map
RSS instagram youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4116

بودكاست قصة من المخيم بعنوان "بين مخيّمات سورية ولبنان.. مأساةٌ لم تنتهِ بعد" (1)

تاريخ النشر : 10-01-2022
بودكاست قصة من المخيم بعنوان "بين مخيّمات سورية ولبنان.. مأساةٌ لم تنتهِ بعد" (1)

|مجموعة العمل | لندن |

كثيرةٌ هي البقعُ الجغرافيةُ التي كانت شاهدةً على معاناةِ اللاجئينَ الفلسطينيينَ الذين غادروا سورية، إثرَ الحربِ الدائرةِ هناك، ولهذا فإنّ معاناتَهُم لم يكن لها حدود، بل كانت مفتوحةً على مدّ البصر، فالفقراءُ منهم استقروا في البلدانِ المجاورة، ولم يكن لديهم القدرةُ المادّيّةُ للزحفِ أكثر، فتجدُهم قد حطّوا رحالَهُم في لبنانَ والأردنَ على سبيلِ المثال، لتستمرَّ معاناتُهُم بعد أن عاشوا في مخيماتٍ لا تتوفرُ فيها مقوّماتُ الحياةِ الكريمة..

هناك في أحدِ مخيماتِ لبنان، كان لمجموعةِ العملِ نصيبُ التحدّثِ مع أبي رائد، الذي عصفَتْ به الأيامُ ودارتْ بهِ الدائرة، فوجدناهُ يعيشُ في بيتٍ لا يصلحُ حتى للأغنامِ من شدّة تَهالُكِهِ وتآكلِه، وعندما سألناهُ عن تلك الجرذانِ التي تخرجُ من البيتِ وتدخلُ إليه دونَ أيِّ اكتراثٍ منه، قال لنا ساخراً وببساطةٍ منقطعةِ النظير" هؤلاء جزءٌ من أصحابِ الدار، لقد اعتدنا عليهم واعتادوا علينا، ولم نعدْ نحترسُ منهم، أو نخفْ من وجودِهم في الدار، بل على العكسِ تماماً، أصبحنا نفتقدُهم عندما يُطِيلون في غيابهم."

أبو رائد فلسطيني سوري من مدينةِ درعا، يبلغ من العمر ثمانيةً و أربعينَ عاماً، لديه ثلاثةُ أطفال، غادر منزله في درعا عام ألفين و ثلاثةَ عشر ، ولم يكن لديهِ المالُ الكافي للوصولِ إلى تركيا أو أوروبا، ولذلك فقد استقرّ في لبنان، حيث يقولُ في حديثٍ خاص لمجموعةِ العمل:" في العام ألفينِ و أحدَ عشر، عندما بدأَتِ الثورةُ لم أكنْ من المشاركين فيها على كافة الصُّعد، لا على صعيدِ المظاهراتِ ولا على صعيد الاعتصاماتِ والإضرابات، ولا على صعيدِ السلاح والمواجهة، لأنّ همّي في ذلك الوقتِ محصورٌ في تأمينِ لقمةِ العيشِ لأولادي، فالكلُّ يعلمُ أنّ العاملَ في سورية إذا عملَ أكل، وإذا تعطّل عن العملِ فليسَ لديهِ مصدرُ رزقٍ آخر، ولهذا كنت أبتعدُ عن أي خطِّ تماسٍ يقرّبُني من النظام، خشيةَ اعتقالي أو إصابتي، لكنّ كلَّ شيءٍ في المدينةِ آنذاك كان يوحي بامتدادِ الثورة، وارتفاعِ سقفِ المطالبِ الشعبية، وعدمِ توقّفِ الاحتجاجاتِ التي كانت تتعاظمُ شيئاً فشيئاً..

كنت أعملُ في البناءِ ونجارةِ الباطون، وقد توقفَت أعمالي مع دخولِ الثورةِ مرحلةَ السلاح، إلى أن تمّ استهداف الحيِّ الذي كنت أسكنُ فيه، وسقوطُ العديدِ من الشهداءِ والجرحى، بذريعةِ وجودِ مسلحينَ هربوا من درعا البلد ودخلوا إلى هذا الحي، ثم جاءت دورياتُ الأمنِ واقتحمت الحيَّ بشراسةٍ بعد أن توقفَ القصف، وقامت باعتقالِ العديدِ من الشبّانِ الذين لا علاقةَ لهم واقتادتهم إلى السجون، في حين أقدمتْ على إعدامِ شابين ميدانياً بإطلاقِ الرصاصِ عليهِم بشكلٍ مباشر، الأمرُ الذي أحدثَ حالةً من الرعبِ غيرَ مسبوقةٍ لدى سكانِ الحي، وأنا واحدٌ منهم، وهنا بدأت أفكرُ بالحل، فالمسألةُ مسألةُ حياةٍ أو موت..

ومع دخولِ المخيمِ على خطِّ المواجهةِ أصبحَ الفلسطينيُّ مكروهاً جداً من قبل النظام السوري، بذريعةِ احتضانِه لسلاحِ المعارضة، ونكرانِه للجميل، ولهذا كان حاجزُ (حميدة الطاهر) التابعُ لحيِّ السحاري في المدينة، يصبُّ جامَ غضبِه على أيِّ شخصٍ يحملُ تذكرةَ الإقامةِ المؤقّتةِ للّاجئين، وللحقيقةِ لم أتعرضْ لهكذا موقف، لأنني التزمتُ الحجرَ المنزليَّ في تلك الفترةِ خشيةَ الاعتقال، وذلك رغمَ مطالبةِ زوجتي لي بالبحثِ عن عملٍ بعدما أرهقَنا الفقرُ والجوع..

اقتحم الأمنُ مخيّمَ درعا، وقام بإحراقِ العديدِ من المنازلِ بطريقةٍ وحشيةٍ لا يمكن وصفُها، حيث كان يستخدمُ مواداً حارقةً قادرةً على إبادةِ محتوياتِ المنزلِ بشكلٍ كامل، بحيث لا يبقى من الأثاثِ سوى بضعةِ أطلالٍ تدلُّنا عليه، فهنا كان البرادُ وهذه آثارُه، وهناك كانت الغسالةُ وهذه معالمُها، وهنا غرفةُ النوم وهذا الرمادُ هوما يدلُّ عليها..

ذهبتُ إلى المخيّمِ بعد انتهاءِ عمليةِ الاقتحامِ للاطلاعِ على منزلِ أخي الذي هربَ إلى دمشقَ آنذاك، وَلِتَقييمِ الأضرارِ والخسائر، فرأيتُ العجبَ العُجاب، وبالفِعل من رأى ليسَ كمن سمع، فمن شدةِ الاحتراقِ أصبحَ المنزلُ متّشحاً بالسواد، وكأنّك في ظلمةِ الكهف، تخشى حتى من الدخولِ إليه، لا يوجدُ فيهِ حجرٌ على حجر، باستثناءِ عبارةٍ خطّها النظامُ عند المدخل: الأسد أو نحرق البلد وأهل البلد، ولا أبالغُ حين أقولُ لكَ بأنني اتصلتُ بأخي صاحبِ المنزلِ وسألته السؤال التالي: إنت مرحّل غراض بيتك قبل ما اتهجّ لأنو ما في آثار لأي أثاث بالبيت؟ فأجابني باكياً: راح تعب العمر ياخوي..

نعم.. لقد كان حرقُ النظامِ للمنازلِ ممنهجاً ووحشيّاً لا يُوصَف، وجُنونُه في تلك الفترةِ من الفلسطينيِّ هو الذي دفعَني إلى التفكيرِ بمغادرةِ البلد فوراً ودون التفكيرِ بالعواقبِ والنتائج، وقد زادَ من إصراري على الرحيلِ ما حدث َمعي داخلَ المخيم ذاتَ مرة، وذلك بعد سيطرةِ قواتِ المعارضة عليه، إذ كنتُ ذاهباً إلى منزلِ أخي كي أفكَ خزّان المياه، فتفاجأتُ بعدةِ دراجاتٍ ناريةٍ تحلّقت حولي، يقودُها شُبّانٌ ملثّمون، وطلبوا مني الهوية وبدؤوا يدققون في معالمَ وجهي، لينتهيَ الصمتُ المرعبُ بقول أحدهم لي: إنت مطلوب للمحكمة الثورية اتفضل معنا.. يا لطيف!! المحكمة الثورية دفعة واحدة؟!! خير شو عامل ليش..

لا اتناقش.. اطلع وراي ع الماتور وهناك بتعرف..

تجرأتُ فسألتُهم: شو الفرق بينكم وبين النظام؟؟ النظام هلكنا بالمحاكم المدنية والعسكرية، وهاي انتو صار عندكو محاكم ثورية..

أمسكَني من كَتِفي وقرّبني منهُ بطريقةٍ مستفزةٍ وقال لي: اصعد خلفي وإلّا سأقتلُك، وبالفعل صعدتُ مرتجفاً مصفرَّ الوجه، واقتادوني إلى المحكمة، وكانت التهمةُ الموجهةُ لي بأنّ تردّدي على المخيمِ في الفترةِ الأخيرةِ أصبح متكرراً ومثيراً للشك بالإضافة إلى أنّ زوجتي سافرة، وهذا لا يجوزُ في الدين ولا يجوز أن أقبلَ بهِ أنا كمسلم، ثم قاموا بضربي وتعذيبي كي أعترفَ على شيءٍ ما، ولكنني رفضْتُ لأن مجيئي إلى المخيم كان بدافع الوصولِ إلى بيتِ أخي، حالي هو حالُ الكثيرينَ من الذين يترددنَ على المخيم، فلستُ الوحيدَ الذي يأتي إلى المخيمِ قادماً من المدينةِ التي يسيطرُ عليها النظامُ السوري، ثم قاموا بتفتيشِ جوالي رغمَ أنني أخبرتُهم باحتواءِ الجوالِ على صورٍ خاصةٍ لي ولأسرتي، لكنهم أصرّوا على تفتيشِه، وعندما فشلوا في العثورِ على أشياءٍ تُدِينُني انتقلوا إلى موضوع حِجاب زوجتي الذي هو فرضُ عينٍ عليها..

بالفعل آذوني كثيراً يا أخي الكريم، ولم تقتصرْ الأذيّةُ فقط على الناحيةِ الجسدية، بل إنّ جملةَ الملافظِ التي خاطبوني بها كانت غليظةً إلى حدٍّ بعيد، دونَ أيِّ اعتبارٍ للشيبِ الظاهرِ في رأسي، وهم الشُبّانُ اليافعونَ الذين لا يتجاوزُ عمرُ أكبرِهم خمسةً وعشرين عاماً، وقد استمروا على هذه الشاكلةِ إلى أنْ جاء شخصٌ منهم أعرفُهُ ويعرفُني، كان هو شفيعي الذي خلّصني من أياديْهِم وطلبَ منهم إطلاقَ سراحي بعد أن قضيتُ عندهم بضعَ ساعاتٍ من الاستجوابِ والضرب، وكأنهم يريدون تقليدَ النظامِ في القمعِ والتخويف، ولهذا قررتُ الرحيلَ عن هذا البلدِ الذي لم يبقَ لنا فيه شيءٌ سوى الذكريات، ولكنْ إلى أينَ وكيف، فالإمكانياتُ الماديةُ لا تسمح، ولديَّ زوجةٌ وثلاثةُ أطفالٍ صغار، ولهذا كان لبنان ُ وجهَتي الأقربَ رغم أنّني لا أعرف أحداً هناك، وبالفعل حصلتُ على تصريحٍ من (عين كرش) لدخولِ لبنان وودّعتُ مسقطَ رأسي وتوجهتُ صوبَ لبنان، ودخلتُ المخيم الذي لا أعرف فيه أحداً.."

تُرى كيف أمضى أبو رائد أيامَهُ الأولى في لبنان؟ وما هو وضعُهُ الحالي؟ وماذا فعلتْ بهِ الأيام؟؟

هذا ما سوفَ يحدّثُنا عنهُ في الحلقةِ القادمةِ إنْ شاءَ الله..

تابعونا

الوسوم

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/16653

|مجموعة العمل | لندن |

كثيرةٌ هي البقعُ الجغرافيةُ التي كانت شاهدةً على معاناةِ اللاجئينَ الفلسطينيينَ الذين غادروا سورية، إثرَ الحربِ الدائرةِ هناك، ولهذا فإنّ معاناتَهُم لم يكن لها حدود، بل كانت مفتوحةً على مدّ البصر، فالفقراءُ منهم استقروا في البلدانِ المجاورة، ولم يكن لديهم القدرةُ المادّيّةُ للزحفِ أكثر، فتجدُهم قد حطّوا رحالَهُم في لبنانَ والأردنَ على سبيلِ المثال، لتستمرَّ معاناتُهُم بعد أن عاشوا في مخيماتٍ لا تتوفرُ فيها مقوّماتُ الحياةِ الكريمة..

هناك في أحدِ مخيماتِ لبنان، كان لمجموعةِ العملِ نصيبُ التحدّثِ مع أبي رائد، الذي عصفَتْ به الأيامُ ودارتْ بهِ الدائرة، فوجدناهُ يعيشُ في بيتٍ لا يصلحُ حتى للأغنامِ من شدّة تَهالُكِهِ وتآكلِه، وعندما سألناهُ عن تلك الجرذانِ التي تخرجُ من البيتِ وتدخلُ إليه دونَ أيِّ اكتراثٍ منه، قال لنا ساخراً وببساطةٍ منقطعةِ النظير" هؤلاء جزءٌ من أصحابِ الدار، لقد اعتدنا عليهم واعتادوا علينا، ولم نعدْ نحترسُ منهم، أو نخفْ من وجودِهم في الدار، بل على العكسِ تماماً، أصبحنا نفتقدُهم عندما يُطِيلون في غيابهم."

أبو رائد فلسطيني سوري من مدينةِ درعا، يبلغ من العمر ثمانيةً و أربعينَ عاماً، لديه ثلاثةُ أطفال، غادر منزله في درعا عام ألفين و ثلاثةَ عشر ، ولم يكن لديهِ المالُ الكافي للوصولِ إلى تركيا أو أوروبا، ولذلك فقد استقرّ في لبنان، حيث يقولُ في حديثٍ خاص لمجموعةِ العمل:" في العام ألفينِ و أحدَ عشر، عندما بدأَتِ الثورةُ لم أكنْ من المشاركين فيها على كافة الصُّعد، لا على صعيدِ المظاهراتِ ولا على صعيد الاعتصاماتِ والإضرابات، ولا على صعيدِ السلاح والمواجهة، لأنّ همّي في ذلك الوقتِ محصورٌ في تأمينِ لقمةِ العيشِ لأولادي، فالكلُّ يعلمُ أنّ العاملَ في سورية إذا عملَ أكل، وإذا تعطّل عن العملِ فليسَ لديهِ مصدرُ رزقٍ آخر، ولهذا كنت أبتعدُ عن أي خطِّ تماسٍ يقرّبُني من النظام، خشيةَ اعتقالي أو إصابتي، لكنّ كلَّ شيءٍ في المدينةِ آنذاك كان يوحي بامتدادِ الثورة، وارتفاعِ سقفِ المطالبِ الشعبية، وعدمِ توقّفِ الاحتجاجاتِ التي كانت تتعاظمُ شيئاً فشيئاً..

كنت أعملُ في البناءِ ونجارةِ الباطون، وقد توقفَت أعمالي مع دخولِ الثورةِ مرحلةَ السلاح، إلى أن تمّ استهداف الحيِّ الذي كنت أسكنُ فيه، وسقوطُ العديدِ من الشهداءِ والجرحى، بذريعةِ وجودِ مسلحينَ هربوا من درعا البلد ودخلوا إلى هذا الحي، ثم جاءت دورياتُ الأمنِ واقتحمت الحيَّ بشراسةٍ بعد أن توقفَ القصف، وقامت باعتقالِ العديدِ من الشبّانِ الذين لا علاقةَ لهم واقتادتهم إلى السجون، في حين أقدمتْ على إعدامِ شابين ميدانياً بإطلاقِ الرصاصِ عليهِم بشكلٍ مباشر، الأمرُ الذي أحدثَ حالةً من الرعبِ غيرَ مسبوقةٍ لدى سكانِ الحي، وأنا واحدٌ منهم، وهنا بدأت أفكرُ بالحل، فالمسألةُ مسألةُ حياةٍ أو موت..

ومع دخولِ المخيمِ على خطِّ المواجهةِ أصبحَ الفلسطينيُّ مكروهاً جداً من قبل النظام السوري، بذريعةِ احتضانِه لسلاحِ المعارضة، ونكرانِه للجميل، ولهذا كان حاجزُ (حميدة الطاهر) التابعُ لحيِّ السحاري في المدينة، يصبُّ جامَ غضبِه على أيِّ شخصٍ يحملُ تذكرةَ الإقامةِ المؤقّتةِ للّاجئين، وللحقيقةِ لم أتعرضْ لهكذا موقف، لأنني التزمتُ الحجرَ المنزليَّ في تلك الفترةِ خشيةَ الاعتقال، وذلك رغمَ مطالبةِ زوجتي لي بالبحثِ عن عملٍ بعدما أرهقَنا الفقرُ والجوع..

اقتحم الأمنُ مخيّمَ درعا، وقام بإحراقِ العديدِ من المنازلِ بطريقةٍ وحشيةٍ لا يمكن وصفُها، حيث كان يستخدمُ مواداً حارقةً قادرةً على إبادةِ محتوياتِ المنزلِ بشكلٍ كامل، بحيث لا يبقى من الأثاثِ سوى بضعةِ أطلالٍ تدلُّنا عليه، فهنا كان البرادُ وهذه آثارُه، وهناك كانت الغسالةُ وهذه معالمُها، وهنا غرفةُ النوم وهذا الرمادُ هوما يدلُّ عليها..

ذهبتُ إلى المخيّمِ بعد انتهاءِ عمليةِ الاقتحامِ للاطلاعِ على منزلِ أخي الذي هربَ إلى دمشقَ آنذاك، وَلِتَقييمِ الأضرارِ والخسائر، فرأيتُ العجبَ العُجاب، وبالفِعل من رأى ليسَ كمن سمع، فمن شدةِ الاحتراقِ أصبحَ المنزلُ متّشحاً بالسواد، وكأنّك في ظلمةِ الكهف، تخشى حتى من الدخولِ إليه، لا يوجدُ فيهِ حجرٌ على حجر، باستثناءِ عبارةٍ خطّها النظامُ عند المدخل: الأسد أو نحرق البلد وأهل البلد، ولا أبالغُ حين أقولُ لكَ بأنني اتصلتُ بأخي صاحبِ المنزلِ وسألته السؤال التالي: إنت مرحّل غراض بيتك قبل ما اتهجّ لأنو ما في آثار لأي أثاث بالبيت؟ فأجابني باكياً: راح تعب العمر ياخوي..

نعم.. لقد كان حرقُ النظامِ للمنازلِ ممنهجاً ووحشيّاً لا يُوصَف، وجُنونُه في تلك الفترةِ من الفلسطينيِّ هو الذي دفعَني إلى التفكيرِ بمغادرةِ البلد فوراً ودون التفكيرِ بالعواقبِ والنتائج، وقد زادَ من إصراري على الرحيلِ ما حدث َمعي داخلَ المخيم ذاتَ مرة، وذلك بعد سيطرةِ قواتِ المعارضة عليه، إذ كنتُ ذاهباً إلى منزلِ أخي كي أفكَ خزّان المياه، فتفاجأتُ بعدةِ دراجاتٍ ناريةٍ تحلّقت حولي، يقودُها شُبّانٌ ملثّمون، وطلبوا مني الهوية وبدؤوا يدققون في معالمَ وجهي، لينتهيَ الصمتُ المرعبُ بقول أحدهم لي: إنت مطلوب للمحكمة الثورية اتفضل معنا.. يا لطيف!! المحكمة الثورية دفعة واحدة؟!! خير شو عامل ليش..

لا اتناقش.. اطلع وراي ع الماتور وهناك بتعرف..

تجرأتُ فسألتُهم: شو الفرق بينكم وبين النظام؟؟ النظام هلكنا بالمحاكم المدنية والعسكرية، وهاي انتو صار عندكو محاكم ثورية..

أمسكَني من كَتِفي وقرّبني منهُ بطريقةٍ مستفزةٍ وقال لي: اصعد خلفي وإلّا سأقتلُك، وبالفعل صعدتُ مرتجفاً مصفرَّ الوجه، واقتادوني إلى المحكمة، وكانت التهمةُ الموجهةُ لي بأنّ تردّدي على المخيمِ في الفترةِ الأخيرةِ أصبح متكرراً ومثيراً للشك بالإضافة إلى أنّ زوجتي سافرة، وهذا لا يجوزُ في الدين ولا يجوز أن أقبلَ بهِ أنا كمسلم، ثم قاموا بضربي وتعذيبي كي أعترفَ على شيءٍ ما، ولكنني رفضْتُ لأن مجيئي إلى المخيم كان بدافع الوصولِ إلى بيتِ أخي، حالي هو حالُ الكثيرينَ من الذين يترددنَ على المخيم، فلستُ الوحيدَ الذي يأتي إلى المخيمِ قادماً من المدينةِ التي يسيطرُ عليها النظامُ السوري، ثم قاموا بتفتيشِ جوالي رغمَ أنني أخبرتُهم باحتواءِ الجوالِ على صورٍ خاصةٍ لي ولأسرتي، لكنهم أصرّوا على تفتيشِه، وعندما فشلوا في العثورِ على أشياءٍ تُدِينُني انتقلوا إلى موضوع حِجاب زوجتي الذي هو فرضُ عينٍ عليها..

بالفعل آذوني كثيراً يا أخي الكريم، ولم تقتصرْ الأذيّةُ فقط على الناحيةِ الجسدية، بل إنّ جملةَ الملافظِ التي خاطبوني بها كانت غليظةً إلى حدٍّ بعيد، دونَ أيِّ اعتبارٍ للشيبِ الظاهرِ في رأسي، وهم الشُبّانُ اليافعونَ الذين لا يتجاوزُ عمرُ أكبرِهم خمسةً وعشرين عاماً، وقد استمروا على هذه الشاكلةِ إلى أنْ جاء شخصٌ منهم أعرفُهُ ويعرفُني، كان هو شفيعي الذي خلّصني من أياديْهِم وطلبَ منهم إطلاقَ سراحي بعد أن قضيتُ عندهم بضعَ ساعاتٍ من الاستجوابِ والضرب، وكأنهم يريدون تقليدَ النظامِ في القمعِ والتخويف، ولهذا قررتُ الرحيلَ عن هذا البلدِ الذي لم يبقَ لنا فيه شيءٌ سوى الذكريات، ولكنْ إلى أينَ وكيف، فالإمكانياتُ الماديةُ لا تسمح، ولديَّ زوجةٌ وثلاثةُ أطفالٍ صغار، ولهذا كان لبنان ُ وجهَتي الأقربَ رغم أنّني لا أعرف أحداً هناك، وبالفعل حصلتُ على تصريحٍ من (عين كرش) لدخولِ لبنان وودّعتُ مسقطَ رأسي وتوجهتُ صوبَ لبنان، ودخلتُ المخيم الذي لا أعرف فيه أحداً.."

تُرى كيف أمضى أبو رائد أيامَهُ الأولى في لبنان؟ وما هو وضعُهُ الحالي؟ وماذا فعلتْ بهِ الأيام؟؟

هذا ما سوفَ يحدّثُنا عنهُ في الحلقةِ القادمةِ إنْ شاءَ الله..

تابعونا

الوسوم

رابط مختصر : https://www.actionpal.org.uk/ar/post/16653