map
RSS instagram youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4294

الاختفاء كهوية: الفلسطيني السوري وسؤال الغياب في المؤسسة الوطنية للمفقودين

تاريخ النشر : 01-01-2026
الاختفاء كهوية: الفلسطيني السوري وسؤال الغياب في المؤسسة الوطنية للمفقودين

 نضال الخليل مجموعة العمل

حين يغدو الغياب بنية

في المجتمعات الخارجة من الحرب، لا يُقاس الأمل بمدى إعادة بناء البيوت، بل بقدرة الدولة على الاعتراف بمن فُقدوا فيها. لكن حين يُصبح الغياب "مؤسسة" والاختفاء بنيةً مستقرة من العلاقات الرسمية، تتشكّل أمامنا مجتمعات لا تبحث عن المفقود، بل تؤطّره في رمزية "غير القابل للإرجاع".

الفلسطيني السوري في هذا السياق ليس ضحية عنفٍ فحسب، بل هو ضحية التهميش البنيوي داخل أجهزة التوثيق ومفاهيم العدالة الانتقالية؛ فغيابه في ظل صمت المؤسسة ليس مجرّد حادث فردي، بل يكشف نمطاً اجتماعياً من الإنكار المؤسسي المتكرّر.

التهميش المضاعف

الفلسطيني في سوريا، ومنذ ولادته في المخيم، كان يخضع لمعادلة قانونية استثنائية؛ فهو ليس مواطناً كاملاً، ولا لاجئاً محمياً بحصانة الدولة المضيفة، بل هو حالة من الـ "داخل-خارج"؛ يحمل هوية مؤقتة يُسمَح له عبرها بالعمل والسكن، لكنه يظل خارج السياسة الرسمية، وخارج سرديات الدولة عن نفسها.

مع اندلاع الثورة السورية، انكشف هذا التهميش بصورة جذرية؛ فعلى الرغم من أن الفلسطينيين كانوا جزءاً من الحراك المدني ودفعوا ثمنًا باهظًا من الاعتقال والاختفاء القسري، إلا أن سردية الضحية الرسمية ظلّت "سورية الهوية"، "سورية الألم"، و"سورية الشهادة". لقد أُقصي الفلسطيني السوري من حقّه في الظهور كضحية سياسية، لا بفعل الصدفة، بل بفعل بنيات السيطرة الرمزية والمؤسساتية.

آلية لإعادة إنتاج المركز والهامش

حين تأسّست "الهيئة الوطنية للمفقودين" في أيار 2025، حملت وعوداً قانونية بتنظيم ملف المختفين، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم تقارير علنية، وافتتاح مراكز محلية لتلقي الشكاوى. لكن التحليل السوسيولوجي للهيئة يكشف أنها تعمل وفق منطق "التوحيد المؤسسي"، أي دمج كل ضحايا الحرب في إطار قانوني واحد دون الاعتراف بتمايز الهويات والخصوصيات.

هكذا، يتحوّل الفلسطيني السوري من فاعل سياسي له تاريخه الخاص، إلى رقمٍ إضافي في جدول سكاني تفرزه الهيئة، لا يملك القدرة على مساءلة المؤسسة ولا التأثير في سرديتها. إن غياب التمثيل الفلسطيني داخل الهيئة ليس نقصاً إدارياً، بل هو تعبير سوسيولوجي عن منطق "المواطنة المجازية" التي تحكم الفلسطيني السوري منذ عقود.

المخيمات كمجال اجتماعي للغياب المقونن

المخيم، باعتباره وحدة عمرانية وسياسية، هو أيضاً مسرح يومي لإنتاج الغياب. في مخيم اليرموك مثلاً، أُعيد تشكيل الذاكرة بعد الحصار على نحو يُقصي المفقودين من الذاكرة الرسمية؛ فكل من اختفى قسراً بين عامي 2012–2015 صار اسماً في لائحة غير رسمية تُرفع في الوقفات الاحتجاجية، وتُهمَّش في الخطط الحكومية.

"خيمة الحقيقة" التي نُصبت في حزيران 2025 في اليرموك لم تكن حدثاً احتجاجياً فحسب، بل كانت محاولة لإعادة بناء الذاكرة الجماعية في مواجهة البنية المؤسسية للإنكار. إنها تعبير عن صراع على المعنى، حيث تقول الدولة: "نبحث عن المفقودين"، بينما يرد المجتمع المحلي: "بل تضعوننا في طيّ النسيان".

مَن يحتكر تعريف الضحية؟

في العلوم الاجتماعية، تُعتبر المعرفة أداة سلطة، ومن يتحكم في أدوات التوثيق يتحكم في تصنيف الضحايا، وفي رسم خريطة الألم، وفي توجيه التعويض أو نفيه.

الهيئة الوطنية، برغم طابعها التكنوقراطي، تمارس شكلاً من "السلطة الرمزية" من خلال امتلاكها الحق الحصري في تعريف مَن هو المفقود، ومَن يستحق البحث عنه، ومَن يُهمَل. الفلسطينيون السوريون في هذا المنطق يتم تصنيفهم كمجموعة "خارجية" غير مركزية، يمكن تأجيل النظر في ملفاتها أو دمجها داخل تصنيفات أشمل. وبهذا المعنى، يصبح الغياب الفلسطيني جزءاً من سياسة مؤسسية تُعيد إنتاج مركزية الضحية السورية، وتُقصي التواريخ الهجينة التي لا تنتمي تماماً إلى سيادة الدولة ولا إلى سردياتها الوطنية.

نحو عدالة اجتماعية شاملة

لكي تُحقق العدالة الانتقالية معناها في السياق السوري، لا بد من تفكيك البنية الأحادية التي تحكم مفاهيم الغياب والاعتراف، ويستلزم ذلك:

 . الاعتراف باللاجئ الفلسطيني كفاعل سياسي–اجتماعي له سرديته الخاصة وحقوقه التي لا تُستمد من الجنسية، بل من المشاركة والذاكرة.

 . فتح الهيئة الوطنية على تمثيلات مستقلة من المخيمات ولجان أهلية فلسطينية توثّق الأسماء والأماكن والسياقات السياسية للاختفاء.

 .تدويل ملف المفقود الفلسطيني السوري بوصفه قضية إنسانية غير خاضعة لتوازنات السلطة السورية وحدها.

 * دمج البعد الرمزي في العدالة: ليس المطلوب فقط كشف الأسماء، بل إرجاع الكرامة الاجتماعية والسياسية إلى أسر المختفين، عبر إشراكهم في آليات الحقيقة وتضمين أصواتهم في إنتاج المعرفة.

المفقود كعلامة على التوازنات الاجتماعية

في النهاية، فإن التعامل مع ملف المفقودين لا يتعلّق فقط بالبحث عن أفراد، بل بكيفية إعادة بناء المجتمع نفسه: مَن يُعترف به؟ مَن يُهمّش؟ مَن يُكتب اسمه في اللوائح ومَن يُطوى في السرديات؟

الفلسطيني السوري في هذه المعادلة يمثل مرآة مزدوجة؛ فغيابه يكشف حدود العدالة الانتقالية، ويُعرّي المنطق التراتبي للضحايا داخل المؤسسات الرسمية. ولذا، فإن أي محاولة لإنصافه لا تبدأ من الملفات، بل من النظر في بنية الإنكار ذاتها وتفكيكها؛ لا بالوعود، بل بالاعتراف الجذري والمساءلة الشفافة.

الوسوم

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/22535

 نضال الخليل مجموعة العمل

حين يغدو الغياب بنية

في المجتمعات الخارجة من الحرب، لا يُقاس الأمل بمدى إعادة بناء البيوت، بل بقدرة الدولة على الاعتراف بمن فُقدوا فيها. لكن حين يُصبح الغياب "مؤسسة" والاختفاء بنيةً مستقرة من العلاقات الرسمية، تتشكّل أمامنا مجتمعات لا تبحث عن المفقود، بل تؤطّره في رمزية "غير القابل للإرجاع".

الفلسطيني السوري في هذا السياق ليس ضحية عنفٍ فحسب، بل هو ضحية التهميش البنيوي داخل أجهزة التوثيق ومفاهيم العدالة الانتقالية؛ فغيابه في ظل صمت المؤسسة ليس مجرّد حادث فردي، بل يكشف نمطاً اجتماعياً من الإنكار المؤسسي المتكرّر.

التهميش المضاعف

الفلسطيني في سوريا، ومنذ ولادته في المخيم، كان يخضع لمعادلة قانونية استثنائية؛ فهو ليس مواطناً كاملاً، ولا لاجئاً محمياً بحصانة الدولة المضيفة، بل هو حالة من الـ "داخل-خارج"؛ يحمل هوية مؤقتة يُسمَح له عبرها بالعمل والسكن، لكنه يظل خارج السياسة الرسمية، وخارج سرديات الدولة عن نفسها.

مع اندلاع الثورة السورية، انكشف هذا التهميش بصورة جذرية؛ فعلى الرغم من أن الفلسطينيين كانوا جزءاً من الحراك المدني ودفعوا ثمنًا باهظًا من الاعتقال والاختفاء القسري، إلا أن سردية الضحية الرسمية ظلّت "سورية الهوية"، "سورية الألم"، و"سورية الشهادة". لقد أُقصي الفلسطيني السوري من حقّه في الظهور كضحية سياسية، لا بفعل الصدفة، بل بفعل بنيات السيطرة الرمزية والمؤسساتية.

آلية لإعادة إنتاج المركز والهامش

حين تأسّست "الهيئة الوطنية للمفقودين" في أيار 2025، حملت وعوداً قانونية بتنظيم ملف المختفين، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم تقارير علنية، وافتتاح مراكز محلية لتلقي الشكاوى. لكن التحليل السوسيولوجي للهيئة يكشف أنها تعمل وفق منطق "التوحيد المؤسسي"، أي دمج كل ضحايا الحرب في إطار قانوني واحد دون الاعتراف بتمايز الهويات والخصوصيات.

هكذا، يتحوّل الفلسطيني السوري من فاعل سياسي له تاريخه الخاص، إلى رقمٍ إضافي في جدول سكاني تفرزه الهيئة، لا يملك القدرة على مساءلة المؤسسة ولا التأثير في سرديتها. إن غياب التمثيل الفلسطيني داخل الهيئة ليس نقصاً إدارياً، بل هو تعبير سوسيولوجي عن منطق "المواطنة المجازية" التي تحكم الفلسطيني السوري منذ عقود.

المخيمات كمجال اجتماعي للغياب المقونن

المخيم، باعتباره وحدة عمرانية وسياسية، هو أيضاً مسرح يومي لإنتاج الغياب. في مخيم اليرموك مثلاً، أُعيد تشكيل الذاكرة بعد الحصار على نحو يُقصي المفقودين من الذاكرة الرسمية؛ فكل من اختفى قسراً بين عامي 2012–2015 صار اسماً في لائحة غير رسمية تُرفع في الوقفات الاحتجاجية، وتُهمَّش في الخطط الحكومية.

"خيمة الحقيقة" التي نُصبت في حزيران 2025 في اليرموك لم تكن حدثاً احتجاجياً فحسب، بل كانت محاولة لإعادة بناء الذاكرة الجماعية في مواجهة البنية المؤسسية للإنكار. إنها تعبير عن صراع على المعنى، حيث تقول الدولة: "نبحث عن المفقودين"، بينما يرد المجتمع المحلي: "بل تضعوننا في طيّ النسيان".

مَن يحتكر تعريف الضحية؟

في العلوم الاجتماعية، تُعتبر المعرفة أداة سلطة، ومن يتحكم في أدوات التوثيق يتحكم في تصنيف الضحايا، وفي رسم خريطة الألم، وفي توجيه التعويض أو نفيه.

الهيئة الوطنية، برغم طابعها التكنوقراطي، تمارس شكلاً من "السلطة الرمزية" من خلال امتلاكها الحق الحصري في تعريف مَن هو المفقود، ومَن يستحق البحث عنه، ومَن يُهمَل. الفلسطينيون السوريون في هذا المنطق يتم تصنيفهم كمجموعة "خارجية" غير مركزية، يمكن تأجيل النظر في ملفاتها أو دمجها داخل تصنيفات أشمل. وبهذا المعنى، يصبح الغياب الفلسطيني جزءاً من سياسة مؤسسية تُعيد إنتاج مركزية الضحية السورية، وتُقصي التواريخ الهجينة التي لا تنتمي تماماً إلى سيادة الدولة ولا إلى سردياتها الوطنية.

نحو عدالة اجتماعية شاملة

لكي تُحقق العدالة الانتقالية معناها في السياق السوري، لا بد من تفكيك البنية الأحادية التي تحكم مفاهيم الغياب والاعتراف، ويستلزم ذلك:

 . الاعتراف باللاجئ الفلسطيني كفاعل سياسي–اجتماعي له سرديته الخاصة وحقوقه التي لا تُستمد من الجنسية، بل من المشاركة والذاكرة.

 . فتح الهيئة الوطنية على تمثيلات مستقلة من المخيمات ولجان أهلية فلسطينية توثّق الأسماء والأماكن والسياقات السياسية للاختفاء.

 .تدويل ملف المفقود الفلسطيني السوري بوصفه قضية إنسانية غير خاضعة لتوازنات السلطة السورية وحدها.

 * دمج البعد الرمزي في العدالة: ليس المطلوب فقط كشف الأسماء، بل إرجاع الكرامة الاجتماعية والسياسية إلى أسر المختفين، عبر إشراكهم في آليات الحقيقة وتضمين أصواتهم في إنتاج المعرفة.

المفقود كعلامة على التوازنات الاجتماعية

في النهاية، فإن التعامل مع ملف المفقودين لا يتعلّق فقط بالبحث عن أفراد، بل بكيفية إعادة بناء المجتمع نفسه: مَن يُعترف به؟ مَن يُهمّش؟ مَن يُكتب اسمه في اللوائح ومَن يُطوى في السرديات؟

الفلسطيني السوري في هذه المعادلة يمثل مرآة مزدوجة؛ فغيابه يكشف حدود العدالة الانتقالية، ويُعرّي المنطق التراتبي للضحايا داخل المؤسسات الرسمية. ولذا، فإن أي محاولة لإنصافه لا تبدأ من الملفات، بل من النظر في بنية الإنكار ذاتها وتفكيكها؛ لا بالوعود، بل بالاعتراف الجذري والمساءلة الشفافة.

الوسوم

رابط مختصر : http://www.actionpal.org.uk/ar/post/22535