّاتِ في بدايةِ انتشارِ الجائحة؟؟ هل يعتبرُ ذلك جزءاً من المؤامرةِ الكونيةِ التي تُحَاكُ ضدّهُ بسبب مواقفِهِ الداعمةِ للقضيةِ الفلسطينية؟؟ لماذا حاولَ التسويقَ أنّ بلادَهُ خاليةٌ من الوباءِ في حين كانت المشافي تغصُّ بالمصابينَ والمفقودين؟؟ ما لذي ينوي الحصولَ عليه؟ ما تبريرُ ذلك؟ ألم يُصَب إعلاميون سوريّون ورجالُ دِين، ومسؤولونَ كبارُ في الدولة؟ ألم تنكشفِ الأرقامُ الحقيقيةُ لاحقاً والتي أسفرت عن وجودِ آلافِ الإصاباتِ والوفيّات؟ ألم تعترف دولٌ عظمى بعجزِها أمام الوباءِ رغم تقدّمِها الطبّي في حين بقيت سورية الأسد الحصنَ المنيعَ الذي صمدَ أمام الوباء؟

جلستُ مع نفسي ساعاتٍ طويلةٍ أُسَائِلُها وأبحثُ معها عن تبريرٍ يليقُ بالتكتّمِ الذي اتبعه النظامُ السوريُّ فلم أجد..

يقولُ عماد إنه تواصلَ مباشرةً مع والدِهِ و أخبرَهُ بأنه على درايةٍ بإصابته و لَوْمِهِ الشديدِ له بسبب تكتّمِهِ على القضيّة، لكنّ دموعَ الأبِ التي هطلَت سريعاً هي التي دفعت عماد إلى تغييرِ الحوارِ كُلّيّاً لعلّ والدَهُ يتمالكُ أعصابَهُ، لكنّ والدَهُ المريضُ فاجأهُ بالنوح: أشعرُ بدنوِّ أجلي يا بُنَيّ .. أشعرُ أنّ عمري بات قصيراً جداً، وأيامي باتت معدودة، ولا أبكي خوفاً من الموت بقدرِ ما أبكي لأنني سأموتُ بعيداً عنكم، أوصيكَ يا عماد أن تبرَّ أُختَيك، وأنْ تصلَ رَحِمَكَ على الدوام، وأن تبقى دائماً كثيرَ الدعاءِ لي، لأنّ دعاءك هو الشيءُ الوحيدُ الذي ينفعُني في منزلتي الأخيرة..

حاولَ عماد أن يُلَاطفَ والدَهُ و يخبرَهُ عن الكثيرِ من حالاتِ الإصابة التي تماثلَت إلى الشفاء، واستعادَت عافيتَها من جديد، لكنّ يقينَ والدَهُ بالموتِ هو الذي غلبَ في نهايةِ المرحلة..

اتصلَ عماد بإخوتِهِ جميعاً ليخبرَهم بإصابةِ أبيهم و بحالتهِ النفسيّةِ المتردّية، إلا أنّ المصيبة تفاقمت عندما عزَفَ أبوهم عن التحدثِ إليهم جميعاً بذريعةِ بُحّةِ صوتِهِ وعدمِ قدرتِه على الكلام، والاكتفاءِ بالتواصلِ مع زوجتِه، ممّا أصابهم جميعاً بالقلقِ الذي وصلَ بهم إلى مرحلةِ التخبّطِ والجنون، حيث تم الاتفاقُ على أنْ تذهب أختا عماد المقيمتانِ في سورية فوراً إلى منزلِ أبيهما رغم مشقةِ السفر و البقاءِ هناك للاطمئنانِ عليه والتواصلِ مع عمادِ وأخيهِ في بلادِ المهجر ، وهذا كلُّه حدث في أقلّ من أربعٍ وعشرينَ ساعة، و صعبٌ جداً على المرءِ أنْ تتوالى عليه الصدماتُ تِبَاعاً في يومٍ واحد، وهذا ما حصلَ مع شقيقتَي عماد اللّتينِ وجدت كلّ واحدةٍ منهما نفسَها أمامَ كابوسٍ حقيقيٍّ جاثمٍ فوقَ حياتِها، فمن خلالِ مكالمةٍ هاتفيّةٍ واحدةٍ تلّقتها من أخيها في السويد عرفَت أنّها والدَها مصابٌ بالكورونا رغمَ أنها هي الأقربُ إليه من عماد من الناحيةِ الجغرافية، ليس هذا فحسب، بل إنّ والدَها المُصابَ يعاني من تسارعٍ ملحوظٍ في الأعراضِ والمعاناة، وحالتُهُ النفسيّةُ سيّئةٌ للغاية، وهو يهدِسُ بالموتِ والأجلِ القريب، ويبكي بكاءً حارقاً للمرةٍ الأولى في حياتِهِ كما أخبرَها أخوها عماد، وهو يرفضُ التحدثَ إليهم بشكلٍ قاطع، و يترتّبُ عليها أن تسافرَ بالسرعةِ القصوى إلى منزلِهِ رغم مخاطرِ العدوى و تَخوّفِها من إصابتِها بالفايروس ونقلِ العدوى إلى أولادِها الصغار وزوجِها الذي كان متخوّفاً إلى حَدٍّ بعيد من هذه القضية، ولكنّهُ لم يقف في وجهِها ولم يمنعها من السفر، ولكنّهُ أخبرَ عماد سراً أنْ يطلبَ من شقيقتِهِ أنْ تحجرَ نفسَها خمسةَ عشرَ يوماً عند عودتِها إلى منزلِها، وذلك للتأكّدِ من سلامتِها وحرصاً على عدمِ نقلِ العدوى إلى أهلِ البيت.

تفاجأ عمادُ أيضاً بإلحاحِ صِهْرِهِ على إبقاءِ النبأِ طيَّ الكتمان، وعدم الإفصاحِ عنه، وهنا أدركَ تماماً أنّ والدَه لم يكن مبالغاً حينما كتمَ الإصابة، فهذا صهرُهُ الشاب يخشى على نفسِه أيضاً، لا سيما أنه سوف يرسلُ زوجتَهُ لزيارةِ والدِها المصاب، كما أنّ عماد فهمَ من صهرِهِ أنّ المجتمعَ بالكاملِ تعاملَ مع كورونا بشكلٍ خاطئٍ تماماً، فالمصابُ بالكورونا في نظرِ الكثيرين هو موضعُ شُبهةٍ جنائية، يُمنَعُ على الناسِ حتى الاقترابِ منه أو تداولُ اسمِهِ أو الدنوّ من منزله، ولا يعلمُ صهرُهُ من يتحملُ مسؤوليةَ هذا اللّغطِ الحاصل، الحكومةُ أم الإعلامُ أم المجتمعُ أم جميعُهم معاً ...

تُرَى هل تمكّنتِ الأختانِ الشقيقتانِ من اللحاقِ بوالدِهما أم سبقَهُما إليه الموت؟؟

كيف كانت الأيامُ والساعاتُ الأخيرةُ من حياةِ أبي عماد؟؟

ولماذا رحلَ سريعاً وماهي حالُ أبنائهِ بعد الصدمةِ الكبيرة التي قلبَت حياتَهم رأساً على عقب؟؟

هذا ما سوف يحدّثُنا بهِ عماد في حلقةِ الأسبوعِ المقبل..

حتى ذلك الحين نتركُكُم في حفظِ الرحمنِ و رعايتِه..

الوسوم

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/16487