map
RSS instagram youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4116

بودكاست|| قصة من المخيم|| كورونا يلقي بِحِمْلِهِ الثقيل على أسرةِ عماد (2)

تاريخ النشر : 21-12-2021
بودكاست|| قصة من المخيم|| كورونا يلقي بِحِمْلِهِ الثقيل على أسرةِ عماد (2)

|مجموعة العمل| لندن |

في الأسبوع الماضي، وصلنا معكم إلى تردّي الحالةِ الصحيّةِ لأبي عمادِ الذي أصيبَ بفيروس كورونا، و الاتفاقِ الذي أبرمَهُ عمادُ مع شقيقتَيهِ اللّتينِ ستذهبانِ إلى منزلِ والدِهما، و بالفعل تمّ العزمُ على السفرِ في اليومِ الثاني، إلا أنّ السائقَ أجّلَ السفرَ يوماً إضافيّاً لعدمِ وجودِ الشاغرِ لديه، وخلال هذا اليوم تلقّى عمادُ خبراً سيّئاً جديداً، يفيدُ بإصابةِ زوجةِ أبيهِ أيضاً بالكورونا، وعلى الأرجح أنّها أخذت العدوى من زوجِها الذي تسارعَت وتيرةُ استسلامِهِ للمرض، وبعد إصابةِ الزوجةِ اتصلَ صهرُ عماد بهِ وطلبَ منهُ الإصغاءَ جيداً لهُ واستيعابَهُ وعدمَ فهمِهِ لمقصدِهِ بطريقةٍ خاطئة، فالرجل يخشى على زوجتِهِ ونفسِهِ وأولادِهِ من العدوى، فبيتُ أبي عماد أصبحَ مَوبوءاً بعد أنْ تأكّدَت إصابةُ الزوجةِ أيضاً، ولهذا استوعبَهُ عمادُ وتفهّمَ ما قصدَهُ، وطلبَ من شقيقتِهِ الإنصاتَ إلى زوجِها وعدمَ الذهابِ في الوقتِ الراهنِ تجنّباً للعدوى، وأخبرَها بأنه سوف يتصلُ بشقيقتِهِ الأخرى و يمنعُها هي الأخرى من الذهابِ إلى هناك، لأنه وبحسبِ قولِهِ لا يريدُ همّاً فوقَ هَمّ، لكنّ شقيقتَهُ الأخرى لم تنصت لمَطلبِهِ وأخبرته بأنها ستذهبُ في اليوم التالي إلى هناك وأنّ زوجَها لا يمانعُ في ذهابِها كما فعلَ زوجُ شقيقتِها، خاصّةً أنّ أبا عماد يكونُ خالَهُ قبل أن يكونَ والدَ زوجتِه ..

كل هذه الاتصالاتِ والاتفاقياتِ تجري وأبو عماد مُحجِمٌ عن الحديثِ مع أبنائِهِ جميعاً، كما أنّ زوجتَهُ المُصابةَ أيضاً بدأت تتجاهلُ اتصالاتِ الأبناء، إلى أنْ جاء اليومُ الثاني والذي سافرت فيه ابنةُ أبي عماد إلى هناك مُغامِرةً بنفسِها، لتتلقّى اتصالاً وهي في الطريقِ من عَمِّها الذي يسكنُ في المدينةِ ذاتِها التي يسكنُ فيها والدُها، فيخبرُها في المكالمةِ أنّ عليها التوجّهَ إلى منزلِهِ وليس إلى منزلِ أبيها لأنّ المنزلَ بحسبِ ادّعاءِ العمّ تمّ إغلاقُهُ من قبل مخفرِ المنطقة، حتى يتمَّ تعقيمُهُ، في حين نُقِلَ والدُها وزوجتُهُ إلى المشفى، ويُسمَحُ لهم في زيارتِهِ يومياً ضمن أوقاتِ الزيارات الرسميّة..

لم تطمئنَّ أختُ عماد من اتصالِ عَمّها، فاتصلت بعماد الذي لم يستجب لها، ثم بأخيها الآخر الذي يقيمُ في بريطانيا فلم يستجب أيضاً، ثمّ عاودت الاتصالَ بعمّها وزوجةِ أبيها فلم يستحب لها أحدٌ أيضاً..

عدنا في مجموعةِ العملِ إلى عماد لنسألَهُ عن سببِ تجاهلِ الجميعِ لاتصالاتِ شقيقتِه، فأخبرَنا أنّ والدَه قد توفّيَ بعد هجومٍ حادٍ للفايروس على رئتيه اللّتينِ لم تصمدا أمامَ شراسةِ الهجوم، ولا يريدون إخبارَ شقيقتِهِ أثناءَ طريقِ السفر، بل يريدون الانتظارَ حتى تصلَ إلى بيتِ عمّها الذي سيخبرُها هناك بهذا النبأِ العظيم، ولهذا تمَّ تلفيقُ قصةَ التعقيم..

ماتَ أبو عماد بشكلٍ سريعٍ للغاية، لم يصمد أمامَ المرضِ أكثر من عشرةِ أيامٍ فقط، سبعةٌ منها أخفى إصابتَهُ فيها عن أولادِهِ جميعاً لأسبابٍ ذكرناها في الحلقةِ الفائتة، وثلاثةُ أيامٍ أخرى أجرى فيها مكالمةً يتيمةً وحيدةً مع ابنِهِ عماد الذي يحفظُها كلمةً بكلمة، وحرفاً بحرف، في حين حُرِمَ شقيقُ عماد الآخر وشقيقتاهُ أيضاً من سماعِ صوتِ أبيهم وهو على فراشِ المرض لعلهم ينالونَ أشياءً منه ولو قليلةً قبل الرحيلِ إلى دارِ الفناء..

عماد.. بدموعِهِ الغزيرة وصدمتِهِ المروّعةِ يشعر نفسَه أنهُ في حلمٍ وليس في الحقيقة، لأنهُ كانَ معتاداً على الاستئناسِ بصوتِ أبيه يومياً، ورؤيتِهِ بالصوتِ والصورةِ وهو يلاطفُ حفيدتَهُ ابنةَ عماد، حيث كان هذا المشهد بحسبِ قولِ عماد بمثابةِ الأنيسِ الوحيدِ له بعد فقدانِ أمّهِ التي ماتت هي الأخرى دون أن يراها أو يشاركَ في جنازتِها بعد أن أبعدَتهُ الغربةُ اللعينةُ عنها..

اليوم يفقدُ عماد هذا المشهدَ كاملاً ولن يتمكنَ من رؤيةِ والدِهِ مرةً أخرى سوى في الأحلامِ أو أحلامِ اليقظةِ إذا صَحّ التعبير، لأنهُ كلّما يشتاقُ إلى والدِهِ يعمدُ كثيراً إلى الاستئناسِ بالتسجيلاتِ الصوتيةِ والصورِ والرسائلِ ومقاطعَ الفيديو التي كان والدُهُ الفقيد يرسلُها إليه كل يوم..

يقولُ عماد: لقد عانينا بعد وفاةِ والدي كثيراً، فبالإضافةِ إلى شعورِنا باليُتْمِ والضياع، واجهنا مشكلتانِ كبيرتانِ بعدَ الوفاة.. المشكلة الأولى هي ترتيباتُ الدفنِ والعزاء، فقد منعت السلطاتُ السوريةُ الناسَ من المشاركةِ في الجنازة، أو في الغسلِ و الكفن، وتولّت هي المسؤوليةَ كاملة، بذريعةِ أنها تخشى على المشاركين من انتقال العدوى إليهم إذا ما حصلَ ازدحامٌ على المقبرة، لاسيما أنّ وفاةَ والدي بهذا الشكلِ السريعِ أحدَثت صدمةً كبيرةً بين مُحبّيه، ولهذا كان قدرُنا أن نرى أبانا يُدفَنُ بحضورِ خمسةِ أشخاصٍ من أقاربهِ فقط، دون الكشفِ عن وجههِ أو السماحِ بالاقترابِ منه، وهذا باعتقادي أمرٌ مبالغٌ فيه، لأنّ الحريصَ على شعبِهِ من الازدحامِ و العدوى، لا يتجلّى حرصُهُ فقط عند المقابرِ والجنازات، بل لابد أنْ نرى هذا الحرصَ أيضاً عند الأفرانِ التي تشهدُ اكتظاظاً بشرياً هائلاً، حيث يتجمعُ الناسُ هناك فوقَ بعضِهم البعض، من أجلِ الحصولِ على رغيفِ الخبزِ دون أيّ تدخلٍ من السلطات، كذلك ينبغي أن نرى هذا الحرص عند الطوابيرِ البشريةِ التي تصطفُّ للحصولِ على جرةِ الغازِ أو ليترَينِ من البنزين .. إنه النفاقُ الحكوميُّ في أبشعِ صورِه، والذي صنعَ من جثثِ ضحايا كورونا مادةً لإظهارِ الحرصِ على المواطنين، وأبي واحدٌ من هذه الضحايا..

المشكلةُ الثانية التي فاقمَت معاناتُنا بعد وفاةِ والدي هي أصعبُ من نظيرتِها الأولى، لا.. بل هي أيضاً أصعبُ من وفاةِ والدي أيضاً، وذلك حين وقعنا في ألسنةِ بعضِ ضعافِ النفوسِ من الأقاربِ الذين طعنونا في ظهورِنا، فكانت ألسنتُهم التي تسلّطت علينها خناجرَ مسمومةً لها وقعٌ سلبيٌّ علينا أكثرُ من وقعِ السيوف، وقد صدقَ الشاعرُ حين قال:

وظُلْمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً

     على الجسمِ من وقعِ الحسامِ المُهنّدِ

فالكثيرون راحوا يقولون عنا في ظهرِ الغيبِ أننا تركنا والدَنا وحيداً و تخلّينا عن بِرِّه، ورحنا نبحثُ عن حياتِنا ومستقبلِنا في أوروبا دون الاكتراثِ لمصيرِه، فأمّهم قد ماتت وهم بعيدون عنها، وها هو أبوهم يموتُ أيضاً بعد أن تركوهُ وهاجروا، ولم يجدْ المُعَزّونَ واحداً من أبنائِهِ كي يقولوا لهُ عظّمَ اللهُ أجركم، أو إنّا للهِ وإنّا إليه راجعون، ولم يفتحوا لهُ بيتَ عزاء، وأقوالٌ كثيرةٌ من هذا القبيل، والذين قالوا هذا الكلامَ هم من أقربِ الناسِ إلينا، و قد أصبحَ هذا الأمرُ مزعجاً للغايةِ بعد تكرارِهِ كثيراً في الأيام الأولى لوفاةِ والدي، ومهما حاولتَ تجاهلَ هذه الأصواتِ الضالّةِ وعدمَ الاكتراثِ بها، إلا أنك تجدُ نفسَكَ مضطراً أحياناً للتعاملِ معها، وذلك حين تتصلُ عليكَ شقيقتُكَ باكيةً من حُرقَتين، حرقةُ فقدانِ أبيها وحُرقةِ الوقوعِ في ألسنةِ الأقارب، و أيضاً حين يتصلُ عليك أخوك الذي احترقَ بوفاةِ والدِهِ وهو في الغربةِ، باكياً مرتجفاً يقول لك : فلانٌ من الأقارب يقولُ عنا كذا وكذا، و فلانةٌ من الناسِ تقول عنا كذا وكذا .. ليس هذا فحسب، بل وصلَ الأمرُ ببعضهم إلى الطعنِ بالفقيدِ نفسِه، الفقيدِ الذي لم ينتهِ العزاءُ به بعد، الفقيدِ الذي لم ينشف ترابُ قبرِهِ بعد، فيقولونَ عنهُ أشياءَ كثيرة، ويشمتون بما أصابهُ لأنه في نظرِهم عقابٌ له من اللهِ بعد أن تزوّجَ الثانية عقب وفاةِ أمي بفترةٍ وجيزة..

مرحلةٌ صعبةٌ للغايةِ عاشها عمادُ وإخوتُهُ حيث يقولُ عمادُ في ختامِ مداخلتِهِ معنا:

الكلُّ كانَ شريكَاً في ما آلت إليه أوضاعُنا بعد وفاةِ والدي، فلكورونا كان شديدَ البأسِ على والدي حيث خطفَهُ بسرعةِ البرقِ رغم أنّ والدي لا يدخّنُ أبداً و مهتمٌ بالرياضةِ على الدوام، و كذلك الغربةُ منعتنا هي الأخرى من الوقوفِ إلى جانبِ والدِنا في محنتِه، والناسُ سلّطوا ألسنتهم علينا دون رحمةٍ أو شفقة، وإخوتي تشتّتت بهم السبلُ في أصقاعِ الأرض ولم يبقَ لنا سوى وسائلِ التواصلِ الاجتماعيّ إذا ما أردنا تنفيذَ وصيّةِ والدي المرحوم..

سأبقى على تواصلٍ مع زوجةِ أبي رغم تحريضِ البعضِ لي بالقطيعة، وليس أمامي سوى الدعاءِ لوالدَيَّ بالرحمةِ ولي بالمغفرةِ إذا ما كنتُ مُقصّراً بحقّ أحدهما..

أشكركم على إتاحةِ هذه الفرصةِ للإفصاحِ عن معاناتنا وأشكرُ تفهّمَكم على كتمانِ المعلوماتِ الشخصيةِ لنا.. دمتم ودامَ منبركم

الوسوم

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/16554

|مجموعة العمل| لندن |

في الأسبوع الماضي، وصلنا معكم إلى تردّي الحالةِ الصحيّةِ لأبي عمادِ الذي أصيبَ بفيروس كورونا، و الاتفاقِ الذي أبرمَهُ عمادُ مع شقيقتَيهِ اللّتينِ ستذهبانِ إلى منزلِ والدِهما، و بالفعل تمّ العزمُ على السفرِ في اليومِ الثاني، إلا أنّ السائقَ أجّلَ السفرَ يوماً إضافيّاً لعدمِ وجودِ الشاغرِ لديه، وخلال هذا اليوم تلقّى عمادُ خبراً سيّئاً جديداً، يفيدُ بإصابةِ زوجةِ أبيهِ أيضاً بالكورونا، وعلى الأرجح أنّها أخذت العدوى من زوجِها الذي تسارعَت وتيرةُ استسلامِهِ للمرض، وبعد إصابةِ الزوجةِ اتصلَ صهرُ عماد بهِ وطلبَ منهُ الإصغاءَ جيداً لهُ واستيعابَهُ وعدمَ فهمِهِ لمقصدِهِ بطريقةٍ خاطئة، فالرجل يخشى على زوجتِهِ ونفسِهِ وأولادِهِ من العدوى، فبيتُ أبي عماد أصبحَ مَوبوءاً بعد أنْ تأكّدَت إصابةُ الزوجةِ أيضاً، ولهذا استوعبَهُ عمادُ وتفهّمَ ما قصدَهُ، وطلبَ من شقيقتِهِ الإنصاتَ إلى زوجِها وعدمَ الذهابِ في الوقتِ الراهنِ تجنّباً للعدوى، وأخبرَها بأنه سوف يتصلُ بشقيقتِهِ الأخرى و يمنعُها هي الأخرى من الذهابِ إلى هناك، لأنه وبحسبِ قولِهِ لا يريدُ همّاً فوقَ هَمّ، لكنّ شقيقتَهُ الأخرى لم تنصت لمَطلبِهِ وأخبرته بأنها ستذهبُ في اليوم التالي إلى هناك وأنّ زوجَها لا يمانعُ في ذهابِها كما فعلَ زوجُ شقيقتِها، خاصّةً أنّ أبا عماد يكونُ خالَهُ قبل أن يكونَ والدَ زوجتِه ..

كل هذه الاتصالاتِ والاتفاقياتِ تجري وأبو عماد مُحجِمٌ عن الحديثِ مع أبنائِهِ جميعاً، كما أنّ زوجتَهُ المُصابةَ أيضاً بدأت تتجاهلُ اتصالاتِ الأبناء، إلى أنْ جاء اليومُ الثاني والذي سافرت فيه ابنةُ أبي عماد إلى هناك مُغامِرةً بنفسِها، لتتلقّى اتصالاً وهي في الطريقِ من عَمِّها الذي يسكنُ في المدينةِ ذاتِها التي يسكنُ فيها والدُها، فيخبرُها في المكالمةِ أنّ عليها التوجّهَ إلى منزلِهِ وليس إلى منزلِ أبيها لأنّ المنزلَ بحسبِ ادّعاءِ العمّ تمّ إغلاقُهُ من قبل مخفرِ المنطقة، حتى يتمَّ تعقيمُهُ، في حين نُقِلَ والدُها وزوجتُهُ إلى المشفى، ويُسمَحُ لهم في زيارتِهِ يومياً ضمن أوقاتِ الزيارات الرسميّة..

لم تطمئنَّ أختُ عماد من اتصالِ عَمّها، فاتصلت بعماد الذي لم يستجب لها، ثم بأخيها الآخر الذي يقيمُ في بريطانيا فلم يستجب أيضاً، ثمّ عاودت الاتصالَ بعمّها وزوجةِ أبيها فلم يستحب لها أحدٌ أيضاً..

عدنا في مجموعةِ العملِ إلى عماد لنسألَهُ عن سببِ تجاهلِ الجميعِ لاتصالاتِ شقيقتِه، فأخبرَنا أنّ والدَه قد توفّيَ بعد هجومٍ حادٍ للفايروس على رئتيه اللّتينِ لم تصمدا أمامَ شراسةِ الهجوم، ولا يريدون إخبارَ شقيقتِهِ أثناءَ طريقِ السفر، بل يريدون الانتظارَ حتى تصلَ إلى بيتِ عمّها الذي سيخبرُها هناك بهذا النبأِ العظيم، ولهذا تمَّ تلفيقُ قصةَ التعقيم..

ماتَ أبو عماد بشكلٍ سريعٍ للغاية، لم يصمد أمامَ المرضِ أكثر من عشرةِ أيامٍ فقط، سبعةٌ منها أخفى إصابتَهُ فيها عن أولادِهِ جميعاً لأسبابٍ ذكرناها في الحلقةِ الفائتة، وثلاثةُ أيامٍ أخرى أجرى فيها مكالمةً يتيمةً وحيدةً مع ابنِهِ عماد الذي يحفظُها كلمةً بكلمة، وحرفاً بحرف، في حين حُرِمَ شقيقُ عماد الآخر وشقيقتاهُ أيضاً من سماعِ صوتِ أبيهم وهو على فراشِ المرض لعلهم ينالونَ أشياءً منه ولو قليلةً قبل الرحيلِ إلى دارِ الفناء..

عماد.. بدموعِهِ الغزيرة وصدمتِهِ المروّعةِ يشعر نفسَه أنهُ في حلمٍ وليس في الحقيقة، لأنهُ كانَ معتاداً على الاستئناسِ بصوتِ أبيه يومياً، ورؤيتِهِ بالصوتِ والصورةِ وهو يلاطفُ حفيدتَهُ ابنةَ عماد، حيث كان هذا المشهد بحسبِ قولِ عماد بمثابةِ الأنيسِ الوحيدِ له بعد فقدانِ أمّهِ التي ماتت هي الأخرى دون أن يراها أو يشاركَ في جنازتِها بعد أن أبعدَتهُ الغربةُ اللعينةُ عنها..

اليوم يفقدُ عماد هذا المشهدَ كاملاً ولن يتمكنَ من رؤيةِ والدِهِ مرةً أخرى سوى في الأحلامِ أو أحلامِ اليقظةِ إذا صَحّ التعبير، لأنهُ كلّما يشتاقُ إلى والدِهِ يعمدُ كثيراً إلى الاستئناسِ بالتسجيلاتِ الصوتيةِ والصورِ والرسائلِ ومقاطعَ الفيديو التي كان والدُهُ الفقيد يرسلُها إليه كل يوم..

يقولُ عماد: لقد عانينا بعد وفاةِ والدي كثيراً، فبالإضافةِ إلى شعورِنا باليُتْمِ والضياع، واجهنا مشكلتانِ كبيرتانِ بعدَ الوفاة.. المشكلة الأولى هي ترتيباتُ الدفنِ والعزاء، فقد منعت السلطاتُ السوريةُ الناسَ من المشاركةِ في الجنازة، أو في الغسلِ و الكفن، وتولّت هي المسؤوليةَ كاملة، بذريعةِ أنها تخشى على المشاركين من انتقال العدوى إليهم إذا ما حصلَ ازدحامٌ على المقبرة، لاسيما أنّ وفاةَ والدي بهذا الشكلِ السريعِ أحدَثت صدمةً كبيرةً بين مُحبّيه، ولهذا كان قدرُنا أن نرى أبانا يُدفَنُ بحضورِ خمسةِ أشخاصٍ من أقاربهِ فقط، دون الكشفِ عن وجههِ أو السماحِ بالاقترابِ منه، وهذا باعتقادي أمرٌ مبالغٌ فيه، لأنّ الحريصَ على شعبِهِ من الازدحامِ و العدوى، لا يتجلّى حرصُهُ فقط عند المقابرِ والجنازات، بل لابد أنْ نرى هذا الحرصَ أيضاً عند الأفرانِ التي تشهدُ اكتظاظاً بشرياً هائلاً، حيث يتجمعُ الناسُ هناك فوقَ بعضِهم البعض، من أجلِ الحصولِ على رغيفِ الخبزِ دون أيّ تدخلٍ من السلطات، كذلك ينبغي أن نرى هذا الحرص عند الطوابيرِ البشريةِ التي تصطفُّ للحصولِ على جرةِ الغازِ أو ليترَينِ من البنزين .. إنه النفاقُ الحكوميُّ في أبشعِ صورِه، والذي صنعَ من جثثِ ضحايا كورونا مادةً لإظهارِ الحرصِ على المواطنين، وأبي واحدٌ من هذه الضحايا..

المشكلةُ الثانية التي فاقمَت معاناتُنا بعد وفاةِ والدي هي أصعبُ من نظيرتِها الأولى، لا.. بل هي أيضاً أصعبُ من وفاةِ والدي أيضاً، وذلك حين وقعنا في ألسنةِ بعضِ ضعافِ النفوسِ من الأقاربِ الذين طعنونا في ظهورِنا، فكانت ألسنتُهم التي تسلّطت علينها خناجرَ مسمومةً لها وقعٌ سلبيٌّ علينا أكثرُ من وقعِ السيوف، وقد صدقَ الشاعرُ حين قال:

وظُلْمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً

     على الجسمِ من وقعِ الحسامِ المُهنّدِ

فالكثيرون راحوا يقولون عنا في ظهرِ الغيبِ أننا تركنا والدَنا وحيداً و تخلّينا عن بِرِّه، ورحنا نبحثُ عن حياتِنا ومستقبلِنا في أوروبا دون الاكتراثِ لمصيرِه، فأمّهم قد ماتت وهم بعيدون عنها، وها هو أبوهم يموتُ أيضاً بعد أن تركوهُ وهاجروا، ولم يجدْ المُعَزّونَ واحداً من أبنائِهِ كي يقولوا لهُ عظّمَ اللهُ أجركم، أو إنّا للهِ وإنّا إليه راجعون، ولم يفتحوا لهُ بيتَ عزاء، وأقوالٌ كثيرةٌ من هذا القبيل، والذين قالوا هذا الكلامَ هم من أقربِ الناسِ إلينا، و قد أصبحَ هذا الأمرُ مزعجاً للغايةِ بعد تكرارِهِ كثيراً في الأيام الأولى لوفاةِ والدي، ومهما حاولتَ تجاهلَ هذه الأصواتِ الضالّةِ وعدمَ الاكتراثِ بها، إلا أنك تجدُ نفسَكَ مضطراً أحياناً للتعاملِ معها، وذلك حين تتصلُ عليكَ شقيقتُكَ باكيةً من حُرقَتين، حرقةُ فقدانِ أبيها وحُرقةِ الوقوعِ في ألسنةِ الأقارب، و أيضاً حين يتصلُ عليك أخوك الذي احترقَ بوفاةِ والدِهِ وهو في الغربةِ، باكياً مرتجفاً يقول لك : فلانٌ من الأقارب يقولُ عنا كذا وكذا، و فلانةٌ من الناسِ تقول عنا كذا وكذا .. ليس هذا فحسب، بل وصلَ الأمرُ ببعضهم إلى الطعنِ بالفقيدِ نفسِه، الفقيدِ الذي لم ينتهِ العزاءُ به بعد، الفقيدِ الذي لم ينشف ترابُ قبرِهِ بعد، فيقولونَ عنهُ أشياءَ كثيرة، ويشمتون بما أصابهُ لأنه في نظرِهم عقابٌ له من اللهِ بعد أن تزوّجَ الثانية عقب وفاةِ أمي بفترةٍ وجيزة..

مرحلةٌ صعبةٌ للغايةِ عاشها عمادُ وإخوتُهُ حيث يقولُ عمادُ في ختامِ مداخلتِهِ معنا:

الكلُّ كانَ شريكَاً في ما آلت إليه أوضاعُنا بعد وفاةِ والدي، فلكورونا كان شديدَ البأسِ على والدي حيث خطفَهُ بسرعةِ البرقِ رغم أنّ والدي لا يدخّنُ أبداً و مهتمٌ بالرياضةِ على الدوام، و كذلك الغربةُ منعتنا هي الأخرى من الوقوفِ إلى جانبِ والدِنا في محنتِه، والناسُ سلّطوا ألسنتهم علينا دون رحمةٍ أو شفقة، وإخوتي تشتّتت بهم السبلُ في أصقاعِ الأرض ولم يبقَ لنا سوى وسائلِ التواصلِ الاجتماعيّ إذا ما أردنا تنفيذَ وصيّةِ والدي المرحوم..

سأبقى على تواصلٍ مع زوجةِ أبي رغم تحريضِ البعضِ لي بالقطيعة، وليس أمامي سوى الدعاءِ لوالدَيَّ بالرحمةِ ولي بالمغفرةِ إذا ما كنتُ مُقصّراً بحقّ أحدهما..

أشكركم على إتاحةِ هذه الفرصةِ للإفصاحِ عن معاناتنا وأشكرُ تفهّمَكم على كتمانِ المعلوماتِ الشخصيةِ لنا.. دمتم ودامَ منبركم

الوسوم

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/16554